أتسلق الجبال بحثاً عن ذاتي وأجول القارات بحثاً عن الآخر

رحلة مع المغامر والمصور كوري ريتشارد:

في إحدى رحلاته إلى منطقة الشرق الأوسط
في إحدى رحلاته إلى منطقة الشرق الأوسط
TT

أتسلق الجبال بحثاً عن ذاتي وأجول القارات بحثاً عن الآخر

في إحدى رحلاته إلى منطقة الشرق الأوسط
في إحدى رحلاته إلى منطقة الشرق الأوسط

كوري ريتشارد - لمن لا يعرفه - رحالة ومغامر ومصور فوتوغرافي أميركي محترف، يعمل في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك». جال كل القارات؛ بحيث شاهد شروق الشمس في أعلى نقطة من الأرض، وغروبها في أقصى منطقة، كما التقط صوراً لحيوانات آيلة للانقراض، والتقط أخرى لسكان قبائل ربما لم نكن لنعرف بوجودهم لولا صورهم وقصصهم التي سجلتها كاميرته. لكنه قبل أن يكون كل هذا، هو متسلق جبال. فقد وصل إلى أعلى القمم، بما فيها قمة إيفرست، ومن دون أوكسجين في عام 2016، ولا يزال يبحث عن تحديات جديدة يُنفس فيها عن طاقته.
يقول في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»: «عندما أتسلق الجبال فإني كمن يبحث عن ذاته، وعندما أجول القارات كمصور، فإني أبحث عن الآخر. لا يهمني التقاط وجوه أو صور جميلة بقدر ما تهمني تجارب الحياة التي ترسم خطوطها على الوجوه، وتلك النظرات التي تحكي كثيراً من القصص الإنسانية».
كان اللقاء في نيويورك، ومن تنظيم دار «فاشرون كونستانتين» للساعات. فهو واحد من سفرائها ونجوم حملتها «One of not many». من هذا المنظور مولت مغامرته الأخيرة، التي كان ينوي فيها تسلق التلال الشمالية الشرقية في التبت، وهي واحدة من أصعب الطرق المؤدية إلى أعلى القمم في العالم. ابتكرت له الدار أيضاً ساعة خاصة رسمت على ظهرها جبالاً وتلالاً تحية له، وضمنتها تقنيات ووظائف تلائم السفر والترحال. لم تُكلل رحلته هذه بالنجاح بسبب الظروف الجوية القاسية «إلا أنها لن تكون الأخيرة» حسب قول كوري، فآخر شيء يمكن لمتسلقي الجبال توقعه هو الطقس الذي يمكن أن يتغير بين دقيقة وأخرى. ورغم أنه لم يُخف حُزنه لعدم تمكنه من تحقيق هدفه هذه المرة، فإن تجارب الحياة، حسب قوله، علمته «أن كل شيء ممكن، النجاح والفشل، المهم ألا يتراجع الإنسان عن أحلامه، أو يترك للإحباط سبيلاً إلى نفسه».
كان كوري ريتشارد الماثل أمامي أنيقاً ورشيقاً، يختلف تماماً عن صوره المأخوذة في أماكن متفرقة من العالم، بشعر أشعث، وبشرة لوحتها الشمس الحارقة حيناً، أو غطتها الثلوج حيناً آخر. يمكن تشبيهه بالأمير البريطاني هاري، مع فارق أنه يتمتع بشعر أكثر غزارة؛ بل حتى حركات يديه، الناتجة عن قلق أو خجل، وهو يرفع شعره عن وجهه بين الفينة والأخرى تذكِّر بالأمير، هذا عدا الإكسسوارات الإثنية التي كانت تُزين عنقه ومعصمه. بيد أن صورته الأنيقة هذه تخفي كثيراً من الصراعات والمشكلات النفسية التي أنقذه السفر، وتحديداً تسلق الجبال، من براثنها. يعلق قائلاً: «أقصد هذا بالمعنى الحرفي. فمنذ الطفولة وأنا أشعر بأن قمم الجبال ملاذ أستطيع أن أتنفس فيه بحرية، وأستمد منه نوعاً من السكينة النفسية كنت في أمسِّ الحاجة إليها. لقد عززت هذه الهواية إحساسي بقيمتي؛ لأنك عندما تمارسها، فإن لا أحد يسألك من تكون ومن أين أنت».
