مقتل 6 مدنيين بقصف في دونيتسك.. وبدء تدريبات عسكرية بقيادة أميركية غرب أوكرانيا

بوروشينكو يلتقي أوباما في واشنطن الأسبوع الحالي للاتفاق على «وضع خاص» لبلاده

جندي أوكراني يلقي التحية على زملائه الجلسين على مدرعة مشاة في منطقة كراماتورسك قرب مدينة سلافيانسك أمس (إ.ب.أ)
جندي أوكراني يلقي التحية على زملائه الجلسين على مدرعة مشاة في منطقة كراماتورسك قرب مدينة سلافيانسك أمس (إ.ب.أ)
TT

مقتل 6 مدنيين بقصف في دونيتسك.. وبدء تدريبات عسكرية بقيادة أميركية غرب أوكرانيا

جندي أوكراني يلقي التحية على زملائه الجلسين على مدرعة مشاة في منطقة كراماتورسك قرب مدينة سلافيانسك أمس (إ.ب.أ)
جندي أوكراني يلقي التحية على زملائه الجلسين على مدرعة مشاة في منطقة كراماتورسك قرب مدينة سلافيانسك أمس (إ.ب.أ)

بدت عملية السلام في أوكرانيا أمس مهددة غداة اليوم الأكثر دموية في شرق البلاد منذ إعلان وقف إطلاق النار الهش الذي يتبادل الجيش الأوكراني والانفصاليون الموالون لروسيا الاتهامات بخرقه.
وقتل 6 مدنيين بينهم امرأة على الأقل في القصف في دونيتسك معقل المتمردين، أول من أمس، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية ومراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
ويأتي سقوط هؤلاء الضحايا في النزاع الذي أوقع أكثر من 2700 قتيل خلال 5 أشهر بحسب الأمم المتحدة، فيما اجتمع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وروسيا في باريس لبحث الأزمة الأوكرانية على هامش المؤتمر الدولي حول أمن العراق.
وفي موازاة ذلك، وفي فصل جديد من صراع القوة بين الغربيين والكرملين منذ عدة أشهر، بدأت في غرب أوكرانيا تدريبات عسكرية بقيادة أميركية.
وتضامنا مع القيادة الموالية للغرب في كييف، بدأ جنود 15 دولة من بينها الولايات المتحدة تدريبات «ترايدنت السريع 14» العسكرية قرب مدينة لفيف الغربية أمس، على بعد نحو ألف كلم من دونيتسك.
ومن المقرر أن ترسل الولايات المتحدة 200 جندي، في انتشار هو الأول من نوعه منذ اندلاع التمرد الموالي لروسيا في شرق أوكرانيا في أبريل (نيسان) الماضي.
وقبل أيام من زيارة الرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو إلى واشنطن، اتهمت روسيا الولايات المتحدة بتأجيج النزاع في شرق أوكرانيا لأهداف استراتيجية، فيما نددت كييف بمحاولة روسية «إلغاء أوكرانيا».
وجرت عمليات القصف الأحد الماضي في حي بشمال غربي دونيتسك. وأعلن مساعد رئيس بلدية المدينة كونستاينتين سافينوف أن «6 مدنيين قضوا في الأعمال الحربية».
وقتل 5 أشخاص في المكان جراء عمليات قصف، في حين توفي السادس في المستشفى متأثرا بجروح خطرة أصيب بها، كما أوضح هذا المسؤول.
وأكدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي رعت إبرام الاتفاق أن مراقبيها شهدوا قصفا في منطقة دونيتسك الأحد الماضي حيث قتل عدد من الأشخاص.
وكانت كييف اتهمت الأحد الماضي المتمردين بتهديد عملية السلام عبر تكثيف عمليات القصف. واتهم أمس «رئيس وزراء جمهورية دونيتسك الشعبية المعلنة من جانب واحد» الجيش الأوكراني «بانتهاك وقف إطلاق النار والاستفزاز».
وقال ألكسندر زاخارتشنكو إن «حكومة كييف تستخدم وقف إطلاق النار هذا لكي تعيد تجميع قواتها ومهاجمتنا مجددا». وأضاف: «سنحدد مصدر هذه النيران وسنسكتها».
