عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

ترصد الواقعين الإنساني والاقتصادي في المدينة ذات الغالبية الكردية شمال سوريا

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
TT

عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)

في مارس (آذار) 2018، سيطر الجيش التركي وفصائل سورية معارضة على مدينة عفرين شمال حلب ذات الغالبية الكردية، ومنذ ذلك الحين تحدثت منظمات دولية وحقوقية عن تردّي الأوضاع الأمنية والإنسانية في هذا الجزء من سوريا.
وعلى أثر العملية العسكرية، نزح ما يزيد على نصف سكان المدينة البالغ عددهم قبل الحملة نحو نصف مليون شخص، وتمركزوا في مخيمات بمناطق الشهباء في ريف حلب الشمالي على بُعد عشرات الكيلومترات من منازلهم، ليحلّ مكانهم نازحون من بلدات الغوطة الشرقية لدمشق ومدن حمص وحماة وحلب، وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها القوات النظامية من الفصائل المعارضة، وأجبروا على ترك مناطقهم وفق اتفاق مسار «آستانة» والدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران.
وعلى مدى الأيام الماضية، تواصلت «الشرق الأوسط» مع سكان مدنيين ونشطاء ومعارضين من داخل عفرين، إلى جانب شخصيات تركت مسقط رأسها، وقصدت دول الجوار، أو لجأت إلى دول أوروبية، لكنهم يحتفظون بيوميات حول طبيعة الحياة في ظل انتشار الجيش التركي وفصائل موالية له، كما تحدثت مع نازحين من حمص وغوطة دمشق لسماع وجهة نظرهم، وقامت بحجب الأسماء وبعض تفاصيل الحياة وأعادت نشرها، حفاظاً على سلامة الأشخاص الذين شاركوا في التحقيق.

- تغيير التركيبة السكانية
«كل شيء في عفرين تغير بعد 18 مارس (آذار) 2018... فرضوا واقعاً ولم يعد بإمكاني التكلم بلغتي الكردية، لأنها كافية لتكون تهمة»، بهذه الكلمات بدأت فتاة شابة من داخل مدينة عفرين تسرد وقائع حياتها الجديدة بعد دخول الجيش التركي والفصائل، وعند الحديث معها عبر خدمة تطبيق «واتس آب»، كان بالإمكان سماع أصوات طلقات رصاص وصيحات مرتفعة، وعند سؤالها عما يجري بالقرب منها، قالت: «مشاهد الاشتباكات أصبحت جزءاً من حياتنا، والفلتان الأمني سيد الموقف، زادت حالات السرقة وعمليات الخطف والقتل، التي تركت خوفاً وأثراً عميقاً في نفوسنا».
وأطلقت تركيا والفصائل عملية «غصن الزيتون» في 18 يناير (كانون الثاني) 2018، وسيطرت على مدينة عفرين في مارس (آذار) بالعام نفسه، وانتزعت مركز المدينة ونواحيها من قبضة «وحدات حماية الشعب» الكردية، ويدور حديث بين مَن تبقى من أكراد عفرين، حول ما سموه بـ«تتريك» المنطقة ومحاولات تركيا الحثيثة لطمس هوية سكانها الكردية، وتغيير تركيبتها الديمغرافية وتغيير أسماء الساحات العامة والشوارع والقرى، وإطلاق أسماء تركية وعربية عليها، كما وقعت حوادث طالت المواقع الثقافية والأثرية والدينية الخاصة بالأكراد، بالإضافة إلى إجبار السكان على حمل بطاقات هوية تركية، والتعامل بالليرة التركية.
وذكرت الفتاة أنّ غالبية سكان المدينة حُرموا من الاحتفال بعيد نوروز الكردي، الذي يصادف 21 مارس (آذار) من كل عام، بسبب الإجراءات والقيود التي تفرضها الجماعات المسلحة في مسقط رأسها، وأضافت قائلة: «من طقوس العيد ارتداء الأزياء الفلكلورية، التي تتميز بألوانها الزاهية وتكون فضفاضة، لكن لم تجرؤ أي فتاة على الخروج من منزلها، وفضّلت البقاء على أن تسمع كلاماً بذيئاً وسيئاً بحقها».
