هزيمة حزب «المؤتمر» الهندي تجبر رئيسه راهول غاندي على الرحيل

تثير علامات استفهام حول مستقبله السياسي وقبضة عائلة نهرو - غاندي عليه

غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
TT

هزيمة حزب «المؤتمر» الهندي تجبر رئيسه راهول غاندي على الرحيل

غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)

بعد 42 يوماً على هزيمة «حزب المؤتمر»، أعرق الأحزاب السياسية الهندية منذ انطلاق حركة استقلال الهند، في الانتخابات الوطنية الهندية، للمرة الثانية على التوالي (الأولى عام 2014، والأخيرة في مايو | أيار الماضي)، أعلن رئيسه راهول غاندي استقالته متحملاً كامل المسؤولية عن الفشل الانتخابي.
راهول، البالغ 49 عاماً، هو حفيد أول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو، ويمثل الجيل الخامس من عائلة نهرو - غاندي الأيقونية، وكان يسعى لأن يصبح العضو الرابع في العائلة الذي يتولى منصب رئيس الوزراء، بعد أن يتفوق على رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وحزبه بهاراتيا جاناتا. وحتى اللحظة الأخيرة قبل إعلان النتيجة، كان لدى حزب المؤتمر إيمان حقيقي بأن بهاراتيا جاناتا يخسر الانتخابات، وأن ائتلافاً معارضاً، بزعامة «المؤتمر»، سيشكل الحكومة. ولذلك جاء فوز بهاراتيا جاناتا الكاسح ليلجم ألسنة المعارضة والمعلقين السياسيين الذين توقعوا تراجع نسبة المؤيدين لمودي.
اللافت أن جد راهول الأكبر وجدته الكبرى ووالده تقلدوا جميعاً منصب رئيس الوزراء. كما كانت والدته سونيا، الإيطالية المولد، تتمتع بكامل صلاحيات هذا المنصب خلال السنوات العشر التي تولى خلالها مان موهان سنغ منصب رئيس الوزراء.
ومنذ استقلال الهند عام 1948، هيمن «حزب المؤتمر» على المشهد السياسي الهندي، لكنه شهد انهياراً كارثياً في معدلات التأييد له خلال العقد الماضي. واتضح ذلك في فوز الحزب بـ52 مقعداً فقط من إجمالي 543 مقعداً بالمجلس الأدنى من البرلمان. في المقابل، فاز حزب بهاراتيا جاناتا، بزعامة مودي، بـ303 مقاعد، ليعزز بذلك الأغلبية الخاصة به، مع فوزه بـ5 سنوات أخرى في سدة الحكم. وفي عام 2014، فاز «حزب المؤتمر» بـ44 مقعداً فقط. وقد خسر راهول غاندي مقعده في أميتي، الذي ظل لفترة طويلة بمثابة حصن منيع للحزب، وهو ما اعتبر بمثابة نهاية حقبة الهيمنة السياسية لأقوى أسرة سياسية في تاريخ الهند الحديث. ومع هذا، فاز راهول بمقعد في دائرة انتخابية أخرى.

