كاميرون يحذر أبناء أسكوتلندا: لا عودة إذا صوتوا للاستقلال

4 أيام حاسمة تحدد مصير المملكة المتحدة.. وتباين في استطلاعات الرأي يزيد الغموض

الوزير الأول الأسكتلندي ألكس ساموند (يسار) قائد حملة الحفاظ على الاتحاد البريطاني وألستر دارلينغ خلال مقابلة تلفزيونية مع «بي بي سي» أمس (رويترز)
الوزير الأول الأسكتلندي ألكس ساموند (يسار) قائد حملة الحفاظ على الاتحاد البريطاني وألستر دارلينغ خلال مقابلة تلفزيونية مع «بي بي سي» أمس (رويترز)
TT

كاميرون يحذر أبناء أسكوتلندا: لا عودة إذا صوتوا للاستقلال

الوزير الأول الأسكتلندي ألكس ساموند (يسار) قائد حملة الحفاظ على الاتحاد البريطاني وألستر دارلينغ خلال مقابلة تلفزيونية مع «بي بي سي» أمس (رويترز)
الوزير الأول الأسكتلندي ألكس ساموند (يسار) قائد حملة الحفاظ على الاتحاد البريطاني وألستر دارلينغ خلال مقابلة تلفزيونية مع «بي بي سي» أمس (رويترز)