وبات بالإمكان مشاهدة السيارات العسكرية والجنود الأتراك وهم يتسوقون في شوارع المدينة، وبحسب شهادات من داخل عفرين، فإن كلّ ركن فيها يذكرهم بجارتهم تركيا، من مستشفيات بتمويل تركي إلى المدارس التي أصبحت تدرّس اللغة التركية إلى جانب العربية، كما كتبت اللوحات المرفوعة على واجهات المؤسسات والدوائر الرسمية بالتركية والعربية، وصولاً إلى انتشار شركات الكهرباء والبريد والصيرفة التركية، في إشارة للهيمنة التركية على تلك البقعة الجغرافية من سوريا.
واعتبر مواطن كردي يتحدر من عفرين، فضَّل البقاء في مدينته على النزوح واللجوء، أن انتشار الأعلام التركية ورايات الفصائل «تشعرك بأنك غريب عن أرضك وبلدك؛ فمنذ تاريخ دخولها اختلفت الوجوه والمظاهر والنفوس، ولم يبقَ شيء على حاله، لم يبقَ شيء يدلّك على أنك بعفرين». وكتب رسالة بخط يده يقول فيها: «كل ما يجري ويحدث بعفرين بعلم الجنود الأتراك وأمام أعينهم، حيث تم تقديم آلاف الشكاوى ضد ممارسات الفصائل إلى نقاط المراقبة التركية والمجلس المحلي، دون جدوى».
ويروي ناشط مدني شاب يتحدر من ناحية راجو بعفرين، وكان يقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، أن اتصالاً في أغسطس (آب)، العام الماضي، غيّر مسار حياته، وأجبره على السفر عبر طرق التهريب، وركوب البحر، حيث أن تلقى اتصالاً من شعبة الأجانب بعنتاب تطلب منه فيه مراجعة الدائرة، وعند ذهابه كان ينتظره محققان يتساءلان عن رأيه في دخول الجيش التركي لمدينته (عفرين)، وقال: «رغم كل محاولاتي بالتهرُّب من الإجابة المباشرة، فإنهم طلبوا مني تجهيز حقائبي للعودة إلى بلدي بشكل طوعي، لأنها أصبحت آمنة».
لكنه اختار اللجوء إلى أوروبا على البقاء في تركيا، أو العودة إلى عفرين التي باتت خاضعة للسلطة التركية، ولا يعلم ما إذا كان سيعود مرة ثانية إلى بلده أو البقاء في المهجر، ليزيد: «ما يحدث بعفرين ترك أثراً بالغاً في نفسي، وتسبب لي ولعائلتي بانتكاسة حقيقية وإعادة صياغة العلاقة مع إخوتنا العرب، لا أقول الجميع، ولكن على الأقل مَن احتلوا مدينتي».

- حديقة خلفية لتركيا
منذ بداية النزاع في ربيع 2011، مدَّت تركيا يد العون للمعارضة المسلحة، وباتت اليوم تُعد أبرز داعميها، وعلى مرّ السنوات تطور الوجود التركي في سوريا، وبات نفوذها يمتد من مدينة جرابلس في أقصى ريف حلب الشمالي الشرقي، مروراً بمدينة أعزاز شمال حلب، وصولاً إلى عفرين، وتنتشر في هذا الجيب الملاصق لحدودها الجنوبية شرطة محلية مدعومة ومدرّبة من تركيا، ووجدت المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التركية، خلال العام الماضي، موطئ قدم لها في هذه المنطقة الآمنة نسبياً ضمن مناطق خفض التصعيد بالشمال السوري، وتحولت إلى حديقة خلفية استثمارية لتركيا، حيث تحولت أشجار الزيتون التي يتجاوز عددها في عفرين 18 مليون شجرة إلى مصدر دخل لفصائل معارضة، وهذه السهول الخصبة وجبالها هي الأرض التي تنتج أحد أفضل أنواع زيت الزيتون في سوريا، وكانت تمثل 70 في المائة من دخل أبناء المنطقة ذات الغالبية الكردية.
