الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

حرب ليبيا وأزمة الجزائر تعقّدان أوضاع تونس

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي
TT

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

تنفّس التونسيون الصعداء وهم يتابعون صورة جديدة للرئيس الباجي قائد السبسي حياً يرزق، مبتسماً، وحوله فريق الأطباء في المستشفى العسكري. إذ تأكدوا من زيف الإشاعات التي روّجت يوم الخميس 27 يونيو (حزيران) الماضي عن وفاته، وعن دخول البلاد في مرحلة «فراغ سياسي» قبل 3 أشهر فقط من الانتخابات المقرر تنظيمها الخريف المقبل. بل وتنفسوا الصعداء أيضاً وهم يشاهدون رئيس البرلمان محمد الناصر سليماً يرأس جلسة عامة بعد إشاعات عن تدهور خطير في صحته وتسميمه؛ ما يعني «فراغاً دستورياً» باعتباره الشخصية المكلفة في الدستور بخلافة رئيس الدولة لمدة 3 أشهر في حال شغور منصبه مؤقتاً أو نهائياً.
إلا أن الإشاعات الخطيرة عن مرض رئيسي الدولة والبرلمان فجّرت في الوقت نفسه أزمة سياسية حادة داخل البرلمان وبين كبار السياسيين، وسط تبادل الاتهامات بـ«التورط في محاولة انقلابية بيضاء»، وذلك في اليوم نفسه الذي شنت فيه مجموعات إرهابية هجمات متزامنة وسط تونس العاصمة وعلى الحدود مع الجزائر، وارتفعت فيه المخاطر الأمنية بسبب الحرب غربي ليبيا. فكيف ستخرج تونس من مضاعفات ما أصبح يسمى «الخميس الأسود»؟ وهل تنجح النخب التونسية مجدداً في تجنب «سيناريو» القطيعة والصدام، وفي احتواء المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه تونس بعد تعقد الأوضاع في «جارتيها» الجزائر وليبيا؟... أم تدخل البلاد في أزمة شاملة جديدة بسبب انخراط عدد كبير من صناع القرار التونسيين في لعبة المحاور الإقليمية والميل إلى أحد طرفي الحرب في ليبيا؟
في تونس، وجّه مسؤولون من المعارضة وإعلاميون وساسة بارزون تهمة الإعداد لـ«انقلاب أبيض» إلى الحزبين الكبيرين في البرلمان وفي حكومة يوسف الشاهد «تحيا تونس» و«حركة النهضة». وأورد رئيس كتلة حزب «نداء تونس» سفيان طوبال والبرلماني حسن العماري في تصريحات رسمية أن النائبين عن حزب رئيس الحكومة (تحيا تونس) هاجر بالشيخ أحمد والصحبي بن فرج أعلما البرلمانيين بـ«تحركات» و«اجتماعات» جرت داخل البرلمان وخارجه، بعد نقل رئيس الدولة الباجي قائد السبسي إلى المستشفى العسكري - وما أشيع عن إعلان وشيك عن عجزه، - ورئيس البرلمان محمد الناصر، وعجزهما عن ممارسة مهامهما لأسباب صحية ولتقدمهما في السن (93 سنة بالنسبة للسبسي و85 سنة بالنسبة للناصر). واتهم بعض نواب المعارضة وساسة وخبراء قانون عبر وسائل الإعلام قياديين في «حركة النهضة» بالتورّط في «التحضير لانقلاب أبيض».
وفق هذه الرواية، فإن النائب الأول لرئيس البرلمان والنائب الأول لـ«النهضة» المحامي عبد الفتاح مورو أوشك أن يعين رئيساً جديداً للبرلمان ليتولى الرئاسة المؤقتة للدولة بعد اجتماع كان سيُعقد في قصر البرلمان لتأكيد الشغور في قصر قرطاج (الرئاسي) وفي رئاسة مجلس النواب.
غير أن مورو فنّد هذه الرواية في عدد من الحوارات والتصريحات، وقال إنه ليس معنياً بأي منصب سياسي أو حزبي في المرحلة المقبلة، كذلك فنّدها البرلماني مصطفى بن أحمد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «تحيا تونس» في البرلمان.