خلال 4 أيام، سيحدد مصير المملكة المتحدة في استفتاء تاريخي على استقلال أسكوتلندا. وحتى أمس، بقى الغموض يكتنف الاستفتاء بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي تقارب النتائج بين مناهضي الاستقلال والمؤيدين له. ومن المرتقب أن يلقي رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خطابا في مدينة إبردين الاسكتلندية اليوم يحث فيها الشعب الاسكتلندي على التصويت لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة، محذرا أنه «لا عودة» إذا جاء الاستفتاء بنتيجة إيجابية للانفصال. وهذا الخطاب الذي نشرت مقتطفات منه صحيفة «ذا صنداي تايمز» أمس يشهد تغييرا في الخطاب من «التوسل» إلى التحذير مع زيادة الأصوات المحذرة من القطاع الاقتصادي للاسكتلنديين من أضرار الاستقلال الاقتصادية.
وأظهرت 3 من 4 استطلاعات للرأي تقدم أنصار الاتحاد بنسبة تتراوح بين 2 و8 في المائة، ولكن استطلاعا عبر الإنترنت لشركة «آي سي إم» أظهر أن أنصار الاستقلال يتقدمون بنسبة 54 في المائة في حين تبلغ نسبة المؤيدين لاستمرار الاتحاد 46 في المائة. وبحسب صحيفة «ذا أوبزرفر»، فإن 53 في المائة من الاسكتلنديين سيصوتون ضد الاستقلال، و47 معه.
وفي آخر عطلة أسبوعية من الحملة الدعائية تظاهر عشرات الآلاف من أنصار المعسكرين في شوارع أدنبرة عاصمة أسكوتلندا وغلاسغو ثاني أكبر مدنها. وسعى زعماء الجانبين في شتى أنحاء البلاد لإقناع الناخبين الذين لم يقرروا موقفهم بعد.
وقال رئيس الحزب القومي الاسكتلندي ألكس سالموند الذي يتزعم الحملة من أجل الاستقلال لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إنه على ثقة بفوز الحملة المؤيدة للاستقلال في الاستفتاء، مشيرا إلى أن الأولوية بعد تلك الخطوة ستكون لم شمل الاسكتلنديين للعمل لصالح مستقبل البلاد.
وأضاف سالموند وهو رئيس الحكومة المحلية في أسكوتلندا: «نحن لا نهدف إلى الفوز بفارق صوت واحد، بل لتحقيق أغلبية كبيرة إذا كان هذا ممكنا وأحد مرتكزات حملة تأييد الاستقلال هو أننا لا نعد أي منطقة جغرافية في أسكوتلندا أو شريحة من المجتمع الاسكتلندي بعيدة عن متناولنا».
ومن جهته، نبه ألستر دارلينغ، وهو سياسي بريطاني من أسكوتلندا وشغل في السابق منصب وزير المالية في الحكومة المركزية بلندن ورئيس الحملة المناهضة للاستقلال، مواطنيه إلى أن التصويت على الانفصال عن بريطانيا سيكون قرارا لا رجعة عنه. وأشار دارلينغ إلى أن أسكوتلندا ستنال العرض الأفضل في حال رفض الاستقلال نظرا لوعود الساسة البريطانيين بمنح الحكومة المحلية المزيد من الصلاحيات في حال فازت في الاستفتاء الحملة المناهضة للانفصال.
ويحق لأكثر من 4 ملايين اسكتلندي بالإضافة إلى المقيمين من بريطانيين وأجانب من جميع أنحاء البلاد المقيمين في أسكوتلندا التصويت في الاستفتاء.
وسيجيب المشاركون عن سؤال واحد مكتوب على بطاقة الاستفتاء «هل يجب أن تكون أسكوتلندا دولة مستقلة».
وأصبح المستقبل الاقتصادي لأسكوتلندا إحدى القضايا التي كانت محل مناقشات ساخنة خلال الأسابيع الأخيرة. وحذرت مصارف تتخذ من أسكوتلندا مقرا لها أنها ستنقل عملياتها من هناك فيما لو تحقق الاستقلال في حين نبه كبار التجار من احتمال ارتفاع في الأسعار شمال الحدود وسط تحذيرات المصرف المركزي الألماني من انهيار اقتصادي. وعد سالموند أن هذه النظريات جزء من حملة تفتعلها لندن للتخويف وإشاعة الذعر من الاستقلال في حين ذهب جيم سيلارز نائب زعيم الحزب القومي الاسكتلندي سابقا إلى مدى أبعد بكثير من سالموند وأشار إلى أن هذه الحملات ستواجه «يوم تسديد الحساب». وحذر سيلارز من أن عمليات شركة «بي بي» النفطية العملاقة في أسكوتلندا قد تواجه التأميم إذا صوت الاسكتلنديون لصالح الانفصال الخميس المقبل على الرغم من تهوينه من أهمية هذا التصريح في وقت لاحق.
وأفادت شركة «كونسالتانسي كروس بوردر» الاستشارية، بأن المستثمرين سحبوا 27 مليار دولار من الأصول المالية البريطانية في الشهر الماضي ما يشكل أكبر هروب لرؤوس الأموال من البلاد منذ أزمة «ليمان براذرز» عام 2008.
ويبقى السؤال الاقتصادي الأكبر هو ماهية العملة التي ستستخدمها أسكوتلندا حال استقلالها. وبينما اقترح سالموند التمسك بالجنيه الإسترليني حتى في حال الانفصال، إلا أن الحكومة البريطانية من تؤكد موافقتها على ذلك، كما أن بنك إنجلترا أوضح أنه سيبقي سلطات السياسة المالية في لندن، مما يحدد من حريات أسكوتلندا التي تريد الاستقلال في سياساتها السياسية والاقتصادية.
وبينما اقترحت أوساط في أسكوتلندا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كدولة مستقلة في حال فازت أصوات «نعم»، وتبني عملة «اليورو»، هناك معارضة داخل الاتحاد الأوروبي على ضم البلد الجديد في حال انفصل. وأيا كانت نتيجة الاستفتاء الذي يجري هذا الأسبوع على استقلال أسكوتلندا فإن شكل أوروبا سيتغير مع تضاؤل نفوذ الدول الكبرى القديمة ما قد يثير رد فعل عنيفا في بعض المناطق الأخرى. وإذا جاءت نتيجة التصويت بالموافقة على الانفصال عن إنجلترا بعد اتحاد استمر 307 أعوام فسيحدث ذلك زلزالا سياسيا ويفتح شهية أقاليم أخرى للحكم الذاتي من كتالونيا إلى الفلاندرز.
أما إذا كانت النتيجة رفض الاستقلال فقد وعدت الحكومة البريطانية بمنح مزيد من السلطات لإدنبره مع ما قد يترتب على ذلك من تكرار لهذا المسار في ويلز وآيرلندا الشمالية.
وأيا كانت النتيجة سيتردد صدى سابقة الاستفتاء على تقرير المصير في مختلف أنحاء القارة.
وقد تجد الحكومة الإسبانية أن من الصعب تحمل الضغوط الجماهيرية في كتالونيا للسماح بالاستفتاء على السيادة لهذا الإقليم المزدهر في الشمال الشرقي، حيث يعيش 7.4 مليون نسمة أي أكبر من أكثر من 10 من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وفي الأسبوع الماضي ملأ مئات الآلاف من كتالونيا الشوارع في برشلونة للمطالبة بالحق في الاختيار. وما سيفعله أهل كتالونيا سيؤثر بدوره على إقليم الباسك في إسبانيا الذي يتمتع بالفعل بحكم ذاتي أوسع الآن.
وقد جمدت الحرب الباردة خريطة أوروبا نحو 30 عاما غير أنه منذ سقوط حائط برلين ظهرت دول جديدة وعاودت دول قديمة الظهور بعضها من خلال حروب دموية في البلقان غير أن معظمها ظهر سلميا في منطقة بحر البلطيق.
وفي كثير من الدول الأوروبية حصلت أقاليم على مزيد من السلطات على حساب الحكومة المركزية. وقد حدث ذلك في إسبانيا في أواخر السبعينات بعد نهاية الحكم الفاشي للجنرال فرانشيسكو فرانكو.
وتعد العولمة وتكامل الاتحاد الأوروبي مسؤولين مسؤولية جزئية عن إطلاق الصراع بين القوى الطاردة والقوى الجاذبة التي هي أبعد ما تكون عن الاستقرار.
الآن أصبحت دول كانت تحارب بعضها بعضا على مدى قرون تشترك في عملة واحدة ومنطقة واحدة يمكن السفر فيها دون استخدام جوازات السفر وسوق واحدة يتمتع فيها المواطنون بحرية الحركة للأفراد ورؤوس الأموال والبضائع والخدمات ومجموعة كبيرة من المعايير والمقاييس الموحدة.
ويجد القوميون صعوبة في تقبل ذلك مثلما أوضحت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي كانت نسبة التصويت فيها كبيرة للأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي في كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا وهولندا.



هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
TT

هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)

انهار هيكل صخري شهير على ساحل إيطاليا المطل على البحر الأدرياتيكي، كان معروفاً باسم «قوس العشاق»، وذلك في يوم عيد الحب بعد أحوال جوية سيئة استمرت لأيام، مما دفع مسؤولين إلى ‌التحذير من أن ‌أجزاء أخرى ‌من الساحل ⁠الهش قد تكون معرضة ⁠لخطر الانهيار.

ووفقاً لـ«رويترز»، كان القوس الطبيعي، وهو جزء من صخور سانت أندريا البحرية بالقرب من بلدة ميليندونيو في منطقة بوليا ب⁠جنوب إيطاليا، موقعاً شهيراً للعشاق ‌لتقديم ‌عروضهم للزواج وبالنسبة للسائحين لالتقاط الصور.

وقال ‌ماوريتسيو تشيسترنينو رئيس بلدية ‌ميليندونيو لصحيفة «كورييري سالنتينو» المحلية: «كانت هدية غير مرغوب فيها في عيد الحب»، واصفاً الانهيار بأنه «ضربة شديدة» لصورة المنطقة والسياحة.

وذكر تشيسترنينو أن ⁠الأمطار ⁠الغزيرة والرياح العاتية والبحر الهائج اجتاحت الساحل ودمرت في النهاية القوس. وأضاف: «استعادت الطبيعة ما صنعته».

وحذر المسؤولون من احتمال انهيار أجزاء أخرى من الساحل الصخري مع ظهور شقوق، مما يؤكد زيادة التهديد الناجم عن تآكل الساحل.


أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ثمة مصدر للقلق الأوروبي في الوقت الحاضر، وهو الطموحات الروسية، واعتبار قيادات رئيسية في القارة القديمة أن الرئيس فلاديمير بوتين لن يتردد، قبل نهاية العقد الحالي، في مهاجمة أوروبا مجدداً، وأن ضحاياه ستكون بالدرجة الأولى جمهوريات بحر البلطيق، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي وانفصلت عنه عقب انهياره في ديسمبر (كانون الأول) 1991.

وسبق لرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، أن أثار جدلاً واسعاً قبل عدة أسابيع عندما نبه ثلاث مرات على الأقل خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من قيام نزاع مسلح في أوروبا وتحديداً مع روسيا. وقال في شهادة له أمام لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي إن على الجيش الفرنسي «أن يكون مستعداً للدخول في مواجهة عسكرية في السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».

وبعدها، لم يتردد، في كلمة له أمام مؤتمر رؤساء بلديات فرنسا، في تنبيه أمهات فرنسا من أنهن سيضحين بعدد من أبنائهن في حرب مستقبلية، الأمر الذي تسبب بموجة من المخاوف في البلاد. وبحسب ماندون، فإن ما قد يدفع روسيا لمواجهة من هذا النوع مرده نظرتها لأوروبا التي ترى فيها قارة «ضعيفة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (وسط) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في صورة جماعية بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ف.ب)

قلق أوروبا

ما تنبه منه باريس، يشغل أيضاً ألمانيا التي تعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا. ففي 13 أكتوبر، أعلن مارتان جايغر، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، أمام البرلمان أن روسيا قد تكون مستعدة للدخول في نزاع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبل عام 2029، وأنه لا ينبغي اعتبار ذلك احتمالاً بعيداً، بل سيعد خطراً حقيقياً. وأكد أن أوروبا تعيش في «سلام بارد قد يتدهور في أي لحظة»، ودعا إلى زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد.

وثمة مصدر ثان للمخاوف الأوروبية، عنوانه انعدام اليقين داخل القارة القديمة لجهة التزام واشنطن بالحلف الأطلسي وبالمادة الخامسة منه، التي تنص على أن أي اعتداء على أي عضو في التكتل الأطلسي يعد اعتداء على جميع أعضائه. وخلال السنوات التي تلت قيام الحلف، عاش الغرب في مأمن؛ لكونه يحظى بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. والحال أن الأوضاع تغيرت اليوم مع عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. فالأوروبيون - الأطلسيون فقدوا ثقتهم بالحليف الأميركي. وجاءت خطط ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التي تعود السيادة عليها للدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لتقوض الثقة القديمة، التي لن تنجح «تطمينات» وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي أغدقها على القادة المجتمعين في مؤتمر ميونيخ للأمن، في ردم الهوة السحيقة التي قامت بين الطرفين.

نووي القارة القديمة

وما يزيد الطين بلة أن الأوروبيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في حرب «كلاسيكية» تدار بأسلحة «تقليدية». ولكن الجهة التي تخيفهم تمتلك السلاح النووي. ولم يتردد المسؤولون الروس في السنوات الأربع التي انقضت على الحرب في أوكرانيا في التلويح عن استعدادهم للجوء إلى السلاح النووي التكتيكي أو ما يسمى «القنبلة الميدانية». وفي حال انحسار المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، يدور البحث عن مظلة بديلة.

والحال أن فرنسا وحدها، داخل الاتحاد الأوروبي، تمتلك السلاح النووي، بحيث إنها تتمتع بقوة ردعية مستقلة وكافية. وخارج الاتحاد، هناك بريطانيا الدولة النووية الثانية في أوروبا.