واتهم ناشط إعلامي من مدينة عفرين، نزح قبل عام وأربعة أشهر وقصد مدينة كوباني (عين العرب) ليكون قريباً منها، عناصر مسلحة أقدمت على إحراق 300 شجرة لوز كان يمتلكها والده وعائلته، وبحسب خبراء اقتصاديين ونشطاء حقوقيين وثَّقوا الأشجار التي تعرضت للقطع والحرق، فقد وصل عددها لأكثر من 120 ألف شجرة. ويقول الناشط: «كل مواطن من عفرين مرتبط بشجرته كارتباطه بالحياة، اليوم نشاهد ونسمع كيف يقطعون ويحرقون مئات الأشجار... لماذا كل هذه الجرائم؟! احتلوا أرضنا ويحرقون ممتلكاتنا».
في حين يمنع الجنود الأتراك إخراج الزيت من المنطقة، مما أدى إلى تدهور الأسعار، إلى درجة أن سعر صفيحة الزيت (16 لتراً) يبلغ اليوم في عفرين 15 ألف ليرة سورية، ما يعادل نحو 25 دولاراً، بينما يتجاوز سعرها الضعف في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية، وبحسب مصادر كردية، تُقدر خسائر الموسم بما يقارب 105 ملايين دولار.
واتهمت المعارضة التركية الجماعات المسلحة في عفرين بتهريب 50 ألف طن من زيت الزيتون من عفرين إلى الأسواق التركية، الأمر الذي أثر على الإنتاج المحلي في بلدهم، ولم يكتفِ المسلحون بتهريب زيت الزيتون، بل قاموا بتدمير حقول الزيتون أيضاً.
ويقول مزارع من ناحية بلبلة إن الإدارات التي شكَّلَتها تركيا في عفرين وبلداتها «فرضت اقتطاع نسبة تتراوح ما بين 10 و20 في المائة من محصول الفلاحين من زيت الزيتون، مقابل السماح لهم بقطف حقولهم التي يملكونها».
فيما فرضت كل جماعة مسلحة ما تشاء من إتاوات على المزارعين، وفي أحيان كثيرة تقوم بسرقة المحصول من الفلاحين بقوة السلاح، ولم تكتفِ بذلك، حيث قام مسلحون بقطع آلاف أشجار الزيتون وبيعها حطباً في تركيا بهدف الكسب المادي.
وعبر مزارع ثانٍ من إحدى قرى راجو، ويمتلك مئات من أشجار العنب والزيتون، بأن موسم بيع أوراق العنب عادة في كل عام كان مربحاً نظراً لخير الشجرة، إذ كان يُباع سعر الكيلو الواحد بـ1500 ليرة (ما يعادل 3 دولارات أميركية) لكن الفصائل المسيطرة على القرية طلبت منه بيع المحصول بمبلغ 300 ليرة، نحو نصف دولار، لصالح عناصر فصيل يتبع «فيلق الشام»، واليوم ينتظر ذلك المزارع بيع موسع العنب والفاكهة الصيفية، ليقول: «لكن مع وجود هؤلاء الغرباء سيكون كباقي المواسم... خسارة بخسارة».
وتعمل مجموعة من النشطاء والمحامين على توثيق حالات الانتهاكات التي تحدث في عفرين، ويكون ضحاياها مدنيين أبرياء، ومن بين هؤلاء معارض كردي يقيم في مدينة حلب الخاضعة للنظام الحاكم بسوريا، وفي حديثه قال: «طالهم الخطف والقتل العمد والعشوائي، ليصل إلى درجة المعاملة المهينة والتعذيب، يُضاف إليها سرقة الممتلكات ومصادرة المحاصيل الزراعية والاستيلاء بالقوة على جزءٍ كبير منها».

- 1100 حالة خطف
سجلت منظمات سورية حقوقية ودولية إنسانية استمرار عمليات الاختطاف والاختفاء القسري والاعتقالات، وتصدر بيانات وتقارير عن هذه التجاوزات، وتابع السياسي الكردي حديثه برسالة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يقول فيها: «هناك صعوبة بالغة في إجراء إحصاءات دقيقة للانتهاكات الجارية بعفرين، نظراً للحصار المفروض على المنطقة، وخوف ضحايا الانتهاكات والجرائم من الحديث عنها تفادياً لعقوبات أشد»، وبحسب تقديرات المجموعة سجلت أكثر من خمسة آلاف حالة خطف واعتقال «منها أكثر من 1100 مجهولي المصير حتى تاريخه، ووثقنا قائمة بأسماء 67 ضحايا مدنيين قُتلوا بظروف مختلفة، تحت التعذيب أو بالرصاص الحي، أما الآخرون، فأُفرج عنهم مقابل رشى مادية».
