أورسولا فون در لايين... أول امرأة مرشحة لقيادة أوروبا الجديدة

وزيرة الدفاع الألمانية أمام تشكيلة غير مسبوقة من التحديات

أورسولا فون در لايين... أول امرأة مرشحة لقيادة أوروبا الجديدة
TT

أورسولا فون در لايين... أول امرأة مرشحة لقيادة أوروبا الجديدة

أورسولا فون در لايين... أول امرأة مرشحة لقيادة أوروبا الجديدة

في بروكسل كان القادة الأوروبيون قد أمضوا أكثر من 14 ساعة يتفاوضون فيها على مَن سيخلف جان كلود يونكر في رئاسة المفوضية. وفي ألمانيا، في مكان معزول وبعيد عن العاصمة برلين، كانت وزيرة الدفاع أورسولا فون در لايين تشارك في «خلوة» مع مسؤولين عسكريين كبار لمناقشة الإصلاحات التي ستطال الجيش الألماني.
عندما انتهت تلك «الخلوة» التي كانت قد استغرقت يومين، خرجت فون در لايين من الاجتماع بعد الظهر، وإلى جانبها مسؤول عسكري كبير في وزارة الدفاع.
نظر هو إلى هاتفه لتفقد الأخبار، ليفاجأ بأن اسم الوزيرة الواقفة إلى جانبه مطروح لرئاسة المفوضية.
الحقيقة، لم يشكل طرح اسم فون در لايين مفاجأة فقط للعاملين معها في وزارة الدفاع، بل أيضا لنواب البرلمان الأوروبي وزملائها الاشتراكيين في الحكومة الألمانية، وحتى لرئيستها المستشارة أنجيلا ميركل. ويُقال إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان أول من أتى على ذكر اسمها، بعدما رفض تماماً تأييد ترشيح ألماني آخر هو مانفريد فيبر، الذي دعمته ميركل، وهو رئيس أكبر كتلة (محافظة) في البرلمان الأوروبي. أما حجة ماكرون، فكانت أن فيبر لا يمتلك خبرة سياسية تمكنه من تسلم المنصب. ولكن البعض كان يرى أن في رفضه أكثر من ذلك، يتعلق بمنع الألمان من قيادة الاتحاد الأوروبي لأسباب تاريخية. وهذا، مع أنه بعد فشل ماكرون بالحصول على تأييد لمرشحته المفضلة من الكتلة الليبرالية مارغريت فيستاغر، ثم مرشح الاشتراكيين فرانتس تيمرمانس، طرح اسم فون در لايين ليثبت أنه لا يعارض تسلم ألماني للمنصب. وهي بالنسبة إليه «حل مقبول» لكونها «أوروبية بامتياز» كما وصفها، و«فرانكفونية» تتكلّم الفرنسية بطلاقة ولديها خبرة سياسية طويلة.

حتى قبل أشهر قليلة، كان اسم أورسولا فون در لايين يطرح في أروقة حلف شمال الأطلسي «ناتو» على أنها الخليفة الأوفر حظاً في خلافة أمين عام الحلف يانس شتولتنبيرغ، الذي كانت فترة قيادته ستنتهي في سبتمبر (أيلول) من العام المقبل. إلا أن اتفاق دول الحلف في مارس (آذار) الماضي على تمديد مهمته سنتين إضافيتين «أجّل» وصول أول امرأة لرئاسة «ناتو».
وقبل أشهر من ذلك، كان اسم فون در لايين يطرح في أروقة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي لوراثة منصب المستشارة أنجيلا ميركل. ولكن عندما استقالت ميركل من زعامة الحزب في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، لم تدخل فون در لايين السباق لخلافتها. بل، قررت عوضا عن ذلك البقاء إلى جانب ميركل في الحكومة على رأس وزارة الدفاع التي تسلمتها عام 2013. والواقع أن فون در لايين لم تغادر جانب ميركل منذ السنوات الأولى لدخولها عالم السياسة عام 2001. إذ انضمت لحكومة ميركل الأولى عام 2005. وتنقلت في مناصب وزارية مختلفة منذ ذلك الحين. وتحوّلت إلى الوجه الوحيد الثابت في حكومات ميركل المتعاقبة منذ 2005.

