باريس تسعى إلى طرح مقترحات «تبرّد الأزمة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
TT

باريس تسعى إلى طرح مقترحات «تبرّد الأزمة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

يراود باريس الأمل في أن تنجح في فتح كوّة في جدار الأزمة المتفاقمة بين الولايات المتحدة وإيران. ونُقل عن مصادر القصر الرئاسي أن الاتصالات المتلاحقة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الأيام الأربعة الماضية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الإيراني حسن روحاني، بيّنت أن هناك «هامشاً للمناورة»، الأمر الذي دفع بماكرون إلى إرسال إيمانويل بون، كبير مستشاريه الدبلوماسيين، للمرة الثانية إلى طهران في أقل من أسبوعين حاملاً، على ما يبدو، «مقترحات» غرضها، كما جاء في بيان لـ«الأليزيه» أول من أمس، «إيجاد عناصر تسهم في التخفيف من حدة التوتر مع خطوات يجب أن تُتخذ فوراً قبل 15 يوليو (تموز)».
وتؤكد المصادر الفرنسية أن الطرفين الأميركي والإيراني ولأسباب «متناقضة» يريدان التفاوض، وما تريده باريس هو «تسهيل هذه العملية عبر طرح مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تحوز قبول الطرفين وتؤدي في مرحلة أولى إلى وقف التصعيد وتبريد الوضع، وفي مرحلة ثانية إلى فتح الباب من أجل جمع كل الأفرقاء حول الطاولة». وخلاصة أوساط متابعة للاتصالات أن «المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة».
وثمة قناعة في باريس أن الرئيس ماكرون هو الوحيد بين القادة الدوليين المعنيين مباشرةً بالاتفاق النووي مع إيران القادر على القيام بمهمة الوساطة بين واشنطن وطهران. فالزعيمتان الأوروبيتان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ليستا في وضع يمكّنهما من التوسط. ذلك أن الأولى غارقة في مشكلاتها السياسية الداخلية واهتمامها منصبٌّ على محاولة إنقاذ تحالفها الحكومي المهدد مع الاشتراكيين الديمقراطيين، يضاف إلى ذلك أن علاقاتها مع ترمب بالغة السوء. أما تيريزا ماي فإنها على وشك الرحيل في الأيام القادمة من 10 داوننغ ستريت، وهي بانتظار أن يختار المحافظون البريطانيون خليفتها على رأس الحزب والحكومة معاً. ولماي مشكلتان إضافيتان: الأولى تتناول سوء علاقاتها بطهران بعد أن تبنت الرواية الأميركية للأحداث التي حصلت في المنطقة بالنسبة إلى البواخر الأربع التي استُهدفت مقابل إمارة الفجيرة والناقلتين في بحر عمان. والأخرى «اشتباكها» المستجد مع ترمب على خلفية تسريب المراسلات الدبلوماسية للسفير البريطاني في واشنطن وهجوم الرئيس الأميركي عليها في تغريداته الأخيرة. وأخيراً، فإن موسكو وبكين ليستا مؤهلتين للقيام بوساطة بسبب خلافات سياسية واستراتيجية وتجارية بينهما وبين الولايات المتحدة.
ما الذي يحمله المستشار الرئاسي الفرنسي إيمانويل بون، الذي سيبقى في طهران لمدة يومين، في جعبته من مقترحات؟ يرى الفرنسيون أن المرحلة الراهنة «حرجة للغاية»، ما يبرر إصرار باريس على أن يتم اتخاذ خطوات «فوراً وقبل 15 يوليو». واختيار هذا التاريخ ليس صدفة لأنه يحل في الذكرى الرابعة للتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 ولأنه موعد اجتماع وزراء خارجية الدول الموقعة على الاتفاق «من غير حضور أميركي» مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف. وثمة مَن يعتبر أن هذا الاجتماع سيكون «مفصلياً» بالنسبة إلى مسار الأزمة المتفاقمة، وهو يأتي بعد خمسة أيام على اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بطلب من واشنطن للنظر في مصير الاتفاق والالتزامات الإيرانية بموجبه.