وقبل معركة عفرين، طالبت تركيا مراراً بانسحاب «وحدات حماية الشعب» من المناطق الواقعة شرق وغرب نهر الفرات، حيث تخشى من قيام حكم ذاتي قد يحصلون عليه في بلد يشهد نزاعاً دموياً منذ 8 سنوات، الأمر الذي سيدفع أبناء جلدتهم (أكراد تركيا) للمطالبة بالمثل، إذ تتهم الحكومة التركية هذه القوة الكردية بالارتباط بـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور لديها، والأخير يخوض تمرداً مسلحاً منذ 4 عقود، بهدف نيل الأكراد استقلالهم، جنوب شرقي تركيا، في وقت تنفي فيه قيادة الوحدات أي صلة بحزب العمال، وهو ما تؤكده الولايات المتحدة التي تدعم الوحدات.
وقال شخص يسكن في مركز المدينة تعرض للاعتقال، وبقي شهرين بالسجن: «اعتقلوني ونقلوني بين عدة سجون، تركزت جميع أسئلتهم على أنشطتي في وسائل التواصل الاجتماعي، واتهموني بالانتماء إلى (الوحدات) و(حزب الاتحاد)، وكتابة تقارير عن الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل».
وأردف قائلاً: «كان السجَّان والمحققون يضربون ويعذبون المعتقلين من باب اللهو والتسلية ليس إلا، وفي الليل كانت صرخات الرجال تتردد أصداؤها في أرجاء المبنى، وأطلقوا سراحي دون أن أمثل أمام قاضٍ»، وأكد أنه كان قد فقد الأمل بالخروج، مضيفاً: «كنت أشعر أنني لن أخرج من هذا المكان أبداً».
وشكلت مجموعة من الإعلاميين والنشطاء يتحدرون من عفرين، غرفاً مغلقة عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، للتواصل وتوثيق الانتهاكات الحاصلة في مسقط رأسهم، من خلال نشرات الأخبار ومقاطع الفيديو وصور فوتوغرافية انتشرت كالنار في الهشيم، بداية من السيطرة على عفرين، لدى أبرز الجهات الإعلامية المحلية، ومنها إلى الإعلام الغربي والعالمي، وصفحة Afrin media center، وغلافها أشجار الزيتون التي تشتهر بها مدينة عفرين.
تروي «أدمن» الصفحة، وتتحدر من عفرين، أنها خرجت أواخر 2016 بعد أحكام «جبهة النصرة» سابقاً (هيئة تحرير الشام) قبضتها على ريف حلب الشمالي ومدينة إدلب المتاخمة لحدود مدينتها، التي كانت تشهد اشتباكات متقطعة بين الحين والآخر، الأمر الذي دفعها للجوء إلى دولة أوروبية، وهي مقيمة هناك.
وبحسب منشورات الصفحة، تأتي عمليات الخطف في قمة الهرم بدافع الفدية، ونشر أخبار متعلقة بالاعتقال والقتل والحوادث اليومية، وتقول الناشطة: «ننشر جميع حالات الانتهاكات، ونوثّق بنسبة 70 في المائة مما يحدث في عفرين، والكثير من الحالات لا يمكن نشرها، إما بسبب الخوف من أصحابها أو حرصاً على سلامة من كان ضحية»، وذكرت «أدمن الصفحة» أنّ هذه الحالات مؤرشَفة على شكل ملفات مدعومة بالشهادات والصورة والفيديوهات، وتُرسَل بشكل دوري إلى المنظمات الإنسانية والمراكز الحقوقية والدولية، وتضيف: «بعد احتلال عفرين زاد خطاب الكراهية والحقد بين أهل المدينة والعسكر من جهة، والوافدين الجدّد من جهة ثانية»، ووصفت المشهد بـ«المؤلم والقاتم»، وعندما «تشاهد غرباء يستوطنون أرضك وممتلكاتك، فمن المستحيل أن أفكر بالعودة، لأنني لا أريد العيش مع ذلك الظلام».