- بداية سياسية متأخرة
على الرغم أن هذه السيدة دخلت عالم السياسة متأخرة، في سن الـ42، فإنها نجحت ببناء رصيد سياسي مهم وكسبت إعجاباً واحتراماً دوليين من خلال عملها في «ناتو». حتى إن وزير الدفاع البريطاني السابق مايكل فالون وصفها في مقال نشره في صحيفة «التليغراف» البريطانية بأنها «شقراء، محافظة وتسحر الجميع». وأضاف أنه «عمل إلى جانبها طوال ثلاث سنوات ونصف وكانا يلتقيان خلال اجتماعات الحلف ووزراء الدفاع الأوروبيين وفي الندوات الدولية حول الأمن الدفاعي... وكانت دائما حاضرة كنجمة قوية واضحة وشغوفة». وأضاف أنها «دائماً الشخص الأول الذي تريد التحادث معه لدى دخولك القاعة». ومع أن التكهنات كانت قوية عن انتقال فون در لايين إلى منصب دولي بعد عملها في الحكومة الألمانية، فإن اسمها لم يطرح لرئاسة المفوضية الأوروبية إلا قبل أيام قليلة.
ثمة مَن يقول إن الوزيرة الشقراء استفادت من الخلافات بين ميركل وماكرون حول اسم يخلف يونكر في رئاسة المفوضية ويلاقي قبولاً من دول الاتحاد كاملة. إلا أن فون در لايين، بعد اختيارها تجد نفسها الآن أمام تحد جديد هو إقناع البرلمان الأوروبي بالتصويت لها، بعد إعلان الكتلة الاشتراكية رفضها تسميتها وانتقاد كتلة «الخضر» للتسمية كذلك. ذلك أنه بالنسبة للكتلتين، تخطى القادة الأوروبيون «العُرف» باختيار رئيس المفوضية من النواب المنتخبين. ثم إنه جرت العادة على تسليم المنصب لرئيس أكبر كتلة نيابية، وهي كتلة المحافظين التي يرأسها فيبر.
من جهة ثانية، بالنسبة لبعض الاشتراكيين الألمان، فإن فون در لايين «غير جديرة» بالمنصب. وذهب مارتن شولتز، رئيس البرلمان الأوروبي السابق ورئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الألماني، أبعد من ذلك، فوصفها بأنها من «أضعف الوزراء» في الحكومة الألمانية. بل حتى إن صحيفة «سود دويتشه تسايتونغ» الألمانية دعت البرلمان الأوروبي في مقال لها، لرفض التصويت لفون در لايين لأن اختيارها للمنصب، وهي التي لم تترشح للبرلمان الأوروبي، سيقوض الثقة بالاتحاد الأوروبي ومؤسساته. ثم، وصفتها بأنها «ليست الشخص المناسب» للمنصب بسبب أدائها «السيئ» في وزارة الدفاع، مضيفة أنه كان سيئا لدرجة أنه «من الأفضل أن لو استقالت منذ مدة»!

- مشاكل وزارة الدفاع
وحقاً، فإن المشاكل والفضائح تلاحق أورسولا فون در لايين منذ تسلمها حقيبة وزارة الدفاع قبل 6 سنوات. حتى إنها واجهت مؤخراً دعوات للاستقالة على خلفية فضائح تورّط بها عناصر من الجيش تتراوح بين التحرّش الجنسي والانتماء إلى تنظيمات يمينية متطرفة. وقبل بضعة أشهر، كشف تقرير نشرته مجلة «در شبيغل» أن أعداد الجنود الذين طُردوا من الجيش بسبب انتماءاتهم اليمينية المتطرفة أكبر بكثير من الأرقام التي أعلنتها الحكومة.
وكانت الحكومة قالت إنه جرى طرد 10 جنود بين العامين 2017 و2018، إلا أن تقرير «در شبيغل» أشار إلى أرقام أكبر بكثير. وتحدث أيضا عن تحقيقات جارية بحق ما يقارب 500 عنصر لارتباطهم بجماعات يمينية متطرفة. وعلى خلفية ذلك، وجّه نواب من حزب «دي لينكه» اليساري وحزب «الخضر» انتقادات لاذعة للحكومة ووزارة الدفاع، أبرزها أن مشكلة التطرف داخل الجيش مشكلة «بنيوية» وليست مقتصرة فقط على «بضعة أفراد». ومع ذلك لم تقدم وزارة الدفاع خطة واضحة لمواجهة هذه الاتهامات الخطيرة للجيش الألماني. وفون در لايين نفسها تحدثت عن «مشكلة سلوكيات» لدى البعض في الجيش.
أيضاً، تواجه فون در لايين اتهامات بمخالفة إرشادات منح العقود لشركات خارجية بقيمة مئات الملايين، ومنح عقود لشركات بسبب المحسوبيات من دون طرح دعوة للمناقصات من أجل الحصول على أسعار تنافسية. ومن بين تلك الشركات شركة يعمل أحد أبنائها فيها. ولقد فتحت لجنة برلمانية تحقيقاً في الموضوع قبل بضعة أشهر، وما زال التحقيق مستمراً.
وإلى جانب كل ذلك، تتهم الوزيرة بالفشل في تطوير وزارة الدفاع والمؤسسات التابعة لها، خاصة الجيش الألماني الهرم، رغم الزيادة الكبيرة في الميزانية منذ تسلمها المنصب. وقد أثارت إعادة تأهيل سفينة حربية، مثلاً، ضجة كبيرة بعدما وصلت كلفة تأهيلها إلى 130 مليون يورو بعدما كان التقدير الأولي 10 ملايين يورو فقط.

- مزايا لافتة
على الرغم من كل ما سبق، تتمتع أورسولا فون در لايين بمزايا لافتة جعلت منها المرشحة المفضلة لرئاسة المفوضية الأوروبية. فهي ابنة مدينة بروكسل، لكونها ولدت في العاصمة البلجيكية والأوروبية لأب دبلوماسي، كان من أوائل السياسيين العاملين في المفوضية الأوروبية بعد تأسيسها عام 1958. وبقيت في بروكسل حتى سن الـ12 ما يعني أنها تعلمت الفرنسية حتى باتت تتقنها كلغتها الأم. وإضافة إلى ذلك، فهي تتكلّم أيضاً اللغة الإنجليزية بطلاقة.
أكثر من ذلك، تعتبر فون در لايين من أشد المؤيدين للاتحاد الأوروبي ومشروعه. وهي تتحدث حتى عن «ولايات متحدة أوروبية» أشبه بالولايات المتحدة الأميركية، وتقول إنها تطمح إلى أن يتحوّل الاتحاد الأوروبي إلى ولايات متحدة أشبه بسويسرا و«كانتوناتها» أو ألمانيا و«ولاياتها». ثم إنها تروّج كذلك إلى جانب الفرنسيين، منذ سنتين تقريباً، لفكرة إنشاء «جيش أوروبي موحّد». مع أن هذه فكرة لا تلاقي كثيرا من الترحيب، خاصة من «الناتو» الذي يتخوف من منافسة محتملة وازدواجية في العمل.
ورداً على انتقادات المنتقدين، يدافع كثيرون عن سجلّها في وزارة الدفاع، قائلين إنها ورثت جيشا هرما يصعب تحديثه. وحقاً، لا يعدّ الجيش الألماني أكثر من 180 ألف عنصر، كما أن آلياته العسكرية قديمة ومعظمها غير جاهز للاستخدام بسبب نقص الصيانة أو التقادم. وحسب تقرير صدر في فبراير (شباط) 2018، فإن نصف عدد الدبابات التي يملكها الجيش، فقط، في وضع يسمح بالتشغيل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى 12 هليكوبتر «تايغر» من أصل 50. كما أن الغواصات الـ6 التي تملكها ألمانيا خرجت عن الخدمة. وكتبت مجلة «الإيكونومست» البريطانية أن فون در لايين تُحمّل مسؤولية بطء تأهيل الجيش الألماني «بشكل مجحف»، وأضافت أن «وزيرة الدفاع تقاتل ضد كل أشكال التعطيل في سعيها لتحديث الجيش، وأحد هذه الأشكال معارضة الألمان لزيادة الإنفاق العسكري».
وللعلم، خلال السنوات الأخيرة، تزايدت التحديات أمام الجيش بسبب التزامات برلين في أوكرانيا والعراق وأفغانستان، كذلك تزايدت الانتقادات الأميركية العلنية تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب لألمانيا بسبب تلكئها بصرف 2 في المائة من ميزانيتها على الدفاع، كما تنص توصيات «ناتو» للدول الأعضاء. كل هذا دفع الحكومة الاتحادية الألمانية إلى زيادة ميزانية وزارة الدفاع، وفون در لايين إلى محاولة تحديث الجيش كي يتمكن من أداء المهام الجديدة الموكلة إليه.
ولكن رغم شراء معدات عسكرية جديدة، فإن نقص الجنود مشكلة أخرى تقف في وجه القدرة على استكمال التحديث. وبحسب «الإيكونوميست» فإن «المعدات الجديدة التي اشتريت» لا تجد مَن يمكنه استخدامها داخل الجيش. وتضيف المجلة أنه رغم التسهيلات التي تحاول وزارة الدفاع، مؤخراً، تقديمها للألمان لحثهم على الانضمام للجيش، فإن الوظائف العسكرية تبقى غير مستساغة في المجتمع الألماني لأسباب تاريخية. وهنا يشار إلى أن الحكومة تسعى لتوظيف 20 ألف جندي إضافي ليصل عدد الجيش الألماني إلى 200 ألف عنصر.

