ليبيا: طائرة حربية لـ«الجيش الوطني» تهبط «اضطرارياً» في تونس

معارك طرابلس تحتدم... وحفتر يستبق الهجوم بتغيير قائد قواته

المقاتلة الليبية بعد هبوطها على طريق سريع جنوب تونس (أ.ف.ب)
المقاتلة الليبية بعد هبوطها على طريق سريع جنوب تونس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: طائرة حربية لـ«الجيش الوطني» تهبط «اضطرارياً» في تونس

المقاتلة الليبية بعد هبوطها على طريق سريع جنوب تونس (أ.ف.ب)
المقاتلة الليبية بعد هبوطها على طريق سريع جنوب تونس (أ.ف.ب)

احتدمت حدة المعارك في العاصمة الليبية طرابلس، أمس، بعدما شنت قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر هجوماً عسكرياً واسع النطاق على عدة محاور، أبرزها في جنوب العاصمة، ضد الميليشيات التابعة لحكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج، التي قالت إنها «تصدت لما وصفته بمحاولة فاشلة للالتفاف عليها».
ووسط هذه التطورات، هبطت طائرة حربية تابعة للجيش الوطني اضطرارياً، أمس، في بلدة بني خداش بمحافظة مدنين في جنوب تونس، وقالت وكالة الأنباء التونسية الرسمية، إن الطائرة «لم يكن على متنها سوى الطيار الذي اعتقلته الوحدات العسكرية التي طوقت المكان».
وسارعت وزارة الخارجية في الحكومة الليبية المؤقتة الموالية للجيش (شرق البلاد) بالتأكيد على أن «الطائرة تابعة للجيش الوطني»، وقالت إنها «على تواصل مع السلطات التونسية، لضمان استرجاع الطيار والطائرة الحربية بأمان إلى أرض الوطن».
بدورها نوهت وزارة الدفاع التونسية بأنه «تم الانتباه إلى اختراق طائرة ليبية للمجال الجوي التونسي بمنطقة بني غزال جنوب مدنين، وقد تم في الحين تفعيل منظومة الأهبة العملياتية لاعتراضها والتعرف عليها، غير أن هذه الطائرة اضطرت للهبوط بمنطقة الجرف الأحمر بمدنين قبل الوصول إليها».
وأضافت أن «طائرة عسكرية تونسية تدخلت، واتضح أن الطائرة الحربية ليبية من طراز (إل - 39 الباتروس)، ويقودها ضابط طيار برتبة عقيد، قال في أول تصريحاته إنه اضطر للهبوط على التراب التونسي بسبب عطب».
وقال شهود إن «الطائرة هبطت على جانب الطريق في بني خداش، وأحاطت بها سيارات مدنيين توقفت لمشاهدة ما حدث»، بينما قالت قاعدة الوطية الجوية التابعة للجيش الوطني إن «العقيد طيار فرج الصغير قائد الطائرة بقاعدة براك الشاطئ التابعة للقوات الجوية بالجيش الوطني، اضطر للهبوط بـدولة تونس الشقيقة، نظراً لتعرضه لخلل فني في أجهزة الملاحة الجوية»، مشيرة إلى أنه «أقلع في وقت سابق من صباح أمس من قاعدة براك الشاطئ».
وقالت مصادر عسكرية إن «الطائرة تعرضت لعطل في جهاز الملاحة بالأقمار الصناعية ومنظومة الاتجاهـ، فانحرفت عن مسارها»، مشيرة إلى أنه «نظراً لدخول الطيار غير متعمد للحدود التونسية بسبب قرب الحدود من قاعدة الوطية وقرب نفاذ كمية الوقود، فقد هبط بالطائرة اضطرارياً على الطريق قبل مدينة مدنين على الطريق العامة في الشقيقة تونس، وهبط بسلام، ولم تصب الطائرة بأي أضرار، كذلك لم يسبب أي مشكلة على الطريق العامة».
ميدانياً، وتأكيداً لما كان أبلغه اللواء فوزي المنصوري، قائد محور عين زارة في جنوب طرابلس لـ«الشرق الأوسط»، أول من أمس، أن قوات الجيش تستعد لبدء «هجوم خاطف وسريع لتحرير طرابلس»، أعلن اللواء صالح بوقة رئيس غرفة العمليات المتقدمة بالجيش الوطني، في التاسعة من صباح أمس، عن «ساعة الصفر لتحرير طرابلس من قبضة الميليشيات الإرهابية والإجرامية». وخاطب صالح في بيان عبر جهاز اللاسلكي «جميع الوحدات التابعة للجيش الوطني، داعياً إياها إلى التقدم للانقضاض على العدو والتقدم لتحرير العاصمة».
