تضاؤل فرص ظريف مع ترنّح الاتفاق النووي

وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري يتحدث إلى نظيره  الإيراني محمد جواد ظريف على هامش مفاوضات الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري يتحدث إلى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش مفاوضات الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 (أ.ب)
TT

تضاؤل فرص ظريف مع ترنّح الاتفاق النووي

وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري يتحدث إلى نظيره  الإيراني محمد جواد ظريف على هامش مفاوضات الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري يتحدث إلى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش مفاوضات الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 (أ.ب)

تعرض وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وهو السياسي الإيراني الأكثر صلة بالاتفاق النووي عام 2015، لهجمات انتقادية شديدة في كل من طهران وواشنطن مع قرب الاتفاق من حافة الانهيار. وتعرض صقور إيران لمسؤول الجهاز الدبلوماسي الإيراني بالسخرية، ولفترة طويلة، بتصديق الوعود الكاذبة الصادرة عن واشنطن، واصمين الرجل بالأميركي «المدعي» وتشبيها له بشخصية كاريكاتورية هزلية تصور رجلا إيرانيا يحاول جاهدا «أمركة» حياته بتغيير لهجته وخزانة ملابسه وأسلوب حياته غير أنه لا يُفلح. في حين يصفه المسؤولون في الإدارة الأميركية بأنه مخادع يحاول الظهور بمظهر السياسي المعتدل في حين يواصل الحفاظ على ولائه الشديد للمرشد علي خامنئي.
وهناك دعوات داخل أروقة الإدارة الأميركية الحالية بشأن فرض عقوبات اقتصادية على السيد ظريف، على الرغم من كون وجوده على الساحة السياسية من ضرورات إبرام أي تسوية تفاوضية بشأن المواجهات الراهنة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني.
وكان ظريف، الذي عاش داخل وخارج الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة المنقضية، هو المسؤول الإيراني الأكثر ارتباطا بمفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015، ذلك الاتفاق الذي قلص من صلاحيات البرنامج النووي الإيراني لقاء التخفيف من حزمة العقوبات الاقتصادية الشاملة والمنهكة. وبالنسبة للموالين التيار الإصلاحي، كان ظريف بطلا من أبطال المرحلة. لكن صفته لدى معسكر الصقور لم تتجاوز مستوى «الساذج» الذي أغرته الحضارة الغربية الوهمية وأوقعت به في براثن اتفاق خبيث لم يكن الجانب الأميركي ليحترم التزاماته حياله أبدا.
الآن، ومع الاتفاق النووي الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ومع إعادة إدارة ترمب لفرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران، وتلك الأخيرة التي تهدد باستئناف تفعيل مكونات برنامجها النووي المجمد مؤقتا، صار ظريف أكثر تعرضا للانتقادات اللاذعة والمتجددة ليس فقط من قبل صقور طهران وإنما من واشنطن كذلك. ويقول المسؤولون بالبيت الأبيض إن الرئيس ترمب طالب بفرض عقوبات على وزير الخارجية الإيراني بصفته الرسمية على وجه التحديد، الأمر الذي أثار المزيد من الجدل ضمن الدوائر الرسمية لدى كلا البلدين بشأن نيات الإدارة الأميركية في هذا الصدد.
ويواجه ظريف في واشنطن تهما بالتزلف المفرط حيال الولايات المتحدة وهو ما يثير الشكوك الكثيرة حياله. وقال السيد بومبيو إن «ظريف وسيده الرئيس روحاني هما رجال الواجهة البراقة لخطط ومؤامرات آيات الله الماكرة»، مشيرا إلى أن ظريف يستعين بلغته الإنجليزية السليمة ذات الاستعارات الراقية كواجهة يُخفي وراءها ولاءه غير المنقوص ولا المعيوب للسياسات الإيرانية المتشددة التي يقود دفتها المرشد خامنئي. غير أن النقاد ردوا على هذه الادعاءات بأن توجيه الاتهامات أو التهديدات ضد زعيم الدبلوماسية الإيرانية لا معنى من ورائه ولا طائل، على اعتبار أن إصرار الرئيس ترمب المتكرر يدور حول بلوغ هدفه النهائي المتمثل في التفاوض مع النظام الإيراني. ويقول النقاد أيضا إن الإطاحة بالوسيط الدبلوماسي الأول في أي محادثات من هذا النوع قد لا يترك للإدارة الأميركية من خيارات أخرى سوى المواجهة المفتوحة مع إيران.
