قصص الحب وأزمنته المنقضية... روائياً

زينب عفيفي تحوّلها إلى عقدة في «أحلم وأنا بجوارك»

قصص الحب وأزمنته المنقضية... روائياً
TT

قصص الحب وأزمنته المنقضية... روائياً

قصص الحب وأزمنته المنقضية... روائياً

عن الأحلام والذكريات والحب المفتقد والرغبات المؤجَّلة المقموعة، تدور مناخات رواية «أحلم وأنا بجوارك» للكاتبة زينب عفيفي، مراوحة بين طرف من أدب السيرة الذاتية، وطرف آخر من أدب البوح أو الاعتراف. وبين الطرفين تبحث (الذات الساردة) البطلة الكاتبة عن عالم بديل، ووجود موازٍ يحقق لها نوعاً من التوازن النفسي، ويخفف من مأزق حياتها في ظل هذه الحيوات المفتقدة الحارقة، لكن لا المأزق الإنساني بمكابداته المأساوية وحده يصنع الدراما فنياً، ولا السيرة الذاتية وحدها تمنح الأنا نشوة الاعتراف، لتمتلئ بكينونتها، بعيداً عن محاولة التصالح مع ماضٍ قاسٍ عاشته أم وابنتها ينتميان إلى الطبقة البرجوازية، ولا يزال يلقي بظلاله على حاضر مترع بالأسى والشجن، كأن ذلك الماضي أصبح وصيّاً عليه، وعلى معنى الحياة.
تتجسد عقدة ذلك الماضي، في صورة البطلة التي شارفت على سن الأربعين، ولم تزل فتاة عذراء، وأيضاً في صورة الأم التي فقدت بصرها وهي في أوج شبابها، ولا تجد عزاء لحياتها الزوجية النمطية الخشنة سوى بالرجوع إلى الماضي بكل ذكرياته ومفارقاته المؤلمة، محاولة استعادة صورة حبها الأول وحبيبها الذي تخلى عنها فجأة، في ظروف ملتبسة وشائكة، ورغم ذلك لا تزال تحتفظ بصوره ورسائله كأنه ومضة الروح الحانية الوحيدة الباقية في جراب الزمن.
يفاقم موت الأب المفاجئ في حادث سير، مأزق الأسرة إنسانياً، مخلّفاً انكساراً في الروح ومشاعر باليُتم، وتتحول حواسُّ مثل الشم، والملمس، والسمع، والرهافة إلى لغة خاصة، غير منطوقة، بديلة بين الأم الكفيفة وابنتها التي تشبهها، بل تكاد تكون صورة طبق الأصل منها. بينما يعزز حبهما المشترك للأدب والقراءة والموسيقى من قدرتهما على الصمود في هذا الوضع المأساوي، ومجابهة وجود ناقص ومشوه، لا يملكان حياله سوى الاختباء من الحياة، ولو في عباءة الماضي والذكريات، كوسيلة للخلاص من شبح اليأس الذي أصبح يعشش في الحاضر ويحاصره، كأنه النقطة الوحيدة التي تشكل عمق الصورة وتلون ظلالها.
هكذا، تتعمد «مي» الفتاة الأربعينية بطلة الرواية التي لم تذق طعم الحب، ولم تلفح نسماته جسدها الغض، تتعمد الهروب من واقعها الأنثوي، ونسيان الحب، لكنه مع ذلك، يظل يطاردها بإيقاعاته الناعمة والصاخبة في روايات الحب الكلاسيكية الكبرى التي أدمنت قراءتها، حتى أصبحت تمثل وجوداً موازياً، تجد فيه تعويضاً عن عدم مصادفة الحب وتحققه في الواقع المادي... وهو ما تصوره الكاتبة على هذا النحو في مستهلّ الرواية (ص 12) قائلةً: «بدأت تتسع دائرة وجود أبطال الروايات في حياتي، صاروا يأتون كل ليلة ليؤنسوا وحدتي في هذا الفراغ الذي تركه أبي بعد رحيله، هم من يستمعون إلى هلاوسي الليلية دون استدعاء، هم من يكتمون أسراري في حالاتي المتناقضة من الحزن والفرح، والضحك والصراخ، والاحتياج والشعور الزائف بالقوة والاحتمال، ونوبات النشوة والرغبات المكبوتة... رأيت فيهم ما رآه بول أوستر في القراءة من أنها الملاذ والعزاء والسلوى والحافز على الاختيار والسكون الجميل الذي يحيط بنا ونحن نُصغي لأصداء كلمات المؤلف وهي تتردد في رؤوسنا».
بيد أن هذا الاختيار المنشود لا يتحقق، بل تتحول القراءة من فعل إيجابي يعين الذات على المعرفة والتزود بالأفكار والرؤى، إلى فعل سلبي، عابر ومؤقت، يؤدي وظيفة محددة وهي هدهدة مشاعر البطلة وأحلامها في الحب والحياة. كأن القراءة أصبحت شكلاً من أشكال رثاء الذات. وعلى العكس، فأن تقرأ وتحب القراءة يعني أنه أصبح لديك طريق للذهاب والإياب، من وإلى الذات، والعالم أيضاً. إنها ترحال، لتعرف محطات أكثر للوصول والسفر.
فهكذا، بين العيش في قصص الحب وأزمنته المنقضية روائياً، وعزف الأم لحنها الشجيّ الحزين كل ليلة، يتحدد عالم ممعن في الواقعية، سقفه جامد وبارد، لا يعرف الخيال، يكرس للعزلة ويصبح منتجاً لها، بشكل لا إنساني، وتختلط فيه الأشياء، بلا منطق أو معنى، مخلّفة هوّة في الروح والجسد يصعب ردمها... تُقارِب الذات الساردة هذا العالم في (ص 13) قائلة على لسان البطلة الابنة: «عزف أمي يولّد بداخلي حنيناً لأشياء أحسها ولا أتلمسها إلا مع أبطال الروايات وأنا معهم داخل غرفتي المغلقة لفترات طويلة، قد تصل ليوم أو يومين، دون أن أغادر مكاني إلا في أوقات تناول الطعام في صحبة أمي، أو تلبية مطلب تحتاجه، ونادراً ما تستعين بي، فهي كثيراً تفضل الاعتماد على نفسها حتى لا تُشعرني بعجزها».
هذه الحالة التي تتحول فيها معايشة الكتابة والاستغراق فيها إلى وسيلة للخلاص من الحب، يمثلها على النقيض، «سليم علوان» الكاتب الروائي الشهير، الذي سعى عمداً إلى قتل الحب الذي جمعه بأمّ البطلة، في أثناء دارستيهما الجامعية، حتى يخلص إلى الكتابة بحرّية، عن الحب نفسه.
تجمع المصادفة البطلة الابنة بـ«سليم علوان»، فتقدمة للجمهور في ندوة أدبية بإحدى المكتبات، تقرأ خلالها بعضاً من كتاباته، كما يتحدث عن روايته الجديدة: «أحبك إلى الأبد» التي كتبها عن قصة حبه الأول للأم... تنكشف حقيقة «سليم علوان» أمام البطلة، وتروي لها الأم حكايته معها، بل كيف قمع فيها أيضاً طموحها في أن تصبح كاتبة.
يتسع فضاء هذه المكاشفة حين تعطيها ملفاً، تحتفظ فيه بالصور والرسائل المتبادلة بينهما... يتقرب «سليم علوان» بشخصيته الجذابة الآسرة من البطلة المفتونة به، ويصارحها بحبه لها، ويطلب منها الزواج رغم فارق السن الشاسع بينهما... لكنها تقف حائرةً ما بين الرغبة في الحب والانتقام منه، لا تملك الإرادة الحرة لحسم فراغ لا نهائي انفجر فجأة في عمق الصورة، وكاد ينزع عنها الإطار، ويقلبها رأساً على عقب... وهو ما تصوره على هذا النحو في لحظة من البوح والنجوى الداخلية الشفيفة، قائلة في (ص 154): «أنا لست ملاكاً ولا شيطاناً، أنا فتاة عذراء لم يمسسها رجل من قبل، تريد أن تعيش وتمارس الحب، تتذوق طعمه...»، «أنا محرومة من الخيال والواقع، جسدي المحروم وروحي الهائمة تطوف حول أبطال الروايات الوهميين كل ليلة، ثم تعود إلى الفراش مهزومة».
بدافع من الواجب العائلي تغلق البطلة صفحة وقوعها في حب الروائي العاشق، مستثمرة رذاذها الموجع في استعادة نقطة التوازن لحياتها وحياة الأم معاً، وعودة الدفء المفقود إلى البيت، حيث تُقنع الأم بكتابة حكاية حبها مع «سليم علوان» في صورة معارضة قصصية، ونشرها في كتاب، لتحقق بذلك حلمها القديم أن تصبح كاتبة، ويصبح التسامي عن الانتقام واجباً إنسانياً، للدفاع عن الكرامة الإنسانية المجروحة.
لقد وضعت زينب عفيفي يدها بقوة في هذا الكتاب على بذرة روائية خصبة، لكنها لم تستطع أن تنضجها، وتبني عليها مفارقات عالم بطلتها الإنساني الخاص المليء بشقوق الأسى والحرمان. فأصبحنا أمام نص يلعب على سطح الصورة، وبضمير أحادي رخو، تنتجه طبيعة السيرة الذاتية وأنا المتكلم، وفي فضاء مغرق في الرومانسية يقيس كل شيء بمدى التصاقه بها، والعيش في ظلالها.
وفوق سطح هذه الصورة اكتفت الذات الساردة أيضاً بلجوء بطلتها إلى عالم الروايات، حتى أصبح الوجود الموازي الأسير لديها، فلم تتوغل داخله وتُخرجه إلى فضاء صورتها هي، بما تمثله من مساقط شحيحة للنور، يتجاور فيها البياض والسواد، كأنهما يبحثان عن لون آخر مغاير في الصورة... هنا كان يمكن لتقنية التقمص أن تلعب هذا الدور بامتياز، لو فكرت الذات الساردة أن تتخذ منها سلاحاً لتوسيع وتكثيف مناورة الحكي، وكسر هيمنة الضمير الواحد، وذلك بتقمص دور إحدى بطلات هذه الروايات، ومعايشته إلى حد التوحد والذوبان في فضائه وأَقْنِعَته المستدعاة المتوهَّمة، كأنه حقيقة حية معيشة بالفعل على مسرح النص... وكان يمكن أيضاً أن تتقدم لعبة نص الأم المعارض لنص حبيبها الكاتب الشهير الغادر، بدلاً من التأرجح فوق حواف نهاية الرواية، وأن يتم إنجاز هذا النص بالفعل، ويشكل معارضة قصصية حقيقية، داخل الرواية تتضافر فيها قوة الإبداع والعاطفة، الأمر الذي كان سيجعل –برأيي- دوائر الصراع مشدودة إلى أفق درامية خصبة ومضيئة، مسكونة بعلاقة سردية ذات طبيعة خاصة، بين أصل وظل أصبح أحدهما ضحية للآخر.



السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.


«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.