ومنذ دخوله حيز التنفيذ في 5 سبتمبر (أيلول) الحالي، ينتهك وقف إطلاق النار بشكل شبه يومي، وكان أبرم في مينسك بين السفير الروسي لدى أوكرانيا ميخائيل زورابوف، والرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما وممثلين عن الانفصاليين أحدهما زاخارتشنكو.
وشكك هذا الأخير في جدوى مواصلة مفاوضات السلام مع كييف، فيما يرتقب عقد اجتماع جديد هذا الأسبوع في مينسك. وقال: «بماذا سيفيد الاجتماع مجددا هذا الأسبوع، وماذا سنبحث؟ يجب أولا احترام الهدنة».
وأعرب الرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في اتصال هاتفي في وقت متأخر من الأحد الماضي عن «القلق» حيال هذه الانتهاكات، على ما أعلن مكتبه. كما أكد أن ميركل أيدت خطط بوروشينكو لإقرار تشريعات في البرلمان تمنح حكما ذاتيا محدودا للمناطق الشرقية التي تعد سندا اقتصاديا لأوكرانيا، وهي نقطة أساسية في اتفاق وقف إطلاق النار.
ويرى الغربيون أن هذه الهدنة غير كافية لضمان سلام دائم. كما يشككون في التزام الكرملين بإيجاد حل سلمي للأزمة التي أثارت أسوأ أزمة بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة.
وأدت الهدنة إلى تجميد هجوم انفصالي في جنوب شرقي البلاد الشهر الماضي بدعم مفترض من مظليين في الجيش الروسي وبالأسلحة الثقيلة، الأمر الذي رجح ميزان القوة ضد الجيش الأوكراني.
وأكد الحلف الأطلسي وكييف أن ألف جندي روسي على الأقل ما زالوا على الأراضي الأوكرانية، الأمر الذي ينفيه الكرملين. غير أنه أفاد بأن جنودا أسروا في أوكرانيا كانوا قد ضلوا طريقهم على الحدود، فيما أكد مسؤول انفصالي أن جنودا آخرين في الجيش الروسي وصلوا لتمضية «العطلة».
ويتوجه بوروشينكو هذا الأسبوع إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما من أجل الاتفاق على «وضع خاص» لبلاده مع الولايات المتحدة، في إطار إبعادها المستمر عن الفلك الروسي.
واستبعد أوباما أي تدخل عسكري، لكنه كشف عن تشديد العقوبات الاقتصادية على موسكو، إلى جانب إجراءات مشابهة من قبل الاتحاد الأوروبي، ستؤدي إلى استبعاد موسكو من الأسواق المالية الغربية وتقييد قطاعها النفطي الحيوي.
واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واشنطن باستغلال الأزمة «لقطع العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا».
على صعيد آخر، يواجه الرئيس الأوكراني انتقادات شديدة من عدد من أقرب أنصاره بسبب رضوخه للضغوط الروسية وتأجيله تطبيق اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبي الذي كان من المقرر المصادقة عليه اليوم.
وحذر العديد منهم من أن قرار تأجيل توجه الجمهورية السوفياتية السابقة اقتصاديا نحو الغرب يمكن أن يدفع إلى تكرار الاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس السابق المدعوم من الكرملين فيكتور يانوكوفيتش بعد أن رفض اتفاقا مماثلا.
وكتب سفياتوسلاف أولينيك نائب حاكم منطقة دنيبروبيتروفسك على صفحته على «فيسبوك»: «لا أدري ما أقول.. آخر مرة حدث فيها ذلك، حصلت المظاهرات».
وقدم دانيلو لوبكيفسكي، نائب وزير الخارجية، استقالته احتجاجا، وقال إن بوروشينكو يبعث «بمؤشرات خاطئة للجميع؛ الجهة المعتدية (روسيا)، وحلفائنا، والأهم من ذلك لمواطني أوكرانيا».
إلا أن معظم المحللين يتفقون على أن تهديد روسيا بفرض قيود قاسية جدا على التجارة مع أوكرانيا يمكن أن تغرق اقتصادها وتؤدي إلى تدهوره بشكل أكبر، لم يترك أمام الرئيس الموالي للغرب الكثير من الخيارات.