كان السفر عموماً «هدية من السماء» كما يقول: «أجد فيه دائماً قطعة من ذاتي. ففي كل مكان أزوره، أتفاجأ بحياة لم أكن أتصورها من قبل، وأكتشف أننا بالنهاية نتشابه في كثير من الصفات، وأنه ليس هناك ما يفرقنا كبشر سوى اللغة والجغرافيا التي ننصهر معها وتشكل نظرتنا إلى العالم».
كان من البديهي أن يتحول حبه للسفر إلى نوع من الإدمان. لم تعد الجبال الأميركية قادرة على استيعاب طموحاته، فبدأ التنقل من مكان إلى آخر باحثاً عن تحديات جديدة. قام ببعثات إلى ميانمار، وبوتسوانا، والتبت، وأنتاركتيكا، وأوروبا، والهيملايا، وغيرها. كان كثير من هذه البعثات محفوفاً بالمخاطر؛ لكنها كانت تغذي طموحه كمغامر وكمصور محترف على حد سواء.
كل الأماكن التي زارها تركت أثراً عميقاً في نفسه. فعدا عن فهمه تقلبات الطبيعة، بين الهدوء حيناً والغضب حيناً آخر، كان يهمه استكشاف الجانب الإنساني، لا سيما حياة أشخاص بسطاء لم تُؤثر عليهم المدنية. ما زال يعشق الاستماع إلى قصصهم وتجاربهم الإنسانية: «أحياناً لا أحتاج إلى سماعها على لسانهم؛ بل أكتفي بقراءتها في نظرات عيونهم أو التجاعيد المحفورة على وجوههم وأياديهم». بساطتهم وكيفية تعاملهم مع قسوة الحياة والطبيعة المحيطة بهم، كانت تضع الأمور في نصابها بالنسبة له، وتُطفئ، إلى حد ما، ذلك البركان الذي كان يعتمل بداخله، وكاد أن يؤدي به يوماً إلى الموت.
يقول كوري ريتشارد هذا، وهو يكرر ما قاله في البداية من أن السفر لم يكن بالنسبة له يوماً مجرد متعة أو ترف. فعلى المستوى الشخصي قبل المهني أنقذه فعلاً من الضياع. يحكي تفاصيل طفولة تخللتها أحداث أثرت عليه سلباً، بسبب معاناته من اضطرابات نفسية ناتجة عن تغيرات مزاجية حادة كان يتعرض لها، تطورت إلى حالات تمرد أدت إلى تركه مقاعد الدراسة، وخروجه من بيت العائلة، والعيش بلا مأوى لعشر سنوات تقريباً، تنقل فيها من بيت صديق إلى بيت فرد من أفراد عائلته. لم تكن عائلته فقيرة، بالعكس، كانت من الطبقات المتوسطة؛ لكن حالات الاكتئاب الحادة والقلق الزائد التي يعاني منها منذ الطفولة، كانت أقوى من أن يستطيع أحد احتواءها والتعامل معها. بيد أنه حتى في أقسى الظروف، كان دائماً يتذكر الأوقات التي كان يقضيها مع والده وأخيه الأكبر، يتسلقون الجبال وهو صغير. في حُضن هذه الجبال فقط، كان يستطيع أن يتنفس ملء رئتيه، ويشعر بأنه طليق وسعيد. كلما ارتفع عن سطح الأرض، شعر بالانعتاق، وبأن همومه أصبحت وراءه. «غير ذلك كانت تعتمل بداخلي دائماً صراعات أجد صعوبة في الخروج منها. الفرق أني تعلمت كيف أتعامل معها مع الوقت»؛ مشيراً إلى أنه لا يزال يخضع للعلاج منها حتى الآن.
