حفظ الأصول الأحيائية لإنقاذ العالم

من قبو البذور إلى قبو الميكروبات

حفظ الأصول الأحيائية لإنقاذ العالم
TT

حفظ الأصول الأحيائية لإنقاذ العالم

حفظ الأصول الأحيائية لإنقاذ العالم

في هذه اللحظة بالذات، تعيش مليارات الكائنات الحية المجهرية داخل أجسامنا وتؤثر في عمليات حيوية كثيرة، مثل التغذية والمناعة والنشاط الهرموني. وتشمل هذه الكائنات البكتيريا والفيروسات والفطريات، وهي تعرف باسم الأحياء الدقيقة، أو الميكروبات التي تنتشر ليس فقط في جسم الإنسان، بل في جميع الأوساط، كالتربة والهواء والماء. وإذا كان الاعتقاد السائد أن كل الميكروبات مضرّة، فالواقع أن بعضها ضروري للحياة.
ويسعى فريق من العلماء حالياً لإقامة بنك أحيائي، يضم عينات من الميكروبات البشرية والزراعية، يكون بمثابة ذخيرة احتياطية عالمية، كما هو الحال في «قبو سفالبارد» للبذور في النرويج.
على خطى قبو البذور العالمي
«قبو سفالبارد»، الذي يعرف أيضاً باسم «قبو يوم القيامة»، عبارة عن مخزن عالمي للبذور شُيّد في باطن جبل متجمد على أطراف القطب الشمالي، بهدف حماية الأصول الوراثية لمصادر الغذاء في حالات الكوارث، كانتشار وباء ما أو قيام حرب نووية.
ويجادل مجموعة من الباحثين من جامعة «روتجرز نيو برونزويك» في الولايات المتحدة بأن حفظ البذور لن يكون وحده كافياً لإنقاذ البشرية من المخاطر التي تهددها. فالميكروبات الضرورية لصحة الإنسان تفقد قدراً كبيراً من تنوعها، وهي تتأثر بكثير من العوامل، بما فيها النظام الغذائي والتاريخ الصحي والبيئة المحيطة. كما أن الكائنات المجهرية الأخرى تؤثر على صحة التربة والأوساط المائية، وهي تُعد ضرورية لتغذية سكان العالم الذين يتزايد عددهم باستمرار.
ويقترح الباحثون إنشاء قبو لتخزين الميكروبات من أجل استخدامها عند الحاجة، كما هو الحال في «قبو سفالبارد»، الذي لا تنحصر مهمته في حماية أصول المحاصيل في حالات الكوارث الكبرى فقط، بل يوفر أيضاً شبكة أمان ضد الخسارة العرضية التي تحصل في البنوك الوراثية التقليدية، بسبب سوء الإدارة والحوادث وفشل المعدات وخفض التمويل والكوارث الطبيعية، وكذلك نتيجة الحروب والنزاعات الأهلية التي لطالما تسببت في تدمير البنوك الوراثية حول العالم.
النزاع في سوريا مثلاً أثار مخاوف جدية حول وضع البنك الوراثي التابع للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، الذي يقع مقره بالقرب من مدينة حلب. ولم تكن خسارة محتويات هذا البنك لتمثل خسارة للمركز فحسب، وإنما للبشرية جمعاء، نظراً لتراجع التنوع الحيوي في جميع أنحاء العالم.
ويعتبر المدير العام السابق لـ«إيكاردا»، الدكتور محمود الصلح، أن من أهم الخطوات التي اتبعها المركز للحفاظ على هذه الثروة الإنسانية من مخاطر النزاع الذي اندلع في سوريا منذ عام 2011 «حفظ وتكرار جميع عينات المواد الوراثية القيمة التي يحتفظ بها بنك (إيكاردا)، وتخزين 80 في المائة من هذه المجموعة في (قبو سفالبارد) العالمي للبذور في النرويج، كما تم حفظ 13 في المائة منها في مخازن في لبنان والمغرب، أنشئت خصيصاً لهذا الغرض».
ومن خلال المقاربة ذاتها، يسعى الباحثون من جامعة «روتجرز نيو برونزويك» إلى تشكيل مجموعات عمل إقليمية تقوم بجمع عينات ميكروبية متنوعة، وإرسالها لتحفظ في مكان آمن مستقر محايد سياسياً، للاستفادة منها عند الحاجة. ويمكن اعتبار مشروع «قبو الميكروبات» المقترح بمثابة عمل متمم لمشاريع دولية كثيرة تعنى بالأحياء الدقيقة، مثل مشروع «إيرث ميكروبيوم»، الذي تأسس في سنة 2010 في كاليفورنيا في الولايات المتحدة، كجهد تعاوني واسع النطاق لوصف الحياة الميكروبية على كوكب الأرض من خلال تحليل مئات آلاف العينات، وإنتاج أطلس مورثات يساعد في فهم الاتجاهات الإيكولوجية.
كما أن قبو الميكروبات يعد توسعة لمشروع قائم حالياً، تديره مجموعة «غلوبال ميكروبيوم كونسيرفانسي»، التي تعمل على جمع ودراسة وحفظ عينات تمثل التنوع البيولوجي الميكروبي الذي يعيش ضمن الجهاز الهضمي للبشر، في حين يسعى المشروع الجديد لتخزين جميع أشكال التنوع الميكروبي الآتية من الأوساط كافة، وكذلك حفظ عينات كاملة من التربة والرسوبيات، تضم الأنواع البيولوجية بحالتها السليمة.
تراجع التنوع الميكروبي العالمي
وترتبط صحة الإنسان والبيئة بسلامة الأحياء الدقيقة التي تعيش فيها وتؤثر عليها. وقد أمكن ربط الاختلالات في الميكروبات الهضمية، وكذلك عدم تعرض الأطفال للميكروبات المهمة تاريخياً، بكثير من أمراض العالم الحضري والصناعي، مثل مرض التهاب الأمعاء والربو واضطرابات المناعة الذاتية واضطرابات طيف التوحد والسكري والسمنة. ولذلك فإن الدراسات القائمة على مجتمع الميكروبات قد تحدث ثورة في مقاربتنا للأمراض التي تصيب عشرات الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم، خصوصاً مع اتساع التمدن.
وتواجه المجتمعات الصناعية الحضرية تناقصاً في التنوع الميكروبي داخل أجسام أفرادها، مقارنة بالمجتمعات التقليدية. فعلى سبيل المثال، يصل انخفاض هذا التنوع في ميكروبات أمعاء الأميركيين إلى نسبة النصف، مقارنة بميكروبات أمعاء الصيادين في قرى الأمازون المعزولة. وتنسب الأدلة العلمية زيادة الأمراض والاضطرابات بين البشر منذ مطلع القرن العشرين إلى حصول اضطرابات ميكروبية، لا سيما في سنوات العمر الأولى، تحت تأثير التصنيع وانتشار استخدام المضادات الحيوية ومواد التعقيم.
وترى الدكتورة ماريا غلوريا دومينغيز بيلو من جامعة «روتجرز» أن العالم «يواجه أزمة صحية متنامية تتطلب منا الحفاظ على تنوع الكائنات الحية المجهرية البشرية، بينما لا تزال متاحة»، وتضيف: «لقد تطورت هذه الميكروبات مع البشر على مدى مئات الآلاف من السنين، وهي تساعدنا على هضم الطعام، وتقوية جهاز المناعة لدينا، وحمايتنا من الجراثيم الغازية. وعلى مدى بضعة أجيال، شهدنا خسارة مذهلة في التنوع الميكروبي الذي ترافق مع ارتفاع عالمي في الاضطرابات المناعية وغيرها».
وبشكل مشابه، تؤثر الكائنات الدقيقة بالبيئة المحيطة بنا وتتأثر بها. وعلى سبيل المثال، تطورت خلال ملايين السنين أنواع من البكتيريا تستطيع مص النيتروجين (الآزوت) الموجود في الغلاف الجوي، وتحويله إلى مواد مغذية يمكن للنباتات أخذها عبر الجذور. وشكلت هذه البكتيريا المثبتة للنيتروجين علاقة تكافلية مع بعض أنواع البقوليات، مثل الفول والبازلاء والفاصولياء والبرسيم.
وبعد اختراع الأسمدة الكيميائية في مطلع القرن العشرين، أخذت العلاقة بين الزراعة والميكروبات تشهد تراجعاً كبيراً. وإلى جانب الآثار السامة للأسمدة الكيميائية على الأوساط الحية، اعتادت البكتيريا الحرة على التربة الغنية بالنيتروجين، فتوقفت عن تثبيت النيتروجين الجوي لأن هذه العملية تستلزم طاقة كبيرة. بمعنى آخر، جرى تعطيل البكتيريا المثبتة للنيتروجين، وتدمير الموئل الحيوي لأنواع الأحياء الدقيقة الأخرى التي لا تملك ترف الانتقال إلى مواطن أخرى، كما تفعل الحيوانات الكبيرة.