- ماذا بعد استقالة غاندي؟
منذ إعرابه عن عزمه الاستقالة، تحول حزب المؤتمر إلى مسرح هزلي، على أمل أن يبدل راهول رأيه. واستعد كثيرون لتقديم استقالات جماعية، وتنظيم مظاهرات وإضرابات ضخمة «لإجبار» راهول على مراجعة قراره. ورفضت اللجنة التنفيذية في الحزب استقالته. ويأتي ذلك في وقت لم تجر فيه اللجنة المركزية انتخابات منذ عقود. وفي آخر مرتين جرت خلالهما انتخابات، كانت القيادة في يد شخص من خارج آل غاندي. وكتبت الصحافية البارزة باركها دوت تغريدة قالت فيها: «مسرحية رفض اللجنة المركزية بحزب المؤتمر استقالة راهول غاندي أسوأ عن عدم تقديمه استقالة على الإطلاق».
وذكرت مصادر مطلعة داخل الحزب أنه ليس هناك شخص لديه الاستعداد أو القدرة على اقتحام المنصب الذي تخلى عنه راهول غاندي رسمياً، وذلك لعدم اقتناعهم بأن الثلاثي القوي المسيطر على الحزب، الأم سونيا وابنها راهول وابنتها بريانكا، لديهم رغبة حقيقية في نقل القيادة إلى شخص من خارج أسرة غاندي. وقال أحد الشخصيات رافضاً كشف هويته: «هذه أزمة قيادة ذات طبيعة خاصة للغاية. وحتى إذا جرى انتخاب رئيس جديد، فمن غير المحتمل أن تطلق يده في إدارة شؤون الحزب. مثل هذا المستوى من الكفاءة والانضباط أمر لم يسبق وجوده داخل حزب المؤتمر».
جدير بالذكر أن حزب المؤتمر خضع لقيادة عائلة نهرو - غاندي طوال 37 عاماً منذ عام 1947، وكانت فترة القيادة الأطول من نصيب والدة راهول، سونيا غاندي، منذ عام 1998 حتى عام 2017. وأفادت المصادر بأن المفارقة تكمن في أن جميع الأسماء التي طرحت لقيادة الحزب للفترة المقبلة من الموالين لأسرة غاندي، ولا يعد أي منها من القيادات الحقيقية، مما دفع كثيرين للتشكيك في مدى جدية أسرة غاندي في ترك السلطة.
من ناحيتها، قالت أرتي جيرات، المعلقة السياسية، إنه لن يغير أي شيء من حقيقة أن أسرة غاندي ستظل «مركز السلطة داخل حزب المؤتمر»، وقالت إن حزب المؤتمر بحاجة لعقد انتخابات داخلية كي يظهر قادة جدداً، وأضافت: «حتى يومنا هذا، دار حزب المؤتمر في فلك أسرة غاندي التي عملت كمركز القوة الحقيقي الوحيد في الحزب».
وأعربت عن اعتقادها أن «السبيل الوحيد لتجديد الدماء داخل الحزب وكذلك أفكاره في رحيل أسرة غاندي. لا يمكن أن يستمر النظام الحالي القائم على تزعم الأسرة للحزب».
من ناحية أخرى، يكشف تاريخ حزب المؤتمر أن الرؤساء الذين جرى انتخابهم من خارج أسرة نهرو - غاندي أدوا إلى حدوث انشقاقات داخل الحزب. على سبيل المثال، خلال فترة قيادة كل من بي في ناراسيمها راو (1991 - 1996) وسيتارام كيسري (1996 - 1998) لحزب المؤتمر، استقالت كثير من شخصياته القيادية المشهورة نظراً لولائهم الشديد لأسرة غاندي. وعلق المحلل السياسي فيجو شيريان على الأمر بقوله: «لذلك، فإنه من الناحية الفنية، كان حزب المؤتمر أقرب إلى حزب عائلي على مدار نصف القرن الماضي».
من ناحية أخرى، من المؤكد أن راهول هو أكثر شخصيات الحزب التي تملك شعبية كبيرة، وقدرة على اجتذاب الجماهير. وقد انطبق الأمر ذاته على والدته سونيا خلال فترة قيادتها. وقد نظم حملات انتخابية بمختلف أرجاء البلاد لصالح الحزب، ونجح في تحسين مستوى التأييد له. وقال الصحافي بونيت نيكولاس ياداف: «في ديسمبر (كانون الأول) 2017، عندما تولى راهول منصب الرئيس، قالت سونيا أمام وسائل الإعلام: الآن، أصبح دوري أن أتقاعد. لكن الإخفاق الشديد الذي مني به الحزب، بقيادة راهول، عام 2019 أجبر الأم على إرجاء خططها. وبذلك، تولت الأم القيادة من جديد. وبالنسبة لسونيا، تبدو الأزمة التي يواجهها الحزب اليوم مألوفة، وإن كانت أكثر حدة بكثير عن ذي قبل. كانت سونيا قد تولت رئاسة الحزب للمرة الأولى عام 1997، في وقت كانت فيه شعبية الحزب في تراجع. وأثبتت سونيا أنها تملك القدرة على دفع الحزب نحو السلطة من جديد. أما هذه المرة، فإن شعبية الحزب ليست في تراجع فقط، وإنما على وشك التلاشي تماماً».

- تحديات الرئيس الجديد
يواجه خليفة غاندي، الذي دون شك سيكون موالياً لأسرة نهرو - غاندي، مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء الحزب، وبث روح جديدة فيه. وسيتعين على الرئيس الجديد العمل بالتناغم مع الرئيسين السابقين: سونيا غاندي وراهول غاندي، إلى جانب شقيقة راهول، بريانكا غاندي، الأمين العام للحزب، علاوة على قيادات الحزب الكبرى الذين يشكلون محور النفوذ الوحيد داخل الحزب، خارج أسرة نهرو - غاندي.
وتكمن المسألة الثانية فيما إذا كان الرئيس الجديد سيتميز بقوة أكبر عن آل غاندي؟ وفي هذا السياق، قال المعلق السياسي سي إل مانوج: «سينجح الرئيس الجديد لحزب المؤتمر فقط إذا لم يكن هناك مركز قوة موازٍ. وسيتعين على أعضاء الحزب إعادة تعريف دور أسرة غاندي داخل جهاز الحزب قبل تعيين رئيس من خارج الحزب، من أجل ضمان نجاح تجربة القيادة الجديدة للحزب.
وفي الوقت الحالي، يملك 3 من أفراد الأسرة ما يمكن وصفه بـ«حصة مسيطرة» داخل الحزب، ويشكلون «مركز قوة موازٍ» يمكن أن يحول الرئيس الجديد إلى مجرد دمية في يدي آل غاندي الذين يمكن أن يمارسوا السلطة الحقيقية دون أن يخضعوا للمحاسبة. ومن شأن هذا الوضع تحويل التجربة بأكملها إلى مهزلة».
باختصار، يشعر كثيرون أن تعيين رئيس جديد للحزب سيشكل اختباراً لقدرة الحزب على العمل دون قيادة من آل غاندي، وكذلك قدرة الأسرة على التسامح تجاه فكرة الابتعاد عن قيادة الحزب. وإذا كان راهول جاداً في الاستقالة، فإنه سيتعين على ثلاثي غاندي داخل الحزب تقديم رسالة ذات مصداقية بأنهم سيبقون أيديهم بعيداً عن الرئيس الجديد. وسيتعين على راهول غاندي اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان آل غاندي على استعداد حقيقي لفعل ذلك.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.