الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

لم يتردد بعض رواد الحداثة في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات
TT

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

لم تكن الحداثة الشعرية لحظة انطلاقتها في أواخر أربعينيات القرن الفائت مشروعاً لنقض المنجز الشعري العربي وتقويضه ومحوه من الذاكرة، بل للإفادة من هذا المنجز إلى أبعد الحدود بغية تجاوزه والإضافة إليه، ذلك أن الجذور لا تنبت في السماء، على ما قاله الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر، بل لا بد لها من تربة تحتضنها وتمدها بأسباب النمو وعناصر البقاء. وحال كل شاعر حقيقي هو حال الشجرة التي لا تعيد إلينا المواد نفسها التي امتصتها من التربة، بل تهضم هذه المواد وتعيد صوغها من جديد على شكل ثمارٍ شهية ومختلفة كل الاختلاف عن مكوناتها الأم. ولعل هاجس الرواد الأوائل الذين خاضوا مغامرة التجديد كان متصلاً بتوفير مساحات وآفاق إضافية للقول الشعري، تُخرجه من سياقاته النمطية ومن رطانة التكرار الممل للأشكال. على أن الشعر لا يعمل وفق منطق الآيات التي يجب بعضها بعضاً، بل وفق منطق الإضافة والمراكمة والتخطي في لحظات تشكّله، ووفق منطق المغايرة والتنوع وتجاور الأشكال في مراحله اللاحقة، وإلا لوجب أن تلغي قصيدة الشعر الحر قصيدة العمود الخليلية، ووجب لاحقاً أن تقوم قصيدة النثر كلا النموذجين السابقين عليها. والذين يأخذون بهذه المزاعم، إنما يخونون جوهر الحداثة القائم على التنوع والحرية، وتعدد الأساليب والمقاربات، فضلاً عن أنهم يلتقون موضوعياً مع عتاة التقليديين المدافعين عن أحادية الشكل العمودي وإلغاء ما سواه من الأشكال. كأنهم بذلك يستبدلون عمودية سابقة بعمودية لاحقة، ويحولون الحداثة إلى آيديولوجيا من نوع آخر. فالذين يعتبرون أن قصيدة النثر هي المآل الوحيد والأخير للحداثة، لا يختلفون بشيء عن الآيديولوجيا الماركسية التي ترى أن نهاية التاريخ تتمثل في تعميم النموذج الشيوعي على كافة أقطار الأرض، ولا يختلفون بالمقابل عن مقولة فوكوياما التي ترسم للتاريخ نهاية أخرى متمثلة في النظام الرأسمالي.
وقد يكون النموذج الذي قدمته مجلة «شعر» في عقدي الخمسينيات والستينيات هو المثال الحي على استيعاب روادها وكتّابها المتنوعين لمعنى الحداثة الحقيقية التي تربط الشعر بالمشروع المعرفي والجمالي، كما بالرؤية الجديدة إلى العالم، وليس بالأشكال وحدها. ولهذا السبب قرأنا في أعداد المجلة نصوصاً تفعيلية لبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وسعدي يوسف ويوسف الخال وأدونيس، وقصائد نثرية طليعية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وسركون بولص، جنباً إلى جنب مع نماذج عمودية مختلفة لبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وغيرهم. وكذلك كان الأمر في مجلة «الآداب»، لولا أن هذه الأخيرة ورغم تشجيعها للعشرات من الشعراء الجدد ربطت الحداثة بالشعر الحر وحده، رافضة الاعتراف بقصيدة النثر كخيار شعري وأسلوبي مختلف كل الاختلاف عن الخيارين السابقين. وإذا كانت قصيدة النثر قد فرضت نفسها كخيار متميز وكقيمة مضافة إلى الشعرية العربية، فإن ذلك لا يسوغ للبعض التعاطي مع الأشكال الأخرى بوصفها أشكالاً قديمة وبالية يجب الاستغناء عنها بسبب ما تفرضه على الشعراء من نوافل الأوزان وقيودها المرهقة. فالوزن لا يصبح عائقاً أمام كشوف المعنى إلا عند صغار الموهوبين وقليلي الحيلة. وإذا كان نيتشه قد اعتبر أن الفن الحقيقي هو بمثابة «رقص مع القيود»، فلأن المبدعين الكبار هم وحدهم القادرون في ضوء القيود التي يفرضها الفن أن يجترحوا المساحات الأوسع من الحدوس وجماليات التعبير.