رئيس أركان الدفاع الفرنسي فابيان ماندون يشارك في اجتماع عبر الفيديو لتحالف المتطوعين الداعم لأوكرانيا بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 نوفمبر 2025 (رويترز)

تفيد المعلومات المتوافرة بأن القوة الفرنسية تتشكل من 290 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها باريس من طراز «تريونفان»، وأيضاً من طائراتها الاستراتيجية من طراز «رافال» القادرة على إطلاق صواريخ «آي إس إم بي» المجهزة برؤوس نووية. أما الضغط على الزر النووي فيعود لرئيس الجمهورية و«الحقيبة النووية» التي تواكبه في تنقلاته. أما القوة النووية البريطانية فبحرية فقط، وتتشكل من 225 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها المملكة المتحدة. القاعدة المعمول بها من على جانبي بحر المانش تقول بضرورة وجود دائم لغواصة نووية في أعماق البحار باعتبارها قوة ردع دائمة للرد على أي اعتداء نووي.

لكن ما يميز البلدين أن الصواريخ البريطانية نتيجة إنتاج مشترك أميركي – بريطاني؛ ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي. بالمقابل، فإن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ مجهزة برؤوس نووية «ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، وتركيا» مخزنة في خمس قواعد جوية أوروبية، وهي تخضع للرقابة الأميركية، ولا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك. وتشير معلومات متوافرة إلى أن عدد هذه الصواريخ يتراوح ما بين 80 و100 صاروخ.

المظلة البديلة

خلال مؤتمر ميونيخ، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس أول من كشف عن وجود «محادثات سرية» بين باريس وبرلين بشأن قيام ردع نووي أوروبي، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقال ميرتس ما حرفيته: «لقد بدأت محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي بشأن الردع النووي الأوروبي. نحن الألمان نلتزم بالتزاماتنا القانونية. ونرى أن هذا الأمر يندرج حصراً ضمن ترتيبات المشاركة النووية في حلف شمال الأطلسي. ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمن مختلفة في أوروبا».

بيد أن ماكرون لم يربط ذلك بالحلف الأطلسي كما فعل ميرتس، ما يعكس وجود تباينات في وجهات النظر بين البلدين اللذين يشكلان، منذ البداية، الدينامو الأول للاتحاد الأوروبي. لكن من المفيد انتظار يوم 27 فبراير الجاري حيث من المقرر أن يلقي ماكرون خطاباً مخصصاً للقوة النووية. علماً بأن باريس، منذ تملكها للسلاح النووي، تعتبر أن استخدامه، من جهة، ردعياً وليس «هجومياً»، ومن جهة ثانية للدفاع عن «المصالح الحيوية» الفرنسية. غير أن فرنسا لم تفسر ولم تحدد معنى المصالح الحيوية، متبنية بذلك مبدأ «الغموض الاستراتيجي». بيد أن باريس ترى أيضاً أن لقوتها الردعية «بعداً أوروبياً»، وهو ما أشار إليه ماكرون في عدة مناسبات، وسبقه إليه الرؤساء شيراك وساركوزي وهولند.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية وطنية جديدة أثناء حديثه للجيش في القاعدة العسكرية في فارس بجبال الألب الفرنسية يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ب)

تتمثل الصعوبة الكبرى التي تواجهها فرنسا بوجود تيار متأصل يرفض «التشارك» في استخدام الدرع النووية الفرنسية. وبكلام آخر، فإنه في حال التوصل إلى تفاهمات مع ألمانيا أو مع غيرها من دول الاتحاد، فإن باريس متمسكة بأن يبقى «الزر النووي» في يدي الرئيس الفرنسي بلا شريك. كذلك، ثمة إشكالية أخرى تثار وتتناول الدول التي تريد فرنسا نشر مظلتها فوقها. ولا أحد في باريس يتوقع أن تشمل جميع الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي، علماً بأن المناقشات النووية ليست محصورة ببرلين وحدها.

لم تتأخر ردة الفعل الأطلسية التي وردت السبت الماضي على لسان الأمين العام للحلف الأطلسي، مارك روته، الذي أعلن من ميونيخ أن لا أحد في أوروبا يسعى لاستبدال المظلة الأطلسية بمظلة أوروبية. وقال روته بمناسبة مؤتمر صحافي: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي هو أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية». وأضاف: «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». ومن جانبها، لم تبق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر محدودة، إذ اكتفى بالقول إن لندن «تعزز تعاونها النووي مع فرنسا». لكن لا شيء يدل على أن بريطانيا تريد القيام بخطوة منفصلة عن الحلف الأطلسي، باعتبار أن قوتها النووية «مندمجة» تماماً في البنى الأطلسية.

بناء على ما سبق، لا يبدو أن الأوروبيين، رغم قلقهم من «الاستدارة» الأميركية، جاهزون لاستبدال المظلة الأميركية - الأطلسية بمظلة أوروبية غير موجودة؛ ما يعني أن «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يدعو إليها ماكرون منذ عام 2017 لا تزال سراباً طالما بقيت أوروبا قوة اقتصادية كبيرة، وليست قوة عسكرية استراتيجية، وهو ما تسعى إليه.


الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
TT

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

قال أحد كبار رجال الدين في الفاتيكان، الاثنين، إن الفاتيكان سيعزز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب في الآونة الأخيرة، لكنه يريد تجنّب «عسكرة» واحدة من أكثر الكنائس جذباً للزوار في العالم.

وذكر الكاردينال ماورو غامبيتي أن أكثر من 20 مليون شخص زاروا الكاتدرائية العام الماضي، وأن تلك الوقائع في الآونة الأخيرة كانت «محدودة للغاية» مقارنة بإجمالي عدد الزوار.

وقال غامبيتي، في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الـ400 لتكريس الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات في العالم المسيحي: «نحن نفكر، وسنقوم الآن بشيء ما، من أجل توفير مزيد من الحماية لبعض الأماكن»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيس كهنة كاتدرائية القديس بطرس البابوية الكاردينال ماورو غامبيتي يتحدث إلى الصحافيين في الفاتيكان 16 فبراير 2026 (أ.ب)

ويخضع الزوار حالياً للتفتيش قبل الدخول، في حين يوجد ما بين 40 و60 فرد أمن غير ظاهرين بشكل لافت داخل الكاتدرائية. وأشار جامبيتي إلى أن الإجراءات الجديدة ستكون بسيطة.

وقال: «سألنا أنفسنا عن الحد الذي يجب أن نذهب إليه في الحماية أو في العسكرة... لإدارة كل شيء والتحكم في كل شيء».

وأضاف «نعتقد أنه يجب أن يظل مكاناً يمنح الأشخاص الذين يدخلون الكاتدرائية لمحة من الحرية، لذلك لا يمكن تجاوز حدود معينة».

وحثّ غامبيتي الصحافيين على تجنّب تشجيع سلوك التقليد، قائلاً إن التقليد أصبح أسهل في مجتمع تشكله وسائل التواصل الاجتماعي و«الدروس التعليمية» عبر الإنترنت.

وأوضح: «نعتقد أننا نستخدم التكنولوجيا، ولكن في الواقع التكنولوجيا هي التي تستخدمنا»، داعياً إلى بذل جهود أوسع من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام لتثقيف الناس والمساعدة في منع وقوع المزيد من الحوادث.

وتخضع الإجراءات الأمنية للمراقبة منذ وقوع سلسلة من الحوادث حول المذبح الرئيسي للكاتدرائية.

مشاركون يؤدون صلاة التبشير الملائكي بساحة القديس بطرس في الفاتيكان 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُبض على رجل مجهول الهوية بعد أن تسلّق المذبح وتبوّل عليه، في حين خلال فبراير (شباط) 2025، تسلّق رجل المذبح وأسقط عدة شمعدانات على الأرض، مما أدى إلى إتلافها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، خلع رجل من أصل بولندي ملابسه، وتسلق على المذبح نفسه احتجاجاً على الحرب في أوكرانيا.

وقال غامبيتي إن الفاتيكان يدرك أن بعض المسؤولين عن مثل هذه الأفعال قد يكونون في غاية الضعف، وأن هناك حاجة إلى فهم ومعالجة نقاط الضعف الموجودة في المجتمع.

وتابع قائلاً: «هناك نقاط ضعف اليوم تتجاوز ما كنا نتخيله قبل 20 عاماً فقط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended