الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

حرب ليبيا وأزمة الجزائر تعقّدان أوضاع تونس

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي
TT

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

تنفّس التونسيون الصعداء وهم يتابعون صورة جديدة للرئيس الباجي قائد السبسي حياً يرزق، مبتسماً، وحوله فريق الأطباء في المستشفى العسكري. إذ تأكدوا من زيف الإشاعات التي روّجت يوم الخميس 27 يونيو (حزيران) الماضي عن وفاته، وعن دخول البلاد في مرحلة «فراغ سياسي» قبل 3 أشهر فقط من الانتخابات المقرر تنظيمها الخريف المقبل. بل وتنفسوا الصعداء أيضاً وهم يشاهدون رئيس البرلمان محمد الناصر سليماً يرأس جلسة عامة بعد إشاعات عن تدهور خطير في صحته وتسميمه؛ ما يعني «فراغاً دستورياً» باعتباره الشخصية المكلفة في الدستور بخلافة رئيس الدولة لمدة 3 أشهر في حال شغور منصبه مؤقتاً أو نهائياً.
إلا أن الإشاعات الخطيرة عن مرض رئيسي الدولة والبرلمان فجّرت في الوقت نفسه أزمة سياسية حادة داخل البرلمان وبين كبار السياسيين، وسط تبادل الاتهامات بـ«التورط في محاولة انقلابية بيضاء»، وذلك في اليوم نفسه الذي شنت فيه مجموعات إرهابية هجمات متزامنة وسط تونس العاصمة وعلى الحدود مع الجزائر، وارتفعت فيه المخاطر الأمنية بسبب الحرب غربي ليبيا. فكيف ستخرج تونس من مضاعفات ما أصبح يسمى «الخميس الأسود»؟ وهل تنجح النخب التونسية مجدداً في تجنب «سيناريو» القطيعة والصدام، وفي احتواء المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه تونس بعد تعقد الأوضاع في «جارتيها» الجزائر وليبيا؟... أم تدخل البلاد في أزمة شاملة جديدة بسبب انخراط عدد كبير من صناع القرار التونسيين في لعبة المحاور الإقليمية والميل إلى أحد طرفي الحرب في ليبيا؟
في تونس، وجّه مسؤولون من المعارضة وإعلاميون وساسة بارزون تهمة الإعداد لـ«انقلاب أبيض» إلى الحزبين الكبيرين في البرلمان وفي حكومة يوسف الشاهد «تحيا تونس» و«حركة النهضة». وأورد رئيس كتلة حزب «نداء تونس» سفيان طوبال والبرلماني حسن العماري في تصريحات رسمية أن النائبين عن حزب رئيس الحكومة (تحيا تونس) هاجر بالشيخ أحمد والصحبي بن فرج أعلما البرلمانيين بـ«تحركات» و«اجتماعات» جرت داخل البرلمان وخارجه، بعد نقل رئيس الدولة الباجي قائد السبسي إلى المستشفى العسكري - وما أشيع عن إعلان وشيك عن عجزه، - ورئيس البرلمان محمد الناصر، وعجزهما عن ممارسة مهامهما لأسباب صحية ولتقدمهما في السن (93 سنة بالنسبة للسبسي و85 سنة بالنسبة للناصر). واتهم بعض نواب المعارضة وساسة وخبراء قانون عبر وسائل الإعلام قياديين في «حركة النهضة» بالتورّط في «التحضير لانقلاب أبيض».
وفق هذه الرواية، فإن النائب الأول لرئيس البرلمان والنائب الأول لـ«النهضة» المحامي عبد الفتاح مورو أوشك أن يعين رئيساً جديداً للبرلمان ليتولى الرئاسة المؤقتة للدولة بعد اجتماع كان سيُعقد في قصر البرلمان لتأكيد الشغور في قصر قرطاج (الرئاسي) وفي رئاسة مجلس النواب.
غير أن مورو فنّد هذه الرواية في عدد من الحوارات والتصريحات، وقال إنه ليس معنياً بأي منصب سياسي أو حزبي في المرحلة المقبلة، كذلك فنّدها البرلماني مصطفى بن أحمد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «تحيا تونس» في البرلمان.
وفي الاتجاه نفسه، رد قياديون بارزون في «النهضة» بينهم راشد الغنوشي رئيس الحركة، ونور الدين البحيري رئيس كتلتها البرلمانية، بقوة على الحملة الإعلامية التي استهدفتهم من قبل بعض الإعلاميين والمثقفين مثل لطفي العماري، ومايا القصوري، وآمال بالحاج. بل صعّد الغنوشي خطابه وشن هجوماً مضاداً، فاتهم في حوار تلفزيوني مطوّل «أطرافاً» لم يسمّها بمحاولة إبعاد الرئيس قائد السبسي عن المشهد السياسي وتغييبه والإساءة إلى «حركة النهضة». ورجّحت تصريحات الغنوشي فرضية «المحاولة الانقلابية البيضاء» رغم توجيهه التهمة إلى ساسة من خارج «النهضة» لم يسمّهم.
- محاولة انقلابية ثانية؟
بعدها زاد الأمر تعقيداً امتناع محمد الناصر، رئيس البرلمان، عن نفي تهمة «محاولة الانقلاب» عن نائبه الأول عبد الفتاح مورو والمقربين منه، رداً على سؤال علني وجهه إليه البرلمانيون خلال الجلسة العامة، بينهم النائب عن حزب رئيس الحكومة الحقوقي القومي الصحبي بن فرج. وقد اتهم بن فرج وآخرون رئيس البرلمان بعد هذا الامتناع بـ«فضح بعض الحقائق»، وبينها ما له صلة بتغيب الناصر عن مكتبه وعن بعض جلسات البرلمان في المدة الماضية.
وانطلق قياديون من «حركة النهضة» ومن الساسة الموالين لرئيس الحكومة، وأيضاً شخصيات معتدلة، في توجيه اتهامات لرئيس البرلمان والتشكيك في مصداقيته ونزاهته. وفي المقابل، انخرط جامعيون وخبراء دستوريون كبار في المعركة حول «الانقلاب الأبيض الافتراضي» وفي «حرب الاستنزاف» بين الطرفين، بينهم رئيس منظمة «دستورنا» جوهر بن مبارك وخبير القانون الدولي سليم اللغماني والمقرّر العام للدستور البرلماني الحبيب خضر.
- مَن يخلف الرئيس؟
من ناحية ثانية، استغلّت بعض المواقع الاجتماعية القريبة من «حركة النهضة» وبعض الأطراف السياسية الراديكالية «الأزمة الصحية الحادة» التي أصيب بها الرئيس قائد السبسي لتوجيه رسائل مشفّرة إلى أطراف سياسية عدة واتهامها بمحاولة الانقلاب على الدستور، بما في ذلك الأطراف الموالية لرئيس الحكومة يوسف الشاهد. ولقد تدخّل الحبيب خضر، المقرّر العام للدستور والقيادي في «حركة النهضة»، وعدد من أنصاره، في وسائل الإعلام يوم «الخميس الأسود» وبعده للتعبير عن موقف معارض لنقل سلطات رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً، وفق الفصل 83 من الدستور. وأكّدوا على أنه يجب تطبيق «الفصل 84» الذي ينصّ على تكليف رئيس البرلمان بخلافة رئيس الدولة إذا ما أُعلِن شغورٌ مؤقت أو دائم. وتجدر الإشارة، إلى أن الفصل 83 من الدستور يسمح بأن يكون الخليفة المؤقت لرئيس الدولة رئيس الحكومة، لا رئيس البرلمان، إذا ما حصل على تكليف من رئيس الجمهورية. وفي هذه الأثناء، لزم يوسف الشاهد الصمت إزاء هذه الزوبعة، فلم ينخرط في الجدل، بل تابع أنشطته شمالي البلاد وجنوبها، وزار الرئيس المريض في المستشفى العسكري وأبدل صورته في صفحته الاجتماعية بصورة تجمعه بقائد السبسي الذي دخل معه في خلاف علني منذ أكثر من سنة.
- المعلن والمسكوت عنه
على صعيد آخر، تخفي الأزمة الجديدة بين كبار ساسة تونس، قبل 3 أشهر عن موعد الانتخابات العامة، جوانب أعمق من الخلافات في مناخ غير مسبوق من التوتر في ليبيا والجزائر، ومن انخراط ساسة تونسيين في لعبة المحاور العربية والإسلامية والدولية.
ويبدو الاصطفاف واضحاً وسط الأطراف السياسية التونسية بين قطب مناصر لهجوم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على طرابلس وحكومة عبد الله الثني شرقاً، وآخر معارض له ومناصر لـ«حكومة الوفاق» بقيادة فايز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري ورفاقه المحسوبين على تيار الإسلام السياسي. ولقد تطور الخلاف حول المواقف من حرب ليبيا ومحوري «الجيش» – «الوفاق» منذ مدة إلى موضع رئيسي في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها. فمناصرو «الجيش» وداعمو هجومه على طرابلس يتهمون خصومهم في الحكومة وحزبي «النهضة» و«تحيا تونس» و«نداء تونس» بـ«دعم الإرهاب» و«الميليشيات المسلحة» في ليبيا والمنطقة. وفي المقابل، يتهم الطرف المقابل معارضيه بدعم «سيناريو الانقلاب العسكري» و«التآمر على البلاد» من خلال تأييد «الجيش» على ما يعتبرونه «السلطات المدنية الشرعية» المعترف بها من قبل مجلس الأمن الدولي.
- حرب ليبيا ومستجدّات الجزائر
وبجانب إجماع الأوساط الحكومية والشعبية في تونس على المضاعفات السلبية للحرب الدائرة في ليبيا منذ 8 سنوات، ثمة من يشير أيضاً إلى التعقيدات السياسية والأمنية في الجزائر، وتأثيرها كذلك على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية في تونس. إذ كشفت تصريحات وزير الداخلية التونسية هشام الفراتي، وأيضاً الناطق الرسمي باسم المحاكم التونسية القاضي سفيان السليطي، عن أن الجماعات الإرهابية التي تحركت في تونس خلال الفترة الماضية تابعة لتنظيمات إرهابية لديها علاقات بجماعات إرهابية في ليبيا والجزائر والدول المغاربية ودول الساحل والصحراء الأفريقية كـ«جماعة عقبة بن نافع» و«داعش» و«القاعدة في المغرب الإسلامي».
ويعتبر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمارك) في تونس، أن «العصابات المورّطة بالإرهاب في تونس مرتبطة مع عصابات التهريب العابرة للحدود والقارات. وهي تستفيد من ضعف الدولة المركزية ومن الحرب في ليبيا والتوترات السياسية والعسكرية والأمنية والسياسية في بقية دول المنطقة». ويوافق المؤدب على هذا الراي الجنرال مختار بن نصر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في رئاسة الحكومة التونسية.
- مليونا ليبي وجزائري
رغم تعتيم السلطات الأمنية والقضائية حول تفاصيل الهجمات الإرهابية التي استهدفت يوم «الخميس الأسود» محطة إرسال إذاعي وتلفزيوني على الحدود الجنوبية التونسية - الجزائرية، في محافظة قفصة جنوباً، وهدفين استراتيجيين في قلب العاصمة تونس، فإن معظم التقارير الصادرة عن مؤسسات الوقاية من الإرهاب تؤكد أن جُلّ الأسلحة المستخدمة في العمليات الإرهابية في تونس دخلت عبر ليبيا أو الجزائر عبر المهرّبين. وبالتالي، يخشى الساسة التونسيون أن يتسبب التصعيد العسكري والأمني في المنطقة الغربية لليبيا، حيث يقيم ثلاثة أرباع الشعب الليبي، في تدهور الوضع الأمني، وبالتالي، فرار المزيد من الليبيين نحو تونس، وقد يكون بين هؤلاء إرهابيون ومهربو أسلحة ومخدرات ومهاجرون غير قانونيين.
هذا، ويتراوح عدد الليبيين النازحين بصفة دائمة نحو تونس منذ 8 سنوات، حسب الرئيس التونسي قائد السبسي بين مليونين ونصف مليون نسمة. وتخشى مصادر تونسية ليبية وجزائرية أن يتضاعف عددهم إذا استمرت حرب «الجيش» و«الوفاق»، لكون تونس الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تفرض تأشيرات دخول على المسافرين الليبيين. كذلك، يخشى بعض الخبراء في الدراسات الأمنية والاستراتيجية من أن تبرز مجدداً ظاهرة النازحين الجزائريين، إذا طالت الأزمة الداخلية في الجزائر. وكانت تونس طوال عقد التسعينات من القرن الماضي تستضيف نحو نصف مليون نازح جزائري، غالبيتهم من الفارين من الحرب الأهلية والصراعات الدامية بين التنظيمات المسلحة والسلطات.
- الخطر الداهم
وعلى الصعيد الاقتصادي، تؤكد المنظمات المشتركة لرجال الأعمال التونسيين والليبيين والتونسيين والجزائريين، مثل مجلس الأعمال التونسي الليبي برئاسة عبد الحفيظ السكروفي، أن تونس خسرت سنوياً نحو 5 مليارات دولار أميركي من المبادلات التجارية والاستثمارية مع ليبيا منذ اندلاع الحرب ضد نظام معمر القذافي. وتوشك أن تخسر مليارات من ديونها لدى الحكومات الليبية المتعاقبة، بينها ديون ضخمة لفائدة مؤسسات تونسية صناعية وسياحية وطبية أفلست بسبب عجز الجانب الليبي عن تسديد تلك الديون.
وفي سياق توجيه رسائل رمزية إلى أبناء الجنوب التونسي، الذين تضرّرت مصالحهم كثيراً من حرب ليبيا، كثف رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزيرا الداخلية هشام الفراتي والدفاع عبد الكريم الزبيدي خلال الفترة الماضية زيارات العمل إلى الشريط الحدودي التونسي - الليبي الذي يمتد 500 كلم. ودشنوا بالمناسبة مشاريع اقتصادية يُراد لها أن تفتح الآفاق لشعبي البلدين وتشجيع السياحة والاستثمار في البلدين بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي في ليبيا تسبب في فقدان نحو ربع مليون تونسي موارد رزقهم. ويرى كثيرون من المراقبين في تونس وخارجها أن التحديات الأمنية والاقتصادية الجديدة التي تسببت فيها حرب ليبيا وتعقيدات أوضاع الجزائر، منذ أشهر، يمكن تصنيفها بـ«الخطر الداهم» الذي نص عليه الدستور التونسي وسمح من خلاله لرئيس الدولة تأجيل الانتخابات.
ولكن يبدو أن تحرّكات الكواليس في ربع الساعة الأخير أسفرت عن توافقات جديدة بين كبار صنّاع القرار السياسي. إذ وقّع الرئيس التونسي في الأجل القانوني الأمر الرئاسي الذي يدعو الناخبين إلى المشاركة في الاقتراع العام المقرر ليوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وبهذا التوقيع تكون الطبقة السياسية قد تجنّبت «كابوس» الفراغ الدستوري والسياسي. مع هذا، فإن ربع الساعة الأخير من عهد الرئيس الباجي قائد السبسي قد يشهد أشكالاً جديدة من الصراع على السلطة تؤثر في المشهد السياسي والانتخابي العام.
في المقابل، نجاح «التوافق بين الأطراف السياسية» مجدداً، وقبول حسم الخلافات عبر الانتخابات، من شأنه فتح الباب مجدداً أمام الترويج «للاستثناء الديمقراطي التونسي» في ليبيا والجزائر وبقية دول المنطقة واستبعاد اللجوء إلى الخيار العسكري. ولكن إنجاز الانتقال السياسي السلمي في تونس سيبقى، في مختلف الأحوال، رهين وقف القتال في ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح الثقيلة من أيدي مختلف الميليشيات وقيام سلطة مركزية قوية مدنية فيها.
- السفير الأميركي وزوجته جالا في شوارع العاصمة
> رغم تركيز وسائل الإعلام التونسية والعالمية على العمليات الإرهابية التي استهدفت صباح الخميس 27 يونيو (حزيران) الشارع الرئيس في تونس العاصمة ومقر مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الداخلية، نزل السفير الأميركي دونالد بلوم وزوجته مترجلين إلى الشارع ذاته، وتناولا قهوة في مقهى شعبي لتوجيه رسالة تطمين للتونسيين والمراقبين الأجانب المتخوفين على مستقبل البلاد وأمنها. أيضاً، قام وزير السياحة التونسي روني (رينيه) الطرابلسي - وهو يهودي الديانة - بمبادرة مماثلة، وأدلى بتصريحات عدة لوسائل الإعلام الأوروبية والعالمية بعد العمليتين الإرهابيتين. ثم أعلن أن الحجوزات للموسم السياحي الصيفي لم تشهد أي عملية إلغاء.
- مسلسل من «الانقلابات البيضاء» في تونس
> عرفت تونس سابقاً سلسلة من «الانقلابات البيضاء» ومحاولات الانقلابات. ولعل هذه الانقلابات «الانقلاب الأبيض» في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 الذي قاده زين العابدين بن علي، رئيس الحكومة ووزير الداخلية يومذاك، ضد الرئيس الحبيب بورقيبة (84 سنة)، اعتماداً على شهادة طبية وقّعها فريق من كبار الأطباء المدنيين والعسكريين. في ذلك اليوم جمع بن علي، في مقر وزارة الداخلية فجراً، معظم قيادات الجيش والأمن الوطني وكبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان، وأعلمهم بـ«الشهادة الطبية» وبقراره تسلم الحكم «مؤقتاً». وهذا ما حدث فعلاً. وكان الدستور التونسي في حينه ينص على تسليم السلطة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً في حال شغور منصب رئيس الدولة.
ووقع «الانقلاب الأبيض» الشهير الثاني يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011 ضد بن علي، وقاده عدد من مساعديه بينهم رئيس الحكومة محمد الغنوشي ورئيس أركان الجيش الجنرال رشيد عمار ومدير عام الأمن الرئاسي علي السرياطي. وبعد الضغط على بن علي وعائلته كي يغادروا تونس بحجة أداء العمرة تعاقبت الانقلابات البيضاء، فأبعد محمد الغنوشي عن رئاسة الجمهورية بعد يوم واحد وعوِّض برئيس البرلمان فؤاد المبزّع. ثم أعد من رئاسة الحكومة بعد أقل من شهرين وعوِّض بالباجي قائد السبسي.
أما على صعيد المحاولات الانقلابية، فلقد اتهم الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي وبعض شركائه في «حكومة الترويكا» في صيف 2013 بعض كبار الضباط ومعارضيهم بمحاولة الانقلاب على الحكومة والبرلمان المنتخبين في أكتوبر 2011. وطوال عهد بورقيبة تعاقبت المحاولات الانقلابية الفاشلة بمشاركة عسكريين وضباط في الأمن أو من دونهم. وكانت أولى تلك المحاولات عام 1962 بزعامة مدير أمن الرئيس بورقيبة واستهدفت قتل الرئيس في قصره، لكن بو رقيبة تفطّن إليها في آخر لحظة وقمعها بقوة.
بعدها، حاولت قيادات سياسية وعسكرية تابعة لـ«حركة النهضة» عام 1987 ثم عام 1992 تنظيم انقلابين على النظام، لكنها فشلت وتعرّضت بسببها إلى حملة قمع واسعة في عهد بن علي. وخلال العامين الماضين وجه ساسة كبار تهمة ترتيب محاولات «انقلابية بيضاء» إلى عدد من كبار المسؤولين في الدولة بينهم وزير الداخلية السابق لطفي ابراهم. كذلك، اتهم الزعيم السابق للحزب الوطني الحر رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتنظيم محاولة انقلابية العام الماضي ضد رئيس الجمهورية. لكن الشاهد وأنصاره فنّدوا التهمة، وفرّ سليم الرياحي إلى خارج البلاد، ثم انسحب من المشهد السياسي.


مقالات ذات صلة

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حصاد الأسبوع داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني

رائد جبر ( موسكو)
حصاد الأسبوع يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع شابيرو (أ.ب)

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)

«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

ثمّة لغز يدور منذ عقود حول «الصوت اللاتيني (الهسبانيكي)» في السياسة الأميركية. هذا اللغز يعجز الجميع عن تعريفه بدقة، لكن الكل يسلّم بعمق تأثيره وأهميته في

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع صورة من الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ب)

«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه

لا تكتمل صورة الصوت اللاتيني في الانتخابات الأميركية من دون «الجار الجنوبي»؛ أي المكسيك؛ إذ يُستدل من بعض الدراسات أن الأميركيين اللاتينيين الشبان


«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».