ساعده على إخماد ثوراته وتهدئة صراعاته، مشاركته في بعثات إلى البيرو وألاسكا، ثم أوروبا؛ حيث تدرب على تسلق جبال الألب، وانخرط في معهد لتعلم فن التصوير الفوتوغرافي. لم يكن يتوقع الدور الذي ستلعبه هذه الخطوة في حياته. فمنذ ذلك الحين أصبحت الكاميرا درعه التي يحتمي بها، وسلاحه في مواجهة العالم. لكن النقلة الحقيقة كانت عندما دعاه المستكشفان دينيس أوروبكو والإيطالي سيموني مورو، لمرافقتهما إلى تسلق 13 أعلى قمة في العالم، لتسجيل تجربتهما بكاميرته. لم يتردد ولم يندم رغم أنه كان يُدرك مخاطر المغامرة. فبالإضافة إلى أنها كانت في وسط الشتاء، كان لم يسبق له اختبار تسلق جبال وعرة من هذا النوع من قبل. وبالفعل، بعد وصولهم إلى القمة ومحاولتهم النزول، تفاجأوا بانهيار ثلجي غطاهم تماماً. الغريب أن أول ردة فعل له في هذه اللحظة التي واجه فيها الموت، ونجح فيها في إخراج رأسه من تحت الثلوج، كانت التقاطه «سيلفي». بين ليلة وضحاها انتشرت الصورة، وتصدرت غلاف مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، التي أصبح أحد المصورين المحترفين فيها بعد ذلك. كانت صورة معبرة تُجسد الخوف وعدم التصديق والقوة في الوقت ذاته: «لخصت الصورة تلك اللحظة التي خرجتُ فيها من تحت أكوام الثلج، وربما من الموت. كانت ردة فعل لا شعورية وعفوية، وكأني كنت أريد أن أتأكد من أني لا زلت على قيد الحياة».
مراوغة الموت بهذه الطريقة لم تمر مرور الكرام. فقد خلفت آثاراً عميقة وسلبية في نفسه. صحيح أنها أطلقته إلى الأضواء كمتسلق ومصور عالمي على المستوى المهني؛ لكن على المستوى الشخصي عرضته إلى حالة من الانهيار أخذ عدة أشكال من تدمير الذات، كان طلاقه نتيجة من نتائجها، إضافة إلى إدمانه على الكحول، في محاولة لقتل إحساسه بالخوف. يُعلق: «بالنسبة للعالم، كانت الصورة التي يراها براقة لشخصية مغامرة وقادرة على التقاط صور إنسانية وحدثية بشكل جيد؛ لكن لم تكن هذه الصور تُظهر ذلك البركان الذي كان يغلي ويتفاعل بداخلي. فبعد انتشار هذه الصورة بدأت معاناتي مع الإدمان، ودخلت في حالة اكتئاب سوداوي لم يُخرجني من براثنها سوى رحلاتي ولقاءاتي مع أشخاص بُسطاء من ثقافات أخرى».
لا يخجل كوري من الاعتراف بأنه كأي إنسان تعتريه لحظات شجاعة ولحظات خوف. فالخوف شعور طبيعي وليس سلبياً في كل الحالات، حسب رأيه: «بالعكس، فهو مهم من ناحية أنه يحمينا ويجعلنا في مأمن من الخطر». ويتابع: «ولأن جزءاً مهماً من معركتي في الحياة هو حالات القلق الزائد التي تعتريني بين الفينة والأخرى، وما يترتب عليها من رغبة محمومة في الخروج منها بأي شكل، فإن الخوف يكبح جموحي ويجعلني حذراً ومتحفظاً في اتخاذ قرارات متسرعة».
هذا الحذر يروض جموحه وحماسه لتسلق أعلى القمم، وبحثه الدائم عن أكثرها صعوبة وتعقيداً. كل مغامرة يخوضها تكون محسوبة من كل الجوانب: «لأني في النهاية أريد أن أعود من أي مغامرة سالماً» حسب تأكيده.
في نهاية اللقاء، كان هناك سؤال مُلح عن شعوره وهو ينظر إلى العالم من أعلى قمة، يجيب عنه مبتسماً، بأن الكل يتوقع أن تغمره مشاعر من النشوة؛ لكن الحقيقة أن كل ما يُفكر فيه في تلك اللحظة هي مرحلة النزول إلى الأرض. فهذه أصعب من الصعود بكثير، وهي التي يتعرض فيها أعتى المتسلقون وأكثرهم خبرة للموت.