وفي الاتجاه نفسه، رد قياديون بارزون في «النهضة» بينهم راشد الغنوشي رئيس الحركة، ونور الدين البحيري رئيس كتلتها البرلمانية، بقوة على الحملة الإعلامية التي استهدفتهم من قبل بعض الإعلاميين والمثقفين مثل لطفي العماري، ومايا القصوري، وآمال بالحاج. بل صعّد الغنوشي خطابه وشن هجوماً مضاداً، فاتهم في حوار تلفزيوني مطوّل «أطرافاً» لم يسمّها بمحاولة إبعاد الرئيس قائد السبسي عن المشهد السياسي وتغييبه والإساءة إلى «حركة النهضة». ورجّحت تصريحات الغنوشي فرضية «المحاولة الانقلابية البيضاء» رغم توجيهه التهمة إلى ساسة من خارج «النهضة» لم يسمّهم.
- محاولة انقلابية ثانية؟
بعدها زاد الأمر تعقيداً امتناع محمد الناصر، رئيس البرلمان، عن نفي تهمة «محاولة الانقلاب» عن نائبه الأول عبد الفتاح مورو والمقربين منه، رداً على سؤال علني وجهه إليه البرلمانيون خلال الجلسة العامة، بينهم النائب عن حزب رئيس الحكومة الحقوقي القومي الصحبي بن فرج. وقد اتهم بن فرج وآخرون رئيس البرلمان بعد هذا الامتناع بـ«فضح بعض الحقائق»، وبينها ما له صلة بتغيب الناصر عن مكتبه وعن بعض جلسات البرلمان في المدة الماضية.
وانطلق قياديون من «حركة النهضة» ومن الساسة الموالين لرئيس الحكومة، وأيضاً شخصيات معتدلة، في توجيه اتهامات لرئيس البرلمان والتشكيك في مصداقيته ونزاهته. وفي المقابل، انخرط جامعيون وخبراء دستوريون كبار في المعركة حول «الانقلاب الأبيض الافتراضي» وفي «حرب الاستنزاف» بين الطرفين، بينهم رئيس منظمة «دستورنا» جوهر بن مبارك وخبير القانون الدولي سليم اللغماني والمقرّر العام للدستور البرلماني الحبيب خضر.
- مَن يخلف الرئيس؟
من ناحية ثانية، استغلّت بعض المواقع الاجتماعية القريبة من «حركة النهضة» وبعض الأطراف السياسية الراديكالية «الأزمة الصحية الحادة» التي أصيب بها الرئيس قائد السبسي لتوجيه رسائل مشفّرة إلى أطراف سياسية عدة واتهامها بمحاولة الانقلاب على الدستور، بما في ذلك الأطراف الموالية لرئيس الحكومة يوسف الشاهد. ولقد تدخّل الحبيب خضر، المقرّر العام للدستور والقيادي في «حركة النهضة»، وعدد من أنصاره، في وسائل الإعلام يوم «الخميس الأسود» وبعده للتعبير عن موقف معارض لنقل سلطات رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً، وفق الفصل 83 من الدستور. وأكّدوا على أنه يجب تطبيق «الفصل 84» الذي ينصّ على تكليف رئيس البرلمان بخلافة رئيس الدولة إذا ما أُعلِن شغورٌ مؤقت أو دائم. وتجدر الإشارة، إلى أن الفصل 83 من الدستور يسمح بأن يكون الخليفة المؤقت لرئيس الدولة رئيس الحكومة، لا رئيس البرلمان، إذا ما حصل على تكليف من رئيس الجمهورية. وفي هذه الأثناء، لزم يوسف الشاهد الصمت إزاء هذه الزوبعة، فلم ينخرط في الجدل، بل تابع أنشطته شمالي البلاد وجنوبها، وزار الرئيس المريض في المستشفى العسكري وأبدل صورته في صفحته الاجتماعية بصورة تجمعه بقائد السبسي الذي دخل معه في خلاف علني منذ أكثر من سنة.
- المعلن والمسكوت عنه
على صعيد آخر، تخفي الأزمة الجديدة بين كبار ساسة تونس، قبل 3 أشهر عن موعد الانتخابات العامة، جوانب أعمق من الخلافات في مناخ غير مسبوق من التوتر