وقال جيف بريسكوت، مدير الشؤون الإيرانية الأسبق لدى مجلس الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس أوباما، إن «هذه التوجهات تزيد من صعوبة الأمر وربما استحالته على الجانب الإيراني في اختيار نوع معين من الدبلوماسية».
وقال ظريف عبر البريد الإلكتروني إنه لم يستشعر شيئا من المخاطر الشخصية فيما يتعلق بالعقوبات الأميركية ضده، مضيفا: «كل من يعرفني يعلم تماما أنني لا أملك، ولا عائلتي، أي ممتلكات خارج إيران. وليس لدي أي حساب مصرفي شخصي خارج بلادي إيران التي تمثل بالنسبة لي كل حياتي والتزاماتي. ولذلك ليست لدي أي مشكلة شخصية مع العقوبات المحتملة». وأضاف أن واشنطن «لن تُلحق الضرر إلا بنفسها إن هي عملت على عزله دبلوماسيا كما تريد». وواصل: «إن الأثر الوحيد لتلك العقوبات المحتملة - وربما هدفها الوحيد - هو الحد من مقدرتي على التواصل خارجيا. وأشكك بأن يعود ذلك بالفائدة على أي طرف من الأطراف. ومن المؤكد أن يفضي ذلك إلى الحد من إمكانات اتخاذ القرارات السياسية السليمة في واشنطن». مشيرا إلى «المؤامرات الخادعة»، وأنه لم يستجد الثقة من الجانب الأميركي كما لم يثق بهم على الإطلاق، على الأقل أثناء مفاوضات الاتفاق النووي السابقة، والمعروفة رسميا باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة».
وتعرض موقف ظريف الرسمي في طهران لاهتزازات شديدة، لا سيما بسبب الفرص المتضائلة لنجاح واستمرار الاتفاق النووي. إذ عمدت الحكومة الأميركية، بعد انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني بالعام الماضي، إلى تشديد العقوبات المعنية بمعاقبة أي شخص على مستوى العالم يسعى لابتياع النفط الإيراني، الأمر الذي أدى إلى انخفاض حاد في الصادرات الإيرانية، ووضع اقتصاد البلاد المترنح في مأزق لا يُحسد عليه.
وصرح خامنئي - من دون الإشارة الصريحة إلى ظريف أو روحاني - بأن أولئك الذين أقنعوه سلفا بالتفاوض مع واشنطن قد ارتكبوا جرما خطيرا. ودعا صقور آخرون من النظام الإيراني إلى استقالة ظريف من منصبه، أو عزله بقرار رسمي، أو إحالته للمحاكمة على جريمة الدفع بإيران إلى خضم الاتفاق الذي أسفر عن إهدار سنوات من البحوث والاستثمارات النووية من دون فائدة ترتجى نهائيا.
وقال المستشار المحافظ الأسبق للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، عبد الرضا داوري، في مقابلة هاتفية من طهران: «المشكلة الحالية أن ظريف وحكومته وضعوا البيض بالكامل في سلة واحدة من السياسة الخارجية والاتفاق النووي. ولقد أسفر الأمر عن فشل ذريع واضح. وهم الآن مثل المريض في غرفة الإنعاش، يعيشون على أمل تغير الإدارة الأميركية الحالية حتى يحفظوا ماء وجوههم أمام الشعب الإيراني».
ودائما ما صرح المسؤولون الإيرانيون في غير مناسبة بأن مساعيهم للطاقة النووية هي مساع سلمية بحتة، وليست لأجل الحصول على الأسلحة النووية أبدا. تلك المزاعم التي كانت ولا تزال محل خلاف واسع النطاق في الغرب. ولكن مع الاتفاق النووي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكما يقول السيد داوري، يحاول كثير من المحافظين في طهران حث الحكومة على استئناف برامجها النووية وتخصيب اليورانيوم للبعث برسالة قوية ومؤثرة إلى الغرب. وأضاف قائلا إن «هناك أطرافا في الفصيل المتشدد الإيراني ما يزالون منفتحين على الغرب وعلى التفاوض مع دونالد ترمب ولكن بعيدا عن جواد ظريف».