مقالات ذات صلة

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

الاقتصاد طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة «كاثاي باسيفيك» للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

رفعت بعض شركات الطيران أسعارها، فيما تعمل شركات أخرى على تخفيض النفقات، وترشيد الإنفاق، مع مطالب بإلغاء الضريبة البيئية على وقود الطائرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

اكتشف القاهرة في رمضان

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية.

محمد عجم (القاهرة)
الخليج طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» مقبلة من دبي تهبط في مطار دوسلدورف بألمانيا يوم 4 مارس 2026 (د.ب.أ)

تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى دبي حتى 7 مارس

ستظل جميع رحلات طيران الإمارات المجدولة من وإلى دبي معلقة حتى الساعة 23:59 في 7 مارس بتوقيت الإمارات العربية المتحدة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة كاثاي باسيفيك للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

ازدياد خسائر شركات الطيران وقطاع السفر مع استمرار حرب إيران

تحاول شركات الطيران التعامل مع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتُسابق الحكومات الزمن لإعادة المسافرين العالقين بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا تباين الآراء تجاه قرار زيادة رسوم دخول مصر على التأشيرات الاضطرارية (شركة ميناء القاهرة الجوي)

زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول مصر

بدأت مصر تطبيق قرار زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول البلاد عبر المنافذ والمطارات من 25 دولاراً إلى 30 دولاراً.

عصام فضل (القاهرة)

اكتشف القاهرة في رمضان

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
TT

اكتشف القاهرة في رمضان

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية، وتمتد إلى الشوارع والميادين، والأسواق والمساجد، ما يجعلها تجربةً ثقافيةً واجتماعيةً فريدةً.

وتُعدُّ «السياحة الرمضانية» في مصر دعوةً مفتوحةً لاكتشاف اندماج التاريخ العريق والطقوس والعادات الحية، والاستمتاع بليالي القاهرة، التي تزهو بفوانيسها وتراثها، ما يجعل الشهر موسماً سياحياً قائماً بذاته، يجذب آلاف الزوار كل عام، في رحلة لا يبحثون فيها فقط عن زيارة معالم بعينها، بل عن شعور بالبهجة، خصوصاً خلال ساعات الليل، حيث لا تنطفئ أنوار القاهرة حتى مطلع الفجر.

«الشرق الأوسط» تستعرض أبرز الوجهات السياحية في مصر خلال شهر رمضان، والتي يمكن وضعها على جدول زيارتك للقاهرة.

القاهرة في رمضان لها نكهة خاصة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

ـ شارع المعز

يعد شارع المعز لدين الله الفاطمي، المعروف اختصاراً بـ«شارع المُعز»، في قلب القاهرة الفاطمية، بمثابة مسرح كبير يعج بالحياة، حيث يموج بالمصريين والسائحين من مختلف الجنسيات، وسط أجواء من الاحتفالات الرمضانية التي تعقد في بعض المعالم الأثرية، أو في المقاهي والمطاعم التي يحتضنها الشارع، ما يجعل التجوُّل به خلال ساعات ما بعد الإفطار من أمتع الزيارات وسط عبق ق خاص.

ويُعدُّ الشارع أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، إذ يضم 33 أثراً، منها 6 مساجد أثرية‏، و7مدارس، ومثلها أسبلة، و4 قصور، ووكالتان، و3 زوايا، وبابان هما‏‏ باب الفتوح، وباب زويلة، ‏وحمامان شعبيان، ووقف أثري.

ويتمتَّع زائر الشارع سواء قصده ليلاً أو نهاراً بالسير وسط هذه الآثار، وفي مقدمتها مجموعة السلطان قلاوون، كما يتيح الشارع لزائره التعرُّف على ما يضمه من الحرف والصناعات اليدوية، ولن يجد الزائر صعوبةً في التعرُّف على تاريخ الشارع ومعالمه، من خلال اللوحات الإرشادية على كل أثر.

كما أنَّ المقاهي والمطاعم بالشارع تتنافس لكي تُقدِّم للزائرين وجبتَي الإفطار والسحور، وسط أجواء فلكلورية ورمضانية، ما يجعل تناول الطعام بين جموع الزائرين تجربةً لا تنسى.

الفوانيس النحاسية والقناديل في خان الخليلي (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

ـ خان الخليلي

لمَن يريد معايشة أجواء شهر رمضان عن قرب، فإن مقصده الأول يجب أن يكون سوق خان الخليلي، الذي يعد قلب قاهرة المعز النابض، بأنواره وروائحه وصخبه.

يمنح التجول في خان الخليلي الزائرَ في كل خطوة إحساساً بالتاريخ والعادات والتقاليد، وعيش تجربة تاريخية بين أزقته وممراته ومبانيه، إلى جانب ذلك، يجد الزائر صفوفاً من المحلات التجارية التي تُقدِّم المنتجات المصنوعة يدوياً، بدءاً من الهدايا التذكارية الصغيرة إلى الأطباق النحاسية الأواني، وكثير من القطع المزخرفة التي لا يوجد مثيل لها.

بالتوغل بين أزقة الخان، والوصول إلى «سكة القبوة»، ووسط جماليات العمارة الإسلامية، تجذب الفوانيس النحاسية ذات الزجاج الملون، والقناديل ذات الأضواء المبهرة، الزائر إلى عالم آخر من الجمال الرمضاني المبهج، حيث تعكس بقوة روح الشهر وروحانياته، كونها رمزاً للفرحة والتقاليد المرتبطة بالصيام.

بعد التجول حان وقت الراحة، ولا أفضل من قضاء وقت ممتع بين المقاهي الموجودة بمحيط الخان، فالجلوس عليها له متعة خاصة، ومن أشهرها «مقهى الفيشاوي»، الذي يعود تاريخه لمئات السنين، وتضيف تلك المقاهي أجواء من البهجة الرمضانية، حيث تقدِّم أمسيات موسيقية على أنغام الفرق الشرقية، في أثناء استمتاع الزائر بمشروبات رمضان الشهيرة.

ـ مجموعة السلطان الغوري

عندما تقصد هذه المجموعة، التي تضم «قبة ووكالة ومسجداً» إلى جانب ملحقاتها من «حمام ومقعد وسبيل وكتاب وخانقاه»، فإنك وسط أحد أهم الأماكن الأثرية الإسلامية في القاهرة، والتي تمثل تحفةً معماريةً مميزةً للعصر المملوكي.

مقهى الفيشاوي أحد أشهر مقاهي القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

تقع المجموعة في منطقة الأزهر والغورية، وتم إنشاؤها خلال الفترة من 909هـ - 1503م، إلى 910هـ - 1504م، بأمر السلطان الأشرف قنصوه الغوري، أحد حكام الدولة المملوكية، وتجتمع فيها الروح المصرية مع عبق التاريخ، ما يجعلها جاذبةً للسائحين من مختلف الثقافات والجنسيات، للاستمتاع بمعمارها وزخارفها نهاراً.

أما في المساء، فتفتح المجموعة أبوابها، لا سيما مركز إبداع قبة الغوري، لتقديم وجبة ثقافية وفنية، عبر عروض تجتذب السائحين العرب والأجانب بأعداد كبيرة، لا سيما خلال شهر رمضان، حيث تُقدَّم فيها عروض التنورة، التي تعتمد على إظهار مهارات الراقص في استخدام وتشكيل التنانير ولياقته البدنية، مع استخدام الإيقاع السريع عبر الآلات الموسيقية الشعبية، وعروض «المولوية»، التي تجذب محبي التراث الصوفي، إلى جانب عروض الذكر والتواشيح والمدائح الشعبية.

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

ـ المساجد الإسلامية

زيارة المساجد التراثية العريقة ستبعث في نفسك السكينة والروحانيات خلال شهر رمضان، ولا يمكن أن تزور العاصمة المصرية، التي تحمل لقب «مدينة الألف مئذنة»، خلال شهر رمضان دون أن تمرَّ على أحد مساجدها، التي تزدان لزوارها، سواء للصلاة أو للزيارة للتعرُّف على معمارها وتاريخها.

ويعد الجامع الأزهر أبرز المساجد التي يمكن زيارتها، للتعرُّف على تاريخه الطويل الذي بدأ عام 361هـ - 972م، أما مع غروب الشمس، فيمكن زيارة المسجد لرؤية تحوُّل صحنه إلى مائدة إفطار جماعية، تجمع الآلاف من طلاب العلم الوافدين من شتى بقاع الأرض للدراسة بالأزهر، في مشهد يتخطَّى الألسنة والألوان والأزياء.

أما زيارة جامع عمرو بن العاص فستعرِّفك على أول جامع بُني بمصر سنة 20 للهجرة، كما يجب أن يتضمَّن جدول زيارتك مسجد أحمد بن طولون، الذي يمتاز بالطرز المعمارية الفريدة سواء من ناحية التصميم أو الزخرفة، ويعد الصعود إلى مئذنة المسجد ذات الشكل الدائري المميز أمراً رائعاً لمشاهدة القاهرة القديمة من أعلى.

كذلك يمكن زيارة مسجدَي الرفاعي والسلطان حسن، المواجهين لبعضهما بعضاً والشبيهين في الضخامة والارتفاع، حيث يجتذبان مختلف الجنسيات لصلاة القيام وسط أجواء إيمانية، أو للتعرُّف على عظمة فن العمارة الإسلامية بهما.


ملحم بو علوان... «الطبيب» المتفرّغ لمغامرات السفر

في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
TT

ملحم بو علوان... «الطبيب» المتفرّغ لمغامرات السفر

في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)

يتملك الطبيب ملحم بو علوان شغفٌ بالسفر، نابعٌ من حبّه العميق لعلم الجغرافيا. فمنذ طفولته كان يحفظ عواصم الدول وألوان أعلامها. فتغذّت ذاكرته باكراً على حب استكشاف العالم. يقول إن حلم السفر رافقه طويلاً، غير أنّ الحرب كانت تقف دائماً حاجزاً بينهما. ومع بلوغه الـ18، انطلق في رحلة دراسة الطب، فشكّلت له بوابة واسعة إلى الكرة الأرضية، جال من خلالها في بلدان كثيرة.

وبعد انضمامه إلى جمعية طبية راح يرافق أعضاءها للمشارَكة في مؤتمرات طبية حول العالم. وحتى اليوم، استطاع زيارة 176 دولة، ويطمح في استكمال رحلاته حتى زيارة الكوكب بأكمله. يقيم حالياً في ولاية أتلانتا الأميركية، حيث يمارس مهنة الطب، ويخصِّص أياماً مُحدَّدة من كل أسبوع لهوايته المفضَّلة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يعترف ملحم بأن الصعوبات التي تُرافق رحلاته تزيده حماساً. أما أبعد بلد عن لبنان زاره، فهو تونغا في المحيط الهادئ، موضحاً: «يقع في المقلب الآخر من الكرة الأرضية، على بُعد 16 ألفاً و800 كيلومتر طيراناً عن لبنان». ويشير إلى أنه يبتعد عن زيارة الدول المتطورة، ويفضِّل عليها البلدان النامية، لكون الوصول إليها غالباً ما يكون صعباً لأسباب لوجيستية، إذ لا تتوافر دائماً رحلات طيران مباشرة إليها. ويضيف: «أحب تحدّي نفسي بزيارتها، واكتشافها بوصفها جواهر نادرة قلّما تُرى».

مشهد من الطبيعة الخلابة التي هوى السفر اليها (ملحم بو علوان)

وعن أصعب رحلة خاضها، يقول: «أستذكر الرحلة الأسوأ عام 2008 حين قصدت المكسيك. هناك تعرَّضت للسرقة واضطررت للبقاء شهراً كاملاً بانتظار إنجاز أوراقي الرسمية في السفارة اللبنانية. سبق أن تعرَّضت للسرقة في عدد من الدول الأوروبية، بينها لندن وباريس وإسبانيا. لكن في المكسيك كان الأمر أقسى، إذ لم تقتصر السرقة على الهاتف والمال فحسب».

ملحم هو صاحب منصة «يلّا نشوف العالم» على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد بدأ مشواره في العالم الافتراضي منذ نحو 5 أشهر، متجاوزاً اليوم عتبة 25 ألف متابع. ويقول: «يتفاعلون معي بشكل لافت، ويطرحون أسئلة كثيرة تتعلق بالسفر، وينتظرون منشوراتي عن البلدان التي أزورها بحماس، ويطالبونني دائماً بالجديد. أحياناً أسأل نفسي، ماذا يمكن أن أضيف لهم؟، ثم أدرك أن شغفهم الحقيقي هو الاكتشاف. فنحن اللبنانيين نتمتع بروح الانفتاح وحب المعرفة».

