مارغريت دوراس... وعودة إلى هستيريا «التدمير»

مارغريت دوراس... وعودة إلى هستيريا «التدمير»

الكتاب الذي أرّقها وشلّ قدرتها على التأليف
الثلاثاء - 13 ذو القعدة 1440 هـ - 16 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14840]
مارغريت دوراس
بيروت: سوسن الأبطح
عودة للقارئ العربي إلى الأديبة الفرنسية مارغريت دوراس مع صدور ترجمة لروايتها المعروفة «التدمير» مصحوبة، في كتاب واحد، بقصة قصيرة جميلة هي «الرجل الجالس في الرواق». وإن كان الكتاب الصادر عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في بيروت، يحمل اسم الرواية الأولى، فإن المقدمة التي كتبتها مديرة الدار الدكتورة عزة طويل، تشرح من خلالها أن النصين يلتقيان في روحهما التي هي في النهاية تعكس أسلوب دوراس وهواجسها التي شكلت خطها الأدبي، وانشغالاتها التي كان أبرزها «الحب» و«الرغبة». وهما محور العملين معاً وقلبهما.
دوراس الأديبة والمخرجة التي تمردت إلى درجة اعتبار الثورة غير كافية ولا بد من تحطيم كل شيء والبدء من نقطة الصفر من أجل الخلاص، كتبت روايتها «التدمير» مباشرة بعد ثورة مايو (أيار) 1968 الشهيرة في فرنسا. الرواية تقوم على وجود 4 شخصيات؛ رجلان وامرأتان، بملامح ضبابية وحركة محدودة في المكان. الجميع يلتقون في فندق، كل منهم كأنه يعيش في عالمه الخاص، منغلق على رغباته وتمنياته وأسراره، تتكشف الدواخل عبر الصفحات. المرأتان إليزابيث وإليسا، والرجلان هما شتاين وماكس تور، المثقفان الذي يسعى ثانيهما لأن يصبح كاتباً. هناك أيضاً ابنة إليزابيث وزوجها؛ لكن حضورهما عابر ولا يأتيان لزيارتها سوى يوم الأحد. إليزابيث منهارة لأنها فقدت جنينها وتعيش على ابتلاع الأدوية، وإليسا تعيش بين شتاين وماكس تور؛ متزوجة من الثاني، لكنهما عشيقين متوازيين في رحلة بحثها عن حاجاتها. المشهد يتبدل تدريجياً، تبدأ علاقة وثيقة بين السيدتين اللتين تشعران بأن بينهما شبهاً شديداً، ثم مع تقليب الصفحات يبدو أن شيئاً ما ينمو بين إليزابيث والرجلين. هكذا تزداد اللوحة ضبابية مع تبدل المشاعر وانقلاب الأحاسيس دون أن ينضج أي شيء يحسّن من مستوى الرؤية. مَن يرغب في مَن؟ ومن يحب من؟ تلك هي الأسئلة التي تبقى عالقة.
على طريقتها؛ تكتب دوراس هذه الرواية التي قد تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً، وهو ما أنجزته دوراس بالفعل بصفتها مخرجة، لكن فيلمها واجه انتقادات لبرودة مشاهده، أو لأنه نص وضع ليكون مسرحية؛ إذ إن الحوارات والجمل القصيرة المختزلة تؤهله ليوضع على المسرح، خصوصاً أن المؤلفة ألحقت النص بتوجيهاتها حول الديكور وهيئة الممثلين، وباقي التفاصيل اللازمة، بما في ذلك موسيقى باخ؛ وبالتحديد معزوفة «الفوغة» رقم «15» التي يجب أن ينتهي بها المشهد الأخير.
في المقدمة؛ تقول الدكتورة طويل إن صعوبة ترجمة دوراس التي عملت عليها بنفسها، استدعت معونة مجموعة من المحررين، ذلك لعمق المعاني، واكتساب كل كلمة ومكانها من الجملة أهمية في النص. ورغم كل الجهود التي بذلت؛ تقول المترجمة - الناشرة، في كلمتها، فإنه «يبقى أسلوب دوراس أرقى من أي ترجمة أو قراءة».