وكان وزير الخارجية الإيراني قد تقدم باستقالته إلى الحكومة لفترة وجيزة في فبراير (شباط) الماضي إثر فشل الجانب المحافظ في الجيش الإيراني بإدراج اسمه على قائمة كبار المدعوين لحضور زيارة رسمية قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى إيران. (ولقد تدخل خامنئي حينذاك لإبقائه في منصبه).
أما الذي يوصف بـ«الفصيل المعتدل» في إيران، وأثناء الدفاع عن جواد ظريف، فإنهم يتدربون أيضا على المديح السياسي بطريقة أو بأخرى. إذ قال الإصلاحي مصطفي تاج زاده: «لم نحظ من قبل بوزير خارجية مثل محمد جواد ظريف في تاريخ إيران المعاصر. وما حققه في الاتفاق النووي من إنجازات - ونيل ثقة السيد خامنئي والجانب الأميركي - لم يكن أقل من معجزة دبلوماسية باهرة».
لكن، عند أعلى المستويات في النظام الإيراني، حيث المعرفة الضئيلة والضحلة بالولايات المتحدة التي تحوطها الشكوك العميقة والقديمة، يقف ظريف مدافعا عن تساهله إزاء الجانب الأميركي.
وصدرت عن البيت الأبيض نشرة إخبارية جاء فيها «كانت إيران تخالف شروط الاتفاق النووي حتى قبل إبرامه»، تلك التي رد عليها جواد ظريف عبر «تويتر» ساخرا بقوله: «أحقا؟».
ويقول المؤيدون لفرض العقوبات على ظريف في الولايات المتحدة إن مقدرته على خداع بعض المواطنين بحديثه العذب الرصين هو مكمن خطورته. فذلك يساعده على إخفاء عدائه للولايات المتحدة والطبيعة التوسعية للنظام الإيراني الذي يخدم حكومته الحالية.
يقول ريول مارك غيرشت، الزميل البارز لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: «أود أن أصفه بزعيم (مبرئي الساحات) حول العالم. لقد نجا ظريف بأعجوبة من الاغتيال السياسي نظرا لأنه جرى وصمه بانتمائه لمعسكر لا صلة له به إطلاقا - المعتدلين - في حين أنه من أوثق الموالين للمرشد ومن أشد المخلصين للثورة». وأضاف أن العقوبات المحتملة على السيد ظريف سوف تبعث برسالة إلى الرأي العام الأميركي تتعلق به وبراعيه الرئيس حسن روحاني: «من المهم بالنسبة للخطاب السياسي الراهن بث فكرة مفادها أن ظريف وروحاني يمثلان جزءا من الطيف السياسي المعتدل الذي يسعى لإعادة الأمور في إيران إلى نصابها الطبيعي».
ولكن ظريف قال، في رسالة لـ«نيويورك تايمز»، إن قضية اللحظة الراهنة لا تتعلق بشخصه أو بالحكومة الإيرانية وإنما بالاتفاق النووي الذي وصفه بأنه لم يكن معنيا به تسوية جميع القضايا الخلافية مع الغرب. وأضاف: «جرت المفاوضات بأعين مفتوحة وأذهان واعية بشأن ما كان ممكنا تحقيقه وما لم يكن كذلك. ويظل هذا الاتفاق أفضل صفقة تم التوصل إليها بشأن القضية النووية الإيرانية على الإطلاق». أما بالنسبة لصقور الحكومة الإيرانية الذين سخروا من ظريف باعتباره «المدعي الأميركي» كما وصفوه، فقال السيد ظريف إنه لم تسمح له الظروف بمشاهدة هذا الفيلم الكرتوني الساخر، وأضاف أخيرا: «ولكنني لا أمانع إن كانت شخصية الفيلم تثير ضحك بعض الناس عني، فهذه طريقة لطيفة كي أكون مفيدا في أعين البعض على أي حال!».
- خدمة «نيويورك تايمز»



الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.


إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران. وكان الوفد الإيراني المشارك في الاجتماع السنوي لقادة العالم بالأمم المتحدة، الشهر الماضي، قد اقترح اتفاقاً معجلاً يشبه مذكرة التفاهم التي انهارت بعد أيام من توقيع الولايات المتحدة وإيران عليها في يونيو (حزيران). ورُفض الاقتراح الجديد، لكن الجانبين واصلا التواصل عبر وساطة. كما هدد رضائي باستهداف «الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى في المنطقة» إذا اندلع قتال عنيف مجدداً.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.