أجمل 5 بلدان لتمضية شهر العسل عندما يُسأل الطبيب اللبناني عن 5 وجهات رومانسية غير متداولة بكثرة ينصح بها، يوضح: «أنا شخصياً أفضّل البلدان التي تجمع عناصر سياحية متعددة». ويضع سريلانكا في مقدمة خياراته، واصفاً إياها ببلد جميل ونظيف. ويستشهد بطبيعتها الخلابة ومزارع الشاي الشاسعة، فضلاً عن شواطئ جنوب غربي البلاد؛ حيث يمكن مشاهدة السلاحف البحرية.

أما الوجهة الثانية فهي غواتيمالا، البلد الواقع في أميركا الوسطى، والذي لا يحظى بشهرة واسعة بين اللبنانيين رغم سهولة الوصول إليه. ويقول: «يجمع بين الإرث التاريخي وثقافة المايا، والطعام الشهي، فضلاً عن البراكين والجبال التي تُشكِّل لوحات طبيعية بحد ذاتها». ويصف تايلاند بأنها وجهة سياحية بامتياز، نظراً إلى التنظيم الممتاز والتسهيلات المتوافرة. ويضيف: «بانكوك تحفة قائمة بذاتها، ويمكن للعروسين قضاء شهر عسل مميّز بين البحر والطبيعة». أما أرمينيا، فيعدّها من الوجهات المُحبَّبة في فصل الصيف، مشيراً إلى غناها بالتراث والحضارات، واشتهارها بسهول الرمان الذي يُقدَّم عصيره ترحيباً بالضيوف، فضلاً عن كونها وجهةً ممتعةً بتكلفة مقبولة.

في الجزائر التي يصفها بالبلد العربي الجميل (ملحم بو علوان)

وعن مدغشقر، الواقعة في المحيط الهندي قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لأفريقيا، يقول: «إنها بلد شاسع يتمتع بتنوّع كبير. والعاصمة أنتاناناريفو وحدها تُعدّ تحفة طبيعية. هناك يمكن التعرّف إلى أشجار الباوباب التي يعود عمرها إلى مئات السنين، فضلاً عن طبيعة خلابة وحيوانات فريدة، كالسناجب المنتشرة في مختلف المناطق. وهو بلد يمكن الإقامة فيه بتكلفة معقولة كونه ليس من الوجهات الباهظة».

البلدان صاحبة الأطباق الأكثر غرابة

تزخر رحلات السفر بالمعلومات والقصص التي يمكن أن يشاركك بها ملحم بو علوان، لا سيما تلك المرتبطة بثقافات الطعام حول العالم. وعندما يتحدَّث عن البلدان التي تشتهر بأطباقها الغريبة تستوقفك كردستان، حيث تنتشر الأطباق المصنوعة من لحم الخيل، على غرار ما هو شائع أيضاً في آيسلندا.

ويشير إلى أنّ كرواتيا تقدِّم بدورها أطباقاً مصنوعة من لحم الدببة. أمّا في آسيا، فتشتهر بعض البلدان بالأطباق المصنوعة من الحشرات. ويعلّق: «شخصياً لا أحبّ هذا النوع من الطعام، لكنني تذوَّقته رغم ذلك». وتتنوع هذه الأطباق بين القاذفات بالذنب (القبّوط) والجنادب، وتُقدَّم على موائد الطعام في أوغندا.

وفي إسكندنافيا والدنمارك، يتناول السكان لحم سمك القرش، بينما تشتهر أستراليا بأطباق شهية تُحضَّر من لحم الكنغر. أمّا في كينيا فتُقدَّم أطباق مصنوعة من لحم التماسيح.

كيف نختار وجهة السفر؟

يرى دكتور ملحم بو علوان أن الأذواق تختلف من شخص إلى آخر، لذلك لا يمكن تعميم معايير اختيار وجهة السفر، فكل فرد يسعى إلى رحلة تلبي أهدافه الخاصة، سواء كانت ثقافية أو ترفيهية. وبالنسبة إليه، تُعدّ نيوزيلندا والمكسيك من أجمل البلدان، لما يوفّرانه من طبيعة خلّابة وحياة سهر وتسلية.

ويضيف إلى لائحته بلدان أوروبا وأميركا، إضافة إلى طوكيو والصين، حيث يشهد نمط الحياة تطوراً لافتاً. كما ينصح بزيارة تايلاند وبلغراد، التي يصفها بأنها من أجمل البلدان التي زارها. ولا يخفي إعجابه بالجزائر، عادّاً إياها أجمل البلدان العربية، رغم انغلاقها النسبي على نفسها.

كما يشجِّع على زيارة جنوب شرقي آسيا، لا سيما ميانمار وباكستان وبوتان. ويصف رحلته إلى بوتان بالممتعة، مشيراً إلى شهرتها بالأديرة البوذية، وتنوّعها الثقافي اللافت، وتضاريسها الجبلية وطبيعتها الخلابة، فضلاً عن تسميتها بـ«أرض التنين».

ويختم ملحم بو علوان حديثه لـ«الشرق الأوسط» متوقفاً عند لبنان، فيقول: «برأيي، هو البلد الأجمل، ولا توجد بقعة على وجه الأرض تشبهه. عندما أتحدّث عن بلدي أتأثّر كثيراً. وحين أسير في شوارع بيروت، أو أزور بلدة جبلية أو شاطئه الجميل، أنسى العالم كلّه أمام سحر طبيعته».


هل تفتّش الولايات المتحدة حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي لقبول طلب الفيزا؟

 «إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
«إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
TT

هل تفتّش الولايات المتحدة حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي لقبول طلب الفيزا؟

 «إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
«إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)

تداولت تقارير معلومات تشير إلى أن الولايات المتحدة جعلت الإفصاح عن الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي إلزامياً كجزء من طلب الحصول على تصريح السفر الإلكتروني «إيستا» (ESTA). غير أن الواقع يوضح أنه لم تدخل أي تدابير جديدة حيّز التنفيذ حتى الآن. وتوضح منصة «Hellotickets» حقيقة الأمر.

مقترح قيد الدراسة... من دون تغييرات رسمية في إطار مشاورات عامة، جرى بحث عدد من الإصلاحات المحتملة، من بينها:

• سجل شخصي مفصّل يغطي عدة سنوات، يشمل أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني.

• معلومات إضافية عن أفراد العائلة.

• توسيع نطاق جمع البيانات البيومترية.

• الإفصاح الإلزامي عن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الخمس الماضية.

إلا أن هذه العناصر تظل مجرد اقتراحات قيد المناقشة حتى الآن، ولم يصدر أي مرسوم تنفيذي لتطبيقها.

ولكي تدخل أي إصلاحات حيّز التنفيذ، يتعين نشر لائحة تنظيمية رسمية. وحتى اليوم، لا يوجد أي نص رسمي يؤكد اعتماد هذه المتطلبات الجديدة.

وتؤكد مصادر في القطاع أنه حتى هذه المرحلة، لم يطرأ أي تغيير على إجراءات «ESTA»، إذ يظل الإفصاح عن حسابات التواصل الاجتماعي اختيارياً، كما لا يُطلب تقديم معلومات إضافية عن العائلة، سواء عبر الموقع الإلكتروني أو عبر تطبيق الجوال.

زيادة في الاستفسارات... بلا تعديل في الإجراءات

وأدت الأنباء المتداولة إلى ارتفاع ملحوظ في استفسارات العملاء لدى «هيلو تيكيتس».

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي للشركة: «شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية زيادة في أسئلة المسافرين. ومن المهم توضيح أن إجراءات (ESTA) الحالية لم تتغير. وحتى صدور تنظيم رسمي، تبقى القواعد على حالها. ودورنا يتمثل في توضيح الأمر وتفادي أي لَبس غير ضروري».

وفي سياق دولي حساس، يمكن للمعلومات غير المؤكدة أن تثير القلق سريعاً. غير أن متطلبات الدخول إلى أي دولة لا تتغير رسمياً إلا عبر منشور حكومي معتمد.

ما الذي ينبغي أن يعرفه المسافرون؟

• يظل الإفصاح عن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي اختيارياً.

• لم يتم تعديل نموذج طلب «ESTA».

• لا توجد متطلبات جديدة مفروضة.

وتنصح «هيلو تيكيتس» التي تعدّ منصة عالمية رائدة في مجال تجارب السفر والجولات والأنشطة السياحية، المسافرين بالرجوع حصراً إلى الموقع الرسمي للحكومة الأميركية للحصول على التحديثات، وتقديم طلب «ESTA» قبل موعد السفر بوقت كافٍ.