ويعد اتفاق التجارة الحرة الذي لن يسري حتى عام 2016، جزءا من اتفاقية شراكة أوسع كان يتوقع أن يصادق البرلمانان الأوروبي والأوكراني عليها اليوم، بعد سنوات من المفاوضات التي أوشكت في كثير من المرات على الانهيار.
وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا نسف تلك المفاوضات خشية أن تخرج أوكرانيا من مدار روسيا وتدمر حلمه بإقامة كتلة ما بعد الاتحاد السوفياتي لتنافس الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. وعقب رفض يانوكوفيتش الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أيام من توقيعه المفترض، قدم بوتين لأوكرانيا مساعدة قيمتها 15 مليار دولار، وخفض سعر الغاز الروسي المبيع لها.
وأخيرا حذرت روسيا من إقامة سد منيع بينها وبين معظم السلع الأوكرانية عندما يدخل الجزء المصادق عليه من اتفاقية التجارة حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويبدو أن ذلك التهديد كان العامل الحاسم في قرار أوكرانيا التقدم بطلب للاتحاد الأوروبي الجمعة الماضي لتأجيل اتفاق التجارة الحرة، وهو ما وافق عليه الاتحاد.
وسارع وزير الاقتصاد الروسي أليكسي أوليوكاييف إلى الإعلان عن أن موسكو تتعهد الآن «بعدم تبني أي إجراءات حمائية» حتى نهاية 2015.
غير أن رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف أكد أمس أن روسيا ستراقب الوضع بدقة لضمان «عدم تطبيق خفي لأي من قواعد التجارة الحرة».
في غضون ذلك، بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس مع مجلس الأمن الروسي التقدم الذي أحرزته عملية السلام في جنوب شرقي أوكرانيا والتداعيات المحتملة لاتفاقية التعاون بين كييف والاتحاد الأوروبي.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قوله: «لقد ناقشوا عملية التسوية السلمية للأزمة في جنوب شرقي أوكرانيا ومن ضمنها الجوانب الإنسانية».
وأضاف: «كان هناك تبادل لوجهات النظر بشأن العواقب السلبية المحتملة على الاقتصادين الأوكراني والروسي جراء تطبيق اتفاقية التعاون بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي».
من جهته، قال المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمس إن الحكومة الألمانية لا تعلم بأي دولة تسلم أسلحة للحكومة الأوكرانية.
وجاء تصريح المتحدث شتيفن تسايبرت حين طلب منه تفسير للتصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأوكراني وقال فيه إن بعض دول حلف شمال الأطلسي ترسل أسلحة لحكومة كييف.
وقال تسايبرت: «السؤال عما إذا كانت هناك أسلحة تقدم يجب أن يوجه إلى الدول التي يفترض أنها أو يزعم أنها تقوم بذلك. لسنا واحدة من تلك الدول ولا أعرف بشيء كهذا».
وقال وزير الدفاع الأوكراني فاليري هيليتي أول من أمس إن دولا بحلف الأطلسي بدأت تسليم أسلحة إلى بلاده لتجهيزها لمحاربة الانفصاليين المؤيدين لروسيا و«لوضع» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عند حده».
وأضاف في مؤتمر صحافي أنه بحث تسليم الأسلحة في اجتماعات ثنائية مع وزراء دفاع دول حلف الأطلسي خلال قمة الحلف التي عقدت في ويلز في 4 و5 سبتمبر (أيلول) الحالي.
وكان مسؤولون في الحلف قالوا إن التكتل الغربي لن يرسل «مساعدات قتالية» لأوكرانيا غير العضو في الحلف، ولكن بمقدور الدول الأعضاء أن تفعل ذلك خارج إطار الحلف.



هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
TT

هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)

انهار هيكل صخري شهير على ساحل إيطاليا المطل على البحر الأدرياتيكي، كان معروفاً باسم «قوس العشاق»، وذلك في يوم عيد الحب بعد أحوال جوية سيئة استمرت لأيام، مما دفع مسؤولين إلى ‌التحذير من أن ‌أجزاء أخرى ‌من الساحل ⁠الهش قد تكون معرضة ⁠لخطر الانهيار.

ووفقاً لـ«رويترز»، كان القوس الطبيعي، وهو جزء من صخور سانت أندريا البحرية بالقرب من بلدة ميليندونيو في منطقة بوليا ب⁠جنوب إيطاليا، موقعاً شهيراً للعشاق ‌لتقديم ‌عروضهم للزواج وبالنسبة للسائحين لالتقاط الصور.

وقال ‌ماوريتسيو تشيسترنينو رئيس بلدية ‌ميليندونيو لصحيفة «كورييري سالنتينو» المحلية: «كانت هدية غير مرغوب فيها في عيد الحب»، واصفاً الانهيار بأنه «ضربة شديدة» لصورة المنطقة والسياحة.

وذكر تشيسترنينو أن ⁠الأمطار ⁠الغزيرة والرياح العاتية والبحر الهائج اجتاحت الساحل ودمرت في النهاية القوس. وأضاف: «استعادت الطبيعة ما صنعته».

وحذر المسؤولون من احتمال انهيار أجزاء أخرى من الساحل الصخري مع ظهور شقوق، مما يؤكد زيادة التهديد الناجم عن تآكل الساحل.


أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ثمة مصدر للقلق الأوروبي في الوقت الحاضر، وهو الطموحات الروسية، واعتبار قيادات رئيسية في القارة القديمة أن الرئيس فلاديمير بوتين لن يتردد، قبل نهاية العقد الحالي، في مهاجمة أوروبا مجدداً، وأن ضحاياه ستكون بالدرجة الأولى جمهوريات بحر البلطيق، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي وانفصلت عنه عقب انهياره في ديسمبر (كانون الأول) 1991.

وسبق لرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، أن أثار جدلاً واسعاً قبل عدة أسابيع عندما نبه ثلاث مرات على الأقل خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من قيام نزاع مسلح في أوروبا وتحديداً مع روسيا. وقال في شهادة له أمام لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي إن على الجيش الفرنسي «أن يكون مستعداً للدخول في مواجهة عسكرية في السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».

وبعدها، لم يتردد، في كلمة له أمام مؤتمر رؤساء بلديات فرنسا، في تنبيه أمهات فرنسا من أنهن سيضحين بعدد من أبنائهن في حرب مستقبلية، الأمر الذي تسبب بموجة من المخاوف في البلاد. وبحسب ماندون، فإن ما قد يدفع روسيا لمواجهة من هذا النوع مرده نظرتها لأوروبا التي ترى فيها قارة «ضعيفة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (وسط) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في صورة جماعية بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ف.ب)

قلق أوروبا

ما تنبه منه باريس، يشغل أيضاً ألمانيا التي تعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا. ففي 13 أكتوبر، أعلن مارتان جايغر، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، أمام البرلمان أن روسيا قد تكون مستعدة للدخول في نزاع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبل عام 2029، وأنه لا ينبغي اعتبار ذلك احتمالاً بعيداً، بل سيعد خطراً حقيقياً. وأكد أن أوروبا تعيش في «سلام بارد قد يتدهور في أي لحظة»، ودعا إلى زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد.

وثمة مصدر ثان للمخاوف الأوروبية، عنوانه انعدام اليقين داخل القارة القديمة لجهة التزام واشنطن بالحلف الأطلسي وبالمادة الخامسة منه، التي تنص على أن أي اعتداء على أي عضو في التكتل الأطلسي يعد اعتداء على جميع أعضائه. وخلال السنوات التي تلت قيام الحلف، عاش الغرب في مأمن؛ لكونه يحظى بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. والحال أن الأوضاع تغيرت اليوم مع عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. فالأوروبيون - الأطلسيون فقدوا ثقتهم بالحليف الأميركي. وجاءت خطط ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التي تعود السيادة عليها للدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لتقوض الثقة القديمة، التي لن تنجح «تطمينات» وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي أغدقها على القادة المجتمعين في مؤتمر ميونيخ للأمن، في ردم الهوة السحيقة التي قامت بين الطرفين.

نووي القارة القديمة

وما يزيد الطين بلة أن الأوروبيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في حرب «كلاسيكية» تدار بأسلحة «تقليدية». ولكن الجهة التي تخيفهم تمتلك السلاح النووي. ولم يتردد المسؤولون الروس في السنوات الأربع التي انقضت على الحرب في أوكرانيا في التلويح عن استعدادهم للجوء إلى السلاح النووي التكتيكي أو ما يسمى «القنبلة الميدانية». وفي حال انحسار المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، يدور البحث عن مظلة بديلة.