وكانت دوراس قد قالت إنها عانت كثيراً بعد أن أنجزت هذا الكتاب الذي لم يحتج وقتاً لكتابته، لكنه استغرق عاماً لاختماره، وتسبب لها بمعاناة في العودة إلى الكتابة، لشدة ما انغمست في موضوع «التدمير». وحين تكتب دوراس عن التدمير؛ فإنما تذهب من خلال أبطالها لتصور تدمير الطبقات الاجتماعية والبنى المؤسساتية، والذهنية القائمة، كما الحواجز داخل الذات الإنسانية. هي التي انتمت إلى الحزب الشيوعي، وكانت لها أفكارها السياسية التي تختبئ في خلفيات نصوصها الأدبية. وفي روايتها المترجمة حديثاً تبدو واضحة فكرتها حول أن الثورة لا يمكن أن تتحقق بنضال خارجي؛ وإنما بإعادة النظر في الحياة الداخلية الذاتية التي يمارسها الفرد مع ذاته. فقد آمنت دوراس دائماً بأن التغيير الفعلي يحدث حين يختلي الإنسان بنفسه ويعيد تقييم دواخله. لذلك فإن رواية «التدمير»، كما روايات أخرى لها، لا تقوم على أحداث كتلك المألوفة في الروايات الكلاسيكية، بل هي عملية متابعة لتحولات تحدث في ذهن أبطالها، تؤدي إلى تحولات خارجية. أي إنها تسير تماماً عكس ما نراه في النصوص الأدبية التقليدية. وما يسري على «التدمير»، نجده أيضاً في النص الثاني الذي يبدأ به الكتاب: «الرجل الجالس في الرواق»؛ حيث إن المرأة التي تصف دوراس أوضاعها الجسدية، تكاد في الوقت نفسه تقدم خريطة لمشاعرها التي تختلج في داخلها. والعلاقة الثنائية التي تربط هذه المرأة بالرجل من خلال مشهد شديد الحسية تصفه لنا، تؤدي بنا في النهاية إلى فهم عميق لطبيعة الرغبة التي تربطهما من دون حاجة لأن نعرف اسميهما، أو مهنتيهما أو طبقتيهما الاجتماعيتين. والقصة بمجملها هي هذا المشهد للقاء بين اثنين، تكتبه الأديبة بأسلوبها القادر على وصف صورة خارجية هي انعكاس للحالة الذهنية التي تعيشها الشخصيات.
ودوراس من جيل الروائيين المجددين في منتصف القرن الماضي في فرنسا، مثل ألان روب غرييه، وميشال بوتور، وجان ريكاردو، ونتالي ساروت، وكلود سيمون، الذين حققوا كتابة مختلفة في لغتها كما في أسلوبها السردي، وهذا منعكس في الجمل المكتنزة لدوراس، وفي تحررها من فكرة البطل والإطار الزمني للحدث، أو حتى تجاوز الأحداث بمعناها المعتاد بوصفها جوهراً في العمل.
دوراس التي رحلت منذ أكثر من عقدين، وعاشت أكثر من 80 سنة لا تزال تفتن الفرنسيين؛ هي التي كانت شاعرة وأديبة روائية ومسرحية وكاتبة سيناريو، ومخرجة سينمائية، بوجوهها الفنية وانخراطها العضوي في قضايا زمنها، ونضالها من أجل رؤية مختلفة تعجبنا أو تزعجنا وتضجرنا. لكنها تبقى في سيرتها كما في أعمالها نموذجاً لامرأة استثنائية تركت بصمات لا تشبه غيرها. واستكمال ترجمتها إلى العربية بعد روايتها الشهيرة «العاشق» و«هيروشيما حبيبي» ونصوص أخرى، منها «مرض الموت» عن «دار المطبوعات للتوزيع والنشر أيضاً» وبالجدية التي قامت بها، لهو مما يسد ثغرة في المكتبة العربية.
فرنسا لبنان كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة