لندن تلوح برد مدروس وقوي على طهران وتحضها على خفض التوتر

الخارجية البريطانية قالت إن إيران «تختار مساراً خطيراً» ووزارة الدفاع البريطانية كشفت عن احتجاز السفينة في المياه العمانية وظريف رفض إطلاق الناقلة

جانب من شريط مصور بثه «الحرس الثوري» الإيراني على الإنترنت يُظهر تحليق مروحية تابعة له في أثناء سيطرتها على الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» أول من أمس (أ.ف.ب)
جانب من شريط مصور بثه «الحرس الثوري» الإيراني على الإنترنت يُظهر تحليق مروحية تابعة له في أثناء سيطرتها على الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

لندن تلوح برد مدروس وقوي على طهران وتحضها على خفض التوتر

جانب من شريط مصور بثه «الحرس الثوري» الإيراني على الإنترنت يُظهر تحليق مروحية تابعة له في أثناء سيطرتها على الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» أول من أمس (أ.ف.ب)
جانب من شريط مصور بثه «الحرس الثوري» الإيراني على الإنترنت يُظهر تحليق مروحية تابعة له في أثناء سيطرتها على الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» أول من أمس (أ.ف.ب)

لوحت بريطانيا برد «مدروس وقوي» متهمة إيران باحتجاز ناقلة نفط بريطانية في خليج عمان، «في انتهاك واضح للقانون الدولي»، وحضتها بالوقت نفسه على خفض التوتر. وقال وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت إن طهران اختارت «مسارا خطيرا» من السلوك غير القانوني والمزعزع للاستقرار. واستدعت القائم بالأعمال الإيراني، ونصحت سفنها بتجنب الممر الدولي بعدما استولى «الحرس الثوري» الإيراني على ناقلة نفط بريطانية قبالة مضيق هرمز ما يعمق الأزمة في المنطقة. ورفض وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف طلبا من نظيره البريطاني بإطلاق الناقلة قبل أن تبث بلاده تسجيلا من عملية اقتحام الناقلة البريطانية.
وأعلن «الحرس الثوري» الجهاز الموازي للجيش الإيراني أنه احتجز ناقلة «ستينا إيمبيرو» بدعوى خرقها «القواعد البحرية الدولية» في المضيق الذي يمرّ من خلاله ثلث كميات النفط المنقولة بحراً في العالم. وبث «الحرس الثوري» الإيراني شريطاً مصوراً على الإنترنت يظهر زوارق سريعة وهي تتوقف بجوار الناقلة ستينا إمبيرو وكان اسمها ظاهراً بوضوح في الشريط المصور. كما أظهرت اللقطات أفراداً ملثمين من الحرس الثوري يحملون مدافع رشاشة وهم ينزلون على سطحها من طائرة هليكوبتر ورأت «رويترز» أنه ذات الأسلوب الذي استخدمه مشاة البحرية الملكية البريطانية أثناء احتجاز ناقلة إيرانية قبالة ساحل جبل طارق قبل أسبوعين.
ويرى الغرب احتجاز الحرس الثوري الإيراني للناقلة في أهم ممر ملاحي في العالم لتجارة النفط على أنه تصعيد عسكري بعد ثلاثة أشهر من المواجهات التي دفعت بالفعل الولايات المتحدة وإيران إلى شفا الحرب.
ونقلت وكالة «فارس»، المتحدث باسم الحرس الثوري رمضان شريف قوله إن سفينة حربية كانت ترافق الناقلة ستينا إمبيرو التي ترفع علم بريطانيا وحاولت منع إيران من احتجازها. وأضاف أن «الحرس الثوري» تمكن من اصطحاب الناقلة للساحل رغم «مقاومة وتدخل» السفينة الحربية البريطانية. ولم يتسن رؤية أي سفينة حربية بريطانية في الفيديو الذي نشره «الحرس الثوري».
وصرح وزير الخارجية البريطاني، جيرمي هانت، أمس عبر حسابه على شبكة «تويتر»، بأن احتجاز طهران ناقلة النفط «ستينا إمبيرو» يكشف عن «مؤشرات مقلقة» تفيد بأن «إيران قد تكون اختارت سلوك طريق خطير، طريق غير قانوني يتسبب بزعزعة الاستقرار».
وعاد هانت أمس للتأكيد مجددا أن الرد على احتجاز الناقلة سيكون «مدروسا لكن قويا». وكان قد قال بعد ساعتين من احتجاز السفينة إن لندن، مع ذلك: «لا تبحث عن خيارات عسكرية، بل عن طريقة دبلوماسية لحل الموقف»، كما حذر هانت في حديث آخر لقناة «سكاي نيوز» من «عواقب خطيرة ما لم يتم حل المسألة بسرعة». مضيفا: «نحن لا نبحث في الخيارات العسكرية، بل في الخيارات الدبلوماسية لحل المسألة».
واجتمعت لجنة الطوارئ البريطانية (كوبرا) للمرة الثانية أمس لبحث القضية منذ مساء الجمعة بحسب تقارير بريطانية. وتفاقمت الأزمة بين طهران ولندن على بُعد أيام قليلة من نهاية مهمة رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي. وعقب الاجتماع كتب هانت تغريدة أخرى حول أزمة الناقلات مع إيران، قائلا إن لندن ترغب في «خفض» التوتر مع إيران. وكتب أيضا على «تويتر» أن الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» تم احتجازها «في انتهاك واضح للقانون الدولي».
كما أضاف أن احتجاز إيران الناقلة يثير تساؤلات خطيرة جداً بشأن أمن الملاحة البريطانية والدولية في مضيق هرمز. وقال هنت للصحافيين إن لجنة كوبرا الحكومية للحالات الطارئة ناقشت الوضع باستفاضة وسيتم توجيه بيان للبرلمان يوم الاثنين بشأن الإجراءات التي ستتخذها بريطانيا.
ونصحت حكومته السفن البريطانية بالبقاء «خارج منطقة» مضيق هرمز «لفترة موقتة»، قبل تأكيد الخارجية البريطانية أمس أنها استدعت القائم بالأعمال الإيراني في لندن إثر احتجاز ناقلة ترفع علم بريطانيا في مضيق هرمز. ومن جهتها، وصفت وزيرة الدفاع البريطانية بيني موردونت الحادث بـ«العمل العدائي»، مؤكدة أن الناقلة جرى اعتراضها في المياه العُمانية، وفق ما نقلت قناة «سكاي نيوز» البريطانية.
وكان لافتا أن هانت حاول تنشيط الخط الدبلوماسي عبر التوصل العاجل مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف لكن المحاولة الأولى في أولى ساعات الصباح أخفقت بسبب توجه طائرة ظريف من نيويورك إلى العاصمة الفنزويلية كاركاس.
وأفادت «رويترز» بأن هانت تحدث مع ظريف وعبر له عن «خيبة أمله البالغة» تجاه الحادث. وقال عقب اتصال هاتفي على «تويتر»: «تحدثت للتو مع ظريف وعبرت عن خيبة الأمل البالغة لأنه أكد لي السبت الماضي أن إيران تريد وقف تصعيد الموقف. لقد تصرفوا بشكل مخالف»، موضحا أن «الأمر يحتاج إلى أفعال لا أقوال إذا كان لنا أن نجد سبيلا للمضي قدما... يجب حماية الملاحة البريطانية وسوف يتم ذلك».
وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية عن ظريف بقوله لهانت إن قضية الناقلة «ستينا إمبيرو» البريطانية «يجب أن تمر عبر عملية قانونية لأنها خالفت قواعد الملاحة البحرية».
ودافع ظريف عن احتجاز السفينة البريطانية وقال عبر حسابه في «تويتر»: «على خلاف القرصنة في جبل طارق، فإن عملنا في الخليج ينسجم مع القوانين الدولية»، ودعا بريطانيا إلى التوقف عما وصفه «التبعية للولايات المتحدة في الإرهاب الاقتصادي».
وأشارت وكالة استخبارات «الحرس الثوري» إلى خمسة أسباب تجعل بريطانيا «عاجزة» من الرد على الخطوة الإيرانية، وذلك في إشارة إلى خطة إيرانية سابقة لتنفيذ الخطة.
السبب الأول: أشارت الوكالة الأمنية إلى أنها جاءت «في أسوأ وقت ممكن للرد البريطاني» وذلك في إشارة إلى انتقال صلاحيات ماي إلى رئيس الوزراء الجديد الأسبوع المقبل. وقالت في هذا الصدد إن «أي نوع من الرد الحاد على احتجاز السفينة من جانب أي من المرشحين؛ وزير الخارجية جيرمي هانت ووزير الخارجية السابق بوريس جونسون سيؤدي إلى تغيير هوية الفائزة بالمنافسة». ورأت أن «التشدد» في هذا الخصوص يرفع احتمالات «الهزيمة». وفي حال ردت بريطانيا بحدة (العسكري) وقابل ذلك رد إيراني محتمل، فإن ذلك سيؤثر على الوضع السياسي لكلا المرشحين، وفي الوقت نفسه اعتبرت «عدم الرد المناسب سيكون مخربا لكليهما».
السبب الثاني: زعمت الوكالة أن إيران لديها الأفضلية بسبب الردود الدولية والرأي العام العالمي بعد احتجاز سفينة (غريس 1) في جبل طارق وصرحت بأن بريطانيا «لا تحظى» بتأييد دبلوماسي واستندت إلى الموقف الروسي الذي اكتفى بالقلق من احتجاز ناقلة النفط البريطانية.
السبب الثالث: اعتبرت الوكالة أن الخطوة الإيرانية «أظهرت أن بريطانيا عاجزة عن حماية سفنها وتابعت أن هذا يثير مشكلات لبريطانيا تحول دول توصلها إلى تنسيق ضد إيران من جانب الغرب. واستندت بذلك إلى أحداث أخيرة شهدها الخليج ومضيق هرمز وخليج عمان وتحديدا ما حدث في ميناء الفجيرة وأحداث أخرى استهدفت ناقلات النفط وذلك رغم نفى إيران أي دور لها في الأحداث».
السبب الرابع: رأت الوكالة في الخلافات بين لندن وواشنطن سببا آخرا لعدم اقتراب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الحكومة البريطانية. وتجاهلت في الوقت نفسه تأكيد ترمب أول من أمس التشاور والعمل مع البريطانيين ضد ما قال إنه «تصعيد العنف من إيران». ولكن الوكالة استبعدت حدوث ذلك بسبب ما اعتبرته «تخبط بريطانيا»، في إشارة إلى تباين المواقف الأميركية والبريطانية حول تطورات المنطقة خلال الشهرين الماضيين.
السبب الخامس: خلصت الوكالة إلى أن بريطانيا «مكتوفة الأيدي» بسبب الخلافات بين طرفي المحيط الأطلسي. وأشارت إلى تباين مواقف الجانبين الأميركي والأوروبي حول الاتفاق النووي وتوتر العلاقات بين لندن وواشنطن بسبب التسريبات الأخيرة فضلا عن قضية خروج بريطانيا من الاتفاق النووي.