وتحدّث المركز الإعلامي لغرفة عمليات «الكرامة» التابع للجيش الوطني في بيان مقتضب، أمس، عن فرار عدد كبير من أفراد الميليشيات بآلياتهم، والهروب من مواجهة قوات الجيش والاتجاه إلى الطريق الساحلي خارج العاصمة، مشيراً إلى «بدء الانشقاقات في صوف الميليشيات الموالية، وسط ما وصفه بأخبار مؤكدة عن انضمام قوى أمنية للجيش».
وكان المركز قد أعلن بدء ما وصفه بـ«العمليات النوعية»، مشيراً إلى عمليتين نوعيتين في العاصمة طرابلس للشباب أنصار الجيش؛ حيث تم الهجوم ليلاً على مقر غرفة العمليات بما يعرف بمزرعة المجدوب، وقتل عدد من الميليشيات، وانسحبت المجموعة التي نفذت العملية دون خسائر، وإرباك في محور الخلّة، بالإضافة إلى استهداف سيارة مسلحة بالرماية المباشرة من الميليشيات، بشارع عمر المختار في قلب العاصمة. وأكد بيان للواء «73 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني» تقدم وحدات الجيش جنوب طرابلس منذ الساعات الأولى من صباح أمس، خصوصاً في عين زارة ومحور وادي الربيع، موضحاً في بيان له أن سلاح الجو التابع للجيش قصف نقاط تمركز مسلحي حكومة السراج قبل هذا التقدم.
واستبق حفتر اشتعال القتال في العاصمة بتغيير قائد مجموعة عمليات المنطقة الغربية اللواء عبد السلام الحاسي، وعين مكانه اللواء المبروك الغزوي، بينما احتفظ الحاسي بمنصبه كمسؤول عن غرفة عمليات الكرامة التابعة للجيش الوطني.
ويأتي التغيير بعدما فقد الجيش سيطرته أخيراً على مدينة غريان جنوب طرابلس، بعد معارك عنيفة خاضها تحت قيادة الحاسي في مواجهة ميليشيات السراج.
في المقابل، ادعت قوات السراج التي تشن عملية «بركان الغضب»، أنها وبمساندة سلاح الجو التابع لها أفشلت محاولات تسلل لمن وصفتهم بمتمردين في محور عين زارة، ونجحت في تدمير دبابة و3 آليات عسكرية، مشيرة في بيان لها إلى أنها استهدفت أيضاً دبابتين في محور النهر.
وكان «الجيش الوطني» قد نفى ما أعلنته قوات السراج في وقت سابق من مساء أمس، عن تفجيرها قاعدة الوطية الجوية؛ حيث تربض الطائرات المسيرة من دون طيار التي يستعملها الجيش لقصف هذه الميليشيات جواً، في إطار معارك طرابلس.
وتجاهل فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني هذه التطورات العسكرية في العاصمة طرابلس؛ لكنه ناقش في المقابل ملف المستشفيات الميدانية والعلاج بالداخل والخارج، خلال اجتماعه مع مسؤولين حكوميين، من بينهم وزير داخليته فتحي باش أغا.
وقال السراج في بيان وزعه مكتبه، إن الاجتماع تناول تأمين مواقع المستشفيات الميدانية وتوفير كافة احتياجاتها، وحماية العناصر الطبية العاملة بها، كما ناقش آلية تنفيذ البرامج والخطط المتعلقة برفع كفاءة الوحدات الطبية الميدانية.
إلى ذلك، أعلنت مؤسسة النفط الموالية لحكومة السراج، عن استئناف إنتاج حقل الشرارة، أكبر حقل نفطي في البلاد، ورفع حالة القوة القاهرة عن عمليات الشحن من ميناء الزاوية. وقالت المؤسسة في بيان لها، إنها تعلن «رفع حالة القوة القاهرة عن عمليات شحن خام الشرارة من ميناء الزاوية، بعد النجاح في إعادة فتح الصمام رقم 13، الذي تم إقفاله بخط شحن النفط من حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية (...) مساء أول من أمس»، مشيرة إلى أنه «تم أمس استئناف عمليات الإنتاج ومختلف العمليات النفطية الأخرى».



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».