- سيرة شخصية
على الجانب الشخصي، ومع أن أورسولا فون در لايين انتهت وزيرة للدفاع - حتى الآن - فإنها ما كانت في الأصل تمتلك خبرة تذكر في مجال الدفاع أو الأمن، بل كان تخصصها الطب.
لقد ولدت أورسولا ألبريخت (وهذا هو اسمها الأصلي قبل الزواج) في أكتوبر 1958 في ضاحية إيكسل الراقية بالعاصمة البلجيكية بروكسل. وبعد عودتها لتستقر في ألمانيا درست الاقتصاد في جامعة غوتينغن ثم جامعة مونستر العريقتين بين 1977 و1980. إلا أنها تحوّلت إلى دراسة الطب في معهد هانوفر الطبي حيث تخرّجت طبيبة عام 1987، ومن ثم مارست مهنة الطب في المركز الطبي التابع للمعهد.
عام 1992، توقفت فون در لايين عن العمل في المركز بعدما أنجيت توأمين، ثم انتقلت مع زوجها هايكو فون در لايين البروفسور في الطب إلى الولايات المتحدة حيث عمل هو في جامعة ستانفورد (الشهيرة بولاية كاليفورنيا) وبقيت هي ربّة منزل طوال 4 سنوات. واليوم فون در لايين، المسيحية المحافظة التي تنتمي للكنيسة اللوثرية الإنجيلية، أم لـ7 أولاد.
ومجدداً، بعد العودة من أميركا، عام 1998، رجعت فون در لايين للعمل في هانوفر عام 1998، وأكملت العمل في الوقت نفسه على أطروحة دراسات عليا في الطب العام قدمتها عام 2001. إلا أنها واجهت اتهامات بأن أطروحتها تضمنت نقلاً من كتاب آخرين، ما اضطر الجامعة لفتح تحقيق بالموضوع. لكن اللجنة التي أجرت التدقيق في أطروحتها لم تجد نقلا مهماً، ما يعني أنها برأتها في النهاية.

- طريق السياسة
من ناحية أخرى، مع أن فون در لايين كانت عضوا في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي منذ أيام دراستها الطب عام 1990، فإنها لم تبد اهتماما بالسياسة إلا عام 1999. وخلال سنتين، أي عام 2001، خاضت غمار السياسة فعلياً على المستوى المحلي في مدينتها هانوفر، عاصمة ولاية ساكسونيا السفلى. وعام 2003 انتخبت نائباً في برلمان ساكسونيا السفلى، وعينت بمنصب وزاري في حكومة الولاية بين عامي 2003 و2005. وفي 2005 انتقلت مع أنجيلا ميركل إلى العاصمة الاتحادية برلين، لتغدو وزيرة لشؤون العائلة والشباب.
وعام 2009، وهو العام الذي شهد انتخابها نائباً في البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) انتقلت لشغل منصب وزيرة للعمل والشؤون الاجتماعية بين 2009 و2013، ثم أسند إليها منذ عام 2013 وحتى اليوم منصب وزيرة الدفاع. مع الإشارة إلى أنها اختيرت نائبة لزعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2010.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.