واحتجزت إيران الناقلة قبالة مرفأ بندر عباس غداة إعلان الولايات المتحدة إسقاط درون إيرانية في مضيق هرمز وبررت السلطات الإيرانية احتجاز الناقلة بأنها لم تستجب لنداءات استغاثة وأطفأت أجهزة إرسالها بعد اصطدامها بسفينة صيد بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وأعلن المدير العام للموانئ والملاحة البحرية في محافظة هرمزكان الله مراد عفيفي بور أن خبراء سوف يحققون في «الحادثة». وقال إن «عدد أفراد طاقم هذه الناقلة» التي يملكها طرف سويدي «هو 23 شخصاً وجميعهم على متنها»، وفق ما نقلت عنه وكالة «أنباء فارس»، و18 من أفراد طاقم الناقلة بينهم القبطان هنود، بالإضافة إلى ثلاثة روس ولاتفي وفيليبيني.
وأكد عفيفي بور أن الصيادين أطلقوا نداء استغاثة بعد الاصطدام واتصلوا بسلطات المرفأ «عندما لم يتلقوا أي رد» من الناقلة.
وفي الساعات الأولى من الحادث، أعلنت لندن أن إيران احتجزت ناقلتين في الخليج، لكن الشركة المالكة لناقلة النفط الثانية «مصدر» التي ترفع علم ليبيريا، قالت إنه تم الإفراج عن السفينة بعدما دخلها مسلحون لبعض الوقت وذكرت وكالة «تسنيم» الناطقة باسم جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، نقلا عن مصدر عسكري، أن الناقلة الثانية تلقت إنذارا بشأن حماية البيئة.
جاءت هذه الحادثة بعد ساعات من إعلان محكمة في جبل طارق تمديد احتجاز ناقلة نفط إيرانية لثلاثين يوماً بعد أسبوعين من ضبطها في عملية شاركت بها البحرية الملكية البريطانية، للاشتباه بأنّها كانت متوجّهة إلى سوريا لتسليم حمولة من النفط في انتهاك لعقوبات أميركية وأوروبية.
وقالت ناطقة باسم الحكومة البريطانية في بيان صدر بعد اجتماع ليلي عقدته لجنة الطوارئ في الحكومة البريطانية لمناقشة الأزمة: «ما زلنا نشعر بقلق عميق حيال تحركات إيران غير المقبولة، التي تشكل تحديا واضحا لحرية الملاحة الدولية».
وكان «الحرس الثوري» الإيراني قد أعلن الخميس أيضاً أنه احتجز «ناقلة أجنبية» أخرى مع طاقمها المؤلف من 12 فرداً، لاتهامها بتهريب الوقود، من دون أن يعطي تفاصيل إضافية وذلك بعد يومين من تهديد المرشد الإيراني علي خامنئي بالرد على احتجاز ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق.
وازداد التوتر في منطقة الخليج منذ منتصف أبريل (نيسان) عندما أعلنت واشنطن تصنيف «الحرس الثوري» على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية ولكن التوتر دخل مراحل جديدة مع تشديد العقوبات النفطية في بداية مايو (أيار)، ولا سيما مع سلسلة هجمات على ناقلات نفط في المنطقة اتهمت واشنطن إيران بالوقوف خلفها. وفي يونيو (حزيران)، ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربات جوية ضد إيران في اللحظة الأخيرة، بعدما أسقطت إيران طائرة مسيرة أميركية.
وجاء الحادث الأخير فيما يؤكد ترمب ومسؤولون أميركيون، رغم نفي طهران، أن الجيش الأميركي أسقط طائرة مسيرة إيرانية كانت تهدد سفينة تابعة للبحرية الأميركية في مضيق هرمز. وأكد ترمب أن الناقلة كانت تهدد سفينة «يو إس إس بوكسر» الهجومية للإنزال. ونشر «الحرس الثوري» الجمعة صوراً قال إنها تدحض الادعاءات الأميركية. ويظهر الفيديو الذي لم يكن من الممكن تحديد ماهية السفن الظاهرة فيه ويدوم سبع دقائق ويبدو أنه صوّر من ارتفاعٍ عالٍ، مجموعة سفن قال الحرس الثوري إنه كان يتعقبها خلال مرورها في مضيق هرمز.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».