لم يتم الكشف حتى تاريخه عن لائحة المقترحات التي حملها بون معه إلى طهران. لكن المعلومات المتوافرة في باريس تفيد بأن المطلوب من إيران بدايةً «الامتناع عن أي عمل استفزازي إضافي» شبيه بإسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية أو استهداف ناقلات نفط... الأمر الذي «سيقضي على السيناريوهات المتداولة» لخفض التصعيد. والسبب في ذلك أنه «سيضع الرئيس الأميركي في موقف حرج وسيدفعه إلى الرد عسكرياً». وفي المقام الثاني، ترى باريس أن نجاح محاولتها مرهون بأن يقوم الطرفان بـ«بادرات محددة» تسمح لهما بتبرير قبول التفاوض. ويريد الأوروبيون، كما جاء ذلك أمس في بيان صادر عن وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا، من طهران البقاء داخل الاتفاق والالتزام ببنوده، ما يعني عملياً التخلي عن نشاطات التخصيب غير المسموح به والرجوع إلى السقف المتاح لمخزون اليورانيوم والمياه الثقيلة والامتناع عن أي خطوات إضافية تنتهك الاتفاق. وسبق لطهران أن أعلنت أكثر من مرة «استعدادها» للعودة عن إجراءاتها في حال مكّنها الأوروبيون من استمرار الاستفادة مما يوفره لها الاتفاق لجهة تصدير النفط والتجارة والبقاء داخل الدورة المالية الدولية. وفي المقابل، تسعى باريس إلى الحصول على «شيء ما» من الإدارة الأميركية مثل تأجيل العقوبات التي فرضتها مؤخراً على المرشد الأعلى وفريقه وعلى وزير الخارجية والأهم من ذلك إقناع واشنطن بإعطاء إعفاءات محدودة لتصدير النفط الإيراني. وسبق للصين أن أكدت أنها لن تنصاع للعقوبات الأميركية وستستمر في شراء النفط من طهران.
كذلك، يستطيع الأوروبيون «طمأنة» إيران بالنسبة إلى تفعيل الآلية المالية المعطلة عملياً حتى اليوم وتوسيع إطارها، وهذه المرة ليس ضد الأميركيين ولكن بموافقتهم. وحتى اليوم، كان الإيرانيون ينتقدون البطء في تشغيل الآلية ومحدودية مجالها المقصور على المواد الإنسانية والأدوية التي هي في أي حال خارج العقوبات الأميركية.
وثمة قناعة أوروبية أن إيران تريد وساطتهم لفك الخناق عن اقتصادها وأن التهديدات الإيرانية كالتي جاءت مثلاً على لسان عباس موسوي، الناطق باسم الخارجية، أول من أمس، بالخروج نهائياً من الاتفاق ومن عوائقه وحتى من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ليست إلا من باب «المزايدة». وتلفت المصادر الأوروبية النظر إلى التحذير الذي أطلقه الرئيس روحاني باتجاه الأوروبيين في 8 مايو (أيار) الماضي والخاص بنقل الملف النووي مجدداً إلى مجلس الأمن، حيث أكد أن مثل هذا الأمر سيستدعي «رداً صارماً» من طهران. ووفق هذه المصادر، فإن روحاني «ليس في وضع يمكّنه من إطلاق الإنذارات لأنه هو من يحتاج إلى الأوروبيين لا العكس».
وعلى أي حال، فإن الرسالة الأوروبية لطهران أن مسارها الراهن «خاطئ» لأنه يعني خسارة الدعم السياسي والدبلوماسي الأوروبي. وقد طالب الوزراء الأوروبيون الثلاثة، أمس، باجتماع «طارئ» للجنة المشتركة للنظر في الخطوات الإيرانية. وللتذكير، فإن تقريراً عن الوكالة الدولية للطاقة النووية يؤكد الانتهاكات الإيرانية الخطيرة يمكن أن يفضي إلى اجتماع اللجنة الخاصة بتسوية النزاعات التي لها صلاحيات نقل الملف إلى مجلس الأمن. والمجلس قادر على إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران التي رُفعت بموجب الاتفاق، الأمر الذي يعيد طهران خمس سنوات إلى الوراء. والخلاصة أن المطلوب اليوم من طهران مراجعة موقفها والاستجابة للمقترحات الفرنسية - الأوروبية لأن طريق التصعيد غير محمود العواقب.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».