إن البعض لم يكتفوا بالزعم أن بحور الخليل الستة عشر قد استنفدت أغراضها، وفقدت أي إمكانية فعلية للتجديد والتجريب بعد أربعة عشر قرناً من الدوران النمطي حول نفسها، بل أسقطوا المزاعم ذاتها على قصيدة الشعر الحر، وقبل أن تمر سبعة عقود على انطلاقتها. على أن هؤلاء يخلطون عن علم أو غير علم بين محدودية البحور الشعرية المعروفة وبين لا محدودية احتمالاتها الإيقاعية والنفسية. ذلك أن رد النسق التفعيلي إلى نواته الأصغر المكونة من تتابع الحركات والسكنات يمكن أن يضعنا أمام آلاف السياقات الإيقاعية ذات التوترات المختلفة والتموجات الزمنية المتغايرة. وبما أن لكل شاعر حساسيته الخاصة، وإيقاعه النفسي المختلف عن سواه، وطريقته الشخصية في استخدام الجوازات والبحور المجزوءة والمشطورة، كما في استخدام القافية الملائمة على صعيدي نظام الشطرين أو الشعر الحر، فإن أي بحر يختاره لقصيدته لن يكون البحر ذاته الذي يستخدمه الشعراء الآخرون. ولإقامة الدليل على ذلك يمكننا أن نلاحظ بأن البحر الكامل الذي استخدمه عنترة في معلقته الميمية، ومطلعها «يا دار عبلة بالجواء تكلمي \ وعِمي صباحاً، دار عبلة، واسلمي»، يختلف من حيث جرْسه ومتتالياته الإيقاعية وتأثيره في النفس، عن قول أدونيس على البحر نفسه «متدثّراً بدمي أسير، تقودني حمم ويهديني ركامُ». وكلاهما يختلفان إيقاعياً عن قول محمود درويش «بيروت تفاحة\ والقلب لا يضحكْ\ وحصارنا واحة\ في عالم يهلكْ»، أو عن قول الشاعر اللبناني حسن عبد الله «قولوا لها إني لبستُ قميصي الأصفرْ وخرجتُ عصر السبتْ\ قولوا لها قولوا لها: ما مَرْ \ في رأسه إلا خيال الموتْ». وإذا كان ثمة ما نستنتجه في هذا السياق فهو أن «لكلّ منا بحره الخاص»، على ما يقول سان جون بيرس، وأن الشعراء الحقيقيين لا ينزلون إلى مياه «البحر» نفسه مرتين، وأن الإيقاعات الشعرية غير قابلة للنفاد إلا لدى المقلدين ومنتحلي الصفة والنظامين الصغار.
ولعل الأمر يصبح أكثر صعوبة مع قصيدة النثر، خلافاً لما يظنه الكثير من السذج وقليلي الدراية. فهذا النمط الأسلوبي يحتاج إلى قدر من الدربة والمهارة والموهبة، لا يتوفر إلا للقلة من المبدعين وذوي القامات العالية. ذلك أن غياب الوزن والقافية التقليديين يرتب على النص أن ينهض بنفسه، مكشوفاً وأعزل من كل ظهير، وأن يستعيض عن هذا الغياب بقدر وافر من التكثيف والاختزال والثراء الصوري والإيقاعي، وربما تكون تجربة الماغوط هي واحدة من أكثر تجارب قصيدة النثر اكتنازاً بالصور المدهشة والإحالات الدلالية، فضلاً عن الالتحام التام بين وجيب القلب وبين براءة اللغة واندفاعها المحموم. وإضافة إلى المفارقات الآسرة والتشبيهات غير المسبوقة والإضرام المتواصل لحرائق الروح، يستعيض الماغوط عن البحور التقليدية بالتناظر المتناغم بين الجمل، وبقوة العصب وتوهج المعنى اللذين يحولان الوزن إلى عنصر ثانوي في معادلة الكتابة «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر\ إنني أرفع سبّابتي كتلميذ\ طالباً الموت أو الرحيل\ ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة\ من أيام الطفولة\ وأريدها الآن\ لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً\ ما لم يُعدْها إلى حرفاً حرفاً ونقطة نقطة\ وإذا كان لا يراني\ أو يأنف من مجادلتي أمام المارة\ فليخاطبني من وراء جدار\ ليضعها في صرّة عتيقة أمام عتبة\ أو وراء شجرة ما\ وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب\ ما دامت كلمة الحرية في لغتي\ على هيئة كرسي صغير للإعدام». وفي شعر أنسي الحاج نستشعر تواشجات إيقاعية تدور على نفسها كرقصة مولوية، بقدر ما نلمح مؤالفة واضحة بين الطرب الصوتي وبين النشوة المترعة بالترجيعات، كما أن تداخل الشهواني والحسي بالروحي والصوفي يحيلنا إلى النصوص التأسيسية المشابهة في «نشيد الإنشاد»: «الجبل أخف حمْلاً من الشوق\ والأرض أقصر من الغيرة\ أي شفق يشتهي الغوص كما أشتهيكِ\ أي مرآة تشتهي أن تركض إليكِ كما أشتهيكِ\ الساحرة وتظن نفسها مسحورة\ من طغيان حبها علي».
ليس بالأمر المستغرب بهذا المعنى أن تعود القصيدة الخليلية إلى الواجهة بعد فترة من الضمور والتراجع استمرت لعقود عدة. ولم يكن التراجع ناجماً عن غياب نجومها الكبار فحسب، بل بسبب ما يمكن تسميته برهاب الحداثة، وبتغييب قصيدة الشطرين شبه التام عن الصفحات الثقافية العربية، وبتعامل النقد الحديث معها كما لو أنها مجرد جثة محنطة في متحف الماضي. على أن تلك العودة لم تكن وليدة الصدفة المجردة بل بفعل معطيات وعوامل عدة، من بينها تداعي الصحافة الورقية وتراجع القبضة الصارمة للنقد الحداثي، إضافة إلى الأثر الدراماتيكي غير المسبوق لمواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى برج بابل جديد من العروض اللغوية المفتوحة بالتساوي أمام ملايين الباحثين عن وسيلة لتحقيق الذات، وإلى برامج المسابقات الشعرية المتلفزة والمدعمة بحوافز مالية مغرية، مثل «أمير الشعراء» و«شاعر المليون» وغيرها. ورغم أن تلك الظواهر الجديدة قد وضعت المشهد الشعري العربي أمام الكثير من التسيب والفوضى واختلاط المستويات وضياع المعايير، إلا أنها وفرت لنا سبل اكتشاف مجموعة غير قليلة من الشعراء الشبان الذين أعادوا للقصيدة العمودية بعض ألقها المفقود، ورفدوها بمناخات وصور ورؤى مغايرة تقع في قلب المنجز الشعري الحداثي، وتسهم في إخراجه من الأسلبة والتماثل والتكرار النمطي. وعلينا أن نتذكر في هذا السياق أن رواد الحداثة الطليعيين لم يتنكروا لأي من الأساليب والأشكال المعروفة، بل إن البعض منهم، كنزار قباني وأدونيس، لم يتردد في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي، دون أن يرى في ذلك ما يدعو إلى الحرج أو الارتباك أو الاعتذار.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.