والحال أن فرنسا وحدها، داخل الاتحاد الأوروبي، تمتلك السلاح النووي، بحيث إنها تتمتع بقوة ردعية مستقلة وكافية. وخارج الاتحاد، هناك بريطانيا الدولة النووية الثانية في أوروبا.

رئيس أركان الدفاع الفرنسي فابيان ماندون يشارك في اجتماع عبر الفيديو لتحالف المتطوعين الداعم لأوكرانيا بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 نوفمبر 2025 (رويترز)

تفيد المعلومات المتوافرة بأن القوة الفرنسية تتشكل من 290 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها باريس من طراز «تريونفان»، وأيضاً من طائراتها الاستراتيجية من طراز «رافال» القادرة على إطلاق صواريخ «آي إس إم بي» المجهزة برؤوس نووية. أما الضغط على الزر النووي فيعود لرئيس الجمهورية و«الحقيبة النووية» التي تواكبه في تنقلاته. أما القوة النووية البريطانية فبحرية فقط، وتتشكل من 225 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها المملكة المتحدة. القاعدة المعمول بها من على جانبي بحر المانش تقول بضرورة وجود دائم لغواصة نووية في أعماق البحار باعتبارها قوة ردع دائمة للرد على أي اعتداء نووي.

لكن ما يميز البلدين أن الصواريخ البريطانية نتيجة إنتاج مشترك أميركي – بريطاني؛ ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي. بالمقابل، فإن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ مجهزة برؤوس نووية «ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، وتركيا» مخزنة في خمس قواعد جوية أوروبية، وهي تخضع للرقابة الأميركية، ولا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك. وتشير معلومات متوافرة إلى أن عدد هذه الصواريخ يتراوح ما بين 80 و100 صاروخ.

المظلة البديلة

خلال مؤتمر ميونيخ، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس أول من كشف عن وجود «محادثات سرية» بين باريس وبرلين بشأن قيام ردع نووي أوروبي، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقال ميرتس ما حرفيته: «لقد بدأت محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي بشأن الردع النووي الأوروبي. نحن الألمان نلتزم بالتزاماتنا القانونية. ونرى أن هذا الأمر يندرج حصراً ضمن ترتيبات المشاركة النووية في حلف شمال الأطلسي. ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمن مختلفة في أوروبا».

بيد أن ماكرون لم يربط ذلك بالحلف الأطلسي كما فعل ميرتس، ما يعكس وجود تباينات في وجهات النظر بين البلدين اللذين يشكلان، منذ البداية، الدينامو الأول للاتحاد الأوروبي. لكن من المفيد انتظار يوم 27 فبراير الجاري حيث من المقرر أن يلقي ماكرون خطاباً مخصصاً للقوة النووية. علماً بأن باريس، منذ تملكها للسلاح النووي، تعتبر أن استخدامه، من جهة، ردعياً وليس «هجومياً»، ومن جهة ثانية للدفاع عن «المصالح الحيوية» الفرنسية. غير أن فرنسا لم تفسر ولم تحدد معنى المصالح الحيوية، متبنية بذلك مبدأ «الغموض الاستراتيجي». بيد أن باريس ترى أيضاً أن لقوتها الردعية «بعداً أوروبياً»، وهو ما أشار إليه ماكرون في عدة مناسبات، وسبقه إليه الرؤساء شيراك وساركوزي وهولند.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية وطنية جديدة أثناء حديثه للجيش في القاعدة العسكرية في فارس بجبال الألب الفرنسية يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ب)

تتمثل الصعوبة الكبرى التي تواجهها فرنسا بوجود تيار متأصل يرفض «التشارك» في استخدام الدرع النووية الفرنسية. وبكلام آخر، فإنه في حال التوصل إلى تفاهمات مع ألمانيا أو مع غيرها من دول الاتحاد، فإن باريس متمسكة بأن يبقى «الزر النووي» في يدي الرئيس الفرنسي بلا شريك. كذلك، ثمة إشكالية أخرى تثار وتتناول الدول التي تريد فرنسا نشر مظلتها فوقها. ولا أحد في باريس يتوقع أن تشمل جميع الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي، علماً بأن المناقشات النووية ليست محصورة ببرلين وحدها.