- مهجرون ونازحون
بعد اقتحام عفرين قامت الفصائل بكسر تمثال كاوى الحداد، ويُعدّ رمز الحرية وشعلة عيد نوروز القومي الكردي، الذي كان يتصدر ميدان راجو، شمال غربي عفرين، وحل محله مجسَّم ملون بالعلَمَين التركي والسوري الحر، وتغير اسمها ليصبح «دوار صلاح الدين»، وكُتِب باللغتين التركية والعربية.
وتداول نشطاء أكراد قبل أيام على منصات التواصل الاجتماعي صورة لهوية سيدة كردية من عفرين تدعى «كردستان حسن»، مرفقة بصورة ثانية لبطاقة التعريف التي منحها المجلس المحلي في عفرين، وقد قاموا بتغيير اسم السيدة من «كردستان» إلى «كلستان» كون السجلات الشخصية في عفرين مرتبطة بالحكومة التركيّة التي تحظر تداول «كردستان» ضمن سجلاتها الرسمية، كما ظهرت «كردستان» في صورة هويتها الشخصية الجديدة مرتدية الحِجاب، رغم أنّها لم تكن قد ارتدته في صورتها الموجودة على الهوية السورية.
بدورها أكدت أدمن صفحة Afrin media center أن حالة كردستان حسن ليست الوحيدة التي استبدال اسمها على بطاقة التعريف، «فكثير من الحالات لا تصل إلى الإعلام نتيجة التعتيم الكبير المفروض على الداخل، والترهيب الممارَس بحقّ أهالي المنطقة من الكرد بهدف دفعهم للهرب واستكمال مخطّط التغيير الديمغرافي».
وتوزّعت فصائل الجيش الوطني المنتشرة في عفرين على أربعة فيالق، وهي: «الجيش الوطني»، و«فيلق الشام»، و«فيلق الرحمن»، أما «فيلق السلطان مراد»، فاستوعب جميع الفصائل، بمن فيها عناصر «جيش الإسلام» المهجرون من الغوطة الشرقية.
وبعد انهيار مناطق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية في أبريل (نيسان) 2018، وريف حمص الشمالي، وتهجير الفصائل إلى ريف حلب الشمالي، وجدت تركيا الفرصة سانحة لتوطين المهجّرين في منطقة عفرين بحجّة أنهم طُرِدوا من بيوتهم، وتعارضت شهادات المهجّرين، إذ قال بعضهم إنهم تلقّوا معاملة حسنة في عفرين من قبل القوات التركية والجيش الوطني، فيما قال آخرون إنهم عومِلوا بشكل سيّئ في منطقة الباب من أجل تشجيعهم على الانتقال إلى عفرين، وقد بلغ عدد المهجّرين والنازحين إلى عفرين نحو 88 ألفاً.
ويقول ناشط كردي يتحدر من عفرين، وهو لاجئ اليوم في إقليم كردستان العراق، إنّ الجهات السورية المعارضة، التي كانت تعمل على فضح انتهاكات النظام وممارساته خلال الأعوام الماضية، «هي حالياً وبكل بساطة تتستر على الجرائم التي تقع يومياً في عفرين، وتحولت إلى واجهة إعلامية للفصائل المسلحة التي ترتكب تلك الفظائع، وتضفي شرعية للوجود التركي هناك». وتابع: «أحد أصدقائي مهجّر بعفرين، شرح لي أن ما يحصل هنا يحدث في غير مناطق سوريا... أشعر وكأنها محاولة طمس الحقائق، وتوطين أناس من خارج المنطقة».
وأوضح نازح من مدينة حمص أنه، وبعد وصوله إلى عفرين أواخر يونيو (حزيران) 2018، كان المسلحون قد نهبوا وسرقوا وأساءوا إلى معظم الأهالي بحجة أن كل كردي متهم بانتسابه لحزب الاتحاد الديمقراطي أو «الوحدات الكردية» التي كانت تسيطر سابقاً على عفرين، ليقول: «أغلب العناصر جاءت من خلفيات إسلامية متشدّدة وانضموا للجيش الوطني، عندما كانوا يشاهدون فتاة أو سيدة تلبس (سبور) وألواناً زاهية، فإنهم يفرغون كل أمراضهم وحقدهم عليها».
ورفض النازح السكن في منزل مهجور أو الاقتراب من الممتلكات الخاصة عائدة لأهل عفرين، مشيراً: «شرحت وضعي لمواطن من عفرين وعرف أني من حمص ورحب بي وأجَّر لي منزله بسعر مقبول، وتجاوز الحساسية التي ارتكبتها الفصائل المسلحة».
أما نازح ثانٍ من الغوطة الشرقية، وبعد وصوله إلى ناحية بلبلة، قرر البحث عن صاحب المنزل الذي سكن فيه، لأن الفصيل المسلح المسيطر على تلك المنطقة قام بانتهاكات، وقال: «بحثت حتى وجدت رقم هاتفه واتصلت به، قلتُ: لن أسكن في المنزل دون موافقتك، وسأدفع إيجاراً، أو أي شيء يضمن حقوقه، وقلت له إن هذه الأملاك بأمانتنا». واتهم النازح جماعات مسلحة بأنها ارتكبت كثيراً من الانتهاكات، من بينها «الفرقة 55»، و«الجبهة الشامية»، و«فيلق الشام»، و«السلطان مراد»، و«أحرار الشرقية»، والأخيرة، بحسب سكان عفرين ونازحين سكنوا فيها، ارتكبت جرائم وفظائع خطيرة.

- كُتل خرسانية
عمدت الجماعات إلى مصادرة الممتلكات والمحال التجارية في عفرين، وقال نازحون من عفرين يقطنون في مخيمات الشهباء المجاورة، إن أقاربهم وجيرانهم ممن بقوا أخبروهم بأن منازلهم قد أصبحت مقارّ عسكرية للجماعات المسلحة الموالية لتركيا، أو سكناً تعيش فيه عائلات نازحة.
وقالت سيدة عفرينية تسكن في مخيم العودة بناحية شيراوا في منطقة الشهباء، إن جماعة «فيلق الشام» صادرت منزلها بمنطقة جنديرس: «قال لي جاري إن منزلي تمت مصادرته، وأرسل إليَّ صوراً يظهر فيها بوضوح اسم (فيلق الشام) مكتوباً على جدار مدخل البيت»، وأثناء الحديث معها عبر الهاتف، كان بالإمكان سماع صوت بكائها لشدة حزنها، لتضيف: «المسلحون قطعوا أشجار الزيتون وعبثوا بأشجار الورد في منزلي، أخشى أن أموت هنا بعيدة عن منزلي وأهلي، ويبقى هؤلاء الغرباء يعبثون بممتلكاتنا».
وينفذ الجيش التركي منذ أشهر عمليات هدم وجرف واسعة النطاق لمنازل وأملاك المدنيين في قرى جلبل وكيمار، بهدف استكمال أعمال بناء جدار إسمنتي لعزل مدينة عفرين عن محطيها السوري، وبحسب سكان المنطقة انتهت من بناء أكثر من ألف متر بالقرب من قرية كيمار، وتشمل الخطة بناء نحو 70 كيلومتراً من الجدار بكتل إسمنتية خرسانية بالمنطقة داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل سمعان وقرى مريمين شمالاً إلى كيمار جنوباً، مروراً ببلدة جلبل في الجنوب الغربي، وربطها بأبراج مراقبة مع نقاط عسكرية عائدة للجيش التركي.
أما مزارع آخر من عفرين يتحدر من قرية دير مشمش التابعة لناحية شيراوا، التي باتت اليوم خاضعة لسيطرة فصائل «درع الزيتون»، فيشرح كيف نزح قبل عام وأربعة أشهر رفقة أسرته بعد دخول الجيش التركي، قاصداً أقرباءه الساكنين في قرية صوغانكه المواجهة لمسقط رأسه، وقال إنه يذهب يومياً إلى الحدود الفاصلة بين قريته ومكان إقامته الجديد، ليقول: «على بُعد أمتار أشاهد بحرقة أشجار الزيتون الخضراء، يخالجني شعور حزن عميق، فبسبب تركيا وفصائلها وهذه الحرب لا أستطيع الذهاب إلى حقلي وممتلكاتي».



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.