ولذلك يعتبر الدكتور جاك جيلبرت، من جامعة «روتجرز»، أن الحفاظ على التنوع العالمي للكائنات الحية الدقيقة يتطلب «الحد من الأضرار البيئية التي تلحق بالأوساط التي تعيش فيها، من خلال إدارة أفضل لنظمنا البيئية. وهذا يعني تحسين ممارساتنا الطبية، كترشيد استخدام المضادات الحيوية لمنع تدمير الميكروبات البشرية، وكذلك تصويب استغلالنا للتربة الزراعية، من خلال تقليل عمليات الحراثة، واستخدام الأسمدة الاصطناعية والمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب».
وينادي الباحثون في الجامعة ذاتها بتضافر الجهود العالمية للحفاظ على الوضع الميكروبي الحالي في قطاعي الزراعة والطب، ودراسة أساليب تسريع تعافي النظم التالفة، كأن يتم تصميم تجمعات البكتيريا التي يغذي بعضها بعضاً لتخلق نظاماً مستداماً عند دمجها في جسم الإنسان. كما أن اختيار مجموعات محددة من الكائنات الحية الدقيقة بكميات مناسبة، أو ما تُعرف بالبروبيوتك، يمكن أن يساهم في تحسين مرونة ومقاومة وإنتاجية المحاصيل والثروة الحيوانية.
ولا تزال فكرة قبو الميكروبات قيد التطوير، إذ تتطلب فرق استكشاف من جميع أنحاء العالم، إلى جانب بناء القدرات الإقليمية، وتعزيز آلية البحث التعاوني المنهجي. وهي قبل كل ذلك تستوجب توافقاً لتنفيذها من قبل العلماء والمانحين والمنظمات غير الحكومية والسياسيين والمؤسسات المتعددة الجنسيات.
إن استعادة عينة ميكروبية مخزنة تحت الأرض بالقرب من القطب الشمالي لا يستدعي فقط فهم آلية عمل البيئة المجهرية، وإنما ضمان حد أدنى من المعارف عن الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية للوسط الذي أخذت منه تلك العينة. وفي يوم من الأيام، ومع توفر المعارف والموارد الكافية، ستلعب الميكروبات المخزنة دوراً حاسماً في إعادة بناء وإنقاذ النظم الإيكولوجية المتضررة في أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

العالم هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)

الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

نحو 200 دولة ليل الجمعة السبت على نصين رئيسيين لحماية الطبيعة خلال «مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (كوب17)».

«الشرق الأوسط» (يريفان)
الاقتصاد ترمب يشير إلى ناقلة نفط ذكر أنها تحمل 500 ألف برميل من النفط الفنزويلي خلال تجمع انتخابي بميناء كوربوس كريستي بولاية تكساس 27 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يخفف القيود على انبعاثات الميثان لدعم منتجي النفط والغاز

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء واسع النطاق للقيود المفروضة على منتجي النفط والغاز للحد من انبعاثات غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة الملوثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

يجمع بيانات عن «حالات الإجهاد»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً نباتياًَ وحيوانياً.

هشام المياني (أربيل (كردستان العراق))
شمال افريقيا واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تراوح بين سنة واحدة نافذة، وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام.

«الشرق الأوسط» (تونس)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.