لم تتأخر ردة الفعل الأطلسية التي وردت السبت الماضي على لسان الأمين العام للحلف الأطلسي، مارك روته، الذي أعلن من ميونيخ أن لا أحد في أوروبا يسعى لاستبدال المظلة الأطلسية بمظلة أوروبية. وقال روته بمناسبة مؤتمر صحافي: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي هو أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية». وأضاف: «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». ومن جانبها، لم تبق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر محدودة، إذ اكتفى بالقول إن لندن «تعزز تعاونها النووي مع فرنسا». لكن لا شيء يدل على أن بريطانيا تريد القيام بخطوة منفصلة عن الحلف الأطلسي، باعتبار أن قوتها النووية «مندمجة» تماماً في البنى الأطلسية.

بناء على ما سبق، لا يبدو أن الأوروبيين، رغم قلقهم من «الاستدارة» الأميركية، جاهزون لاستبدال المظلة الأميركية - الأطلسية بمظلة أوروبية غير موجودة؛ ما يعني أن «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يدعو إليها ماكرون منذ عام 2017 لا تزال سراباً طالما بقيت أوروبا قوة اقتصادية كبيرة، وليست قوة عسكرية استراتيجية، وهو ما تسعى إليه.


الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
TT

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

قال أحد كبار رجال الدين في الفاتيكان، الاثنين، إن الفاتيكان سيعزز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب في الآونة الأخيرة، لكنه يريد تجنّب «عسكرة» واحدة من أكثر الكنائس جذباً للزوار في العالم.

وذكر الكاردينال ماورو غامبيتي أن أكثر من 20 مليون شخص زاروا الكاتدرائية العام الماضي، وأن تلك الوقائع في الآونة الأخيرة كانت «محدودة للغاية» مقارنة بإجمالي عدد الزوار.

وقال غامبيتي، في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الـ400 لتكريس الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات في العالم المسيحي: «نحن نفكر، وسنقوم الآن بشيء ما، من أجل توفير مزيد من الحماية لبعض الأماكن»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيس كهنة كاتدرائية القديس بطرس البابوية الكاردينال ماورو غامبيتي يتحدث إلى الصحافيين في الفاتيكان 16 فبراير 2026 (أ.ب)

ويخضع الزوار حالياً للتفتيش قبل الدخول، في حين يوجد ما بين 40 و60 فرد أمن غير ظاهرين بشكل لافت داخل الكاتدرائية. وأشار جامبيتي إلى أن الإجراءات الجديدة ستكون بسيطة.

وقال: «سألنا أنفسنا عن الحد الذي يجب أن نذهب إليه في الحماية أو في العسكرة... لإدارة كل شيء والتحكم في كل شيء».

وأضاف «نعتقد أنه يجب أن يظل مكاناً يمنح الأشخاص الذين يدخلون الكاتدرائية لمحة من الحرية، لذلك لا يمكن تجاوز حدود معينة».

وحثّ غامبيتي الصحافيين على تجنّب تشجيع سلوك التقليد، قائلاً إن التقليد أصبح أسهل في مجتمع تشكله وسائل التواصل الاجتماعي و«الدروس التعليمية» عبر الإنترنت.

وأوضح: «نعتقد أننا نستخدم التكنولوجيا، ولكن في الواقع التكنولوجيا هي التي تستخدمنا»، داعياً إلى بذل جهود أوسع من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام لتثقيف الناس والمساعدة في منع وقوع المزيد من الحوادث.

وتخضع الإجراءات الأمنية للمراقبة منذ وقوع سلسلة من الحوادث حول المذبح الرئيسي للكاتدرائية.

مشاركون يؤدون صلاة التبشير الملائكي بساحة القديس بطرس في الفاتيكان 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُبض على رجل مجهول الهوية بعد أن تسلّق المذبح وتبوّل عليه، في حين خلال فبراير (شباط) 2025، تسلّق رجل المذبح وأسقط عدة شمعدانات على الأرض، مما أدى إلى إتلافها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، خلع رجل من أصل بولندي ملابسه، وتسلق على المذبح نفسه احتجاجاً على الحرب في أوكرانيا.

وقال غامبيتي إن الفاتيكان يدرك أن بعض المسؤولين عن مثل هذه الأفعال قد يكونون في غاية الضعف، وأن هناك حاجة إلى فهم ومعالجة نقاط الضعف الموجودة في المجتمع.

وتابع قائلاً: «هناك نقاط ضعف اليوم تتجاوز ما كنا نتخيله قبل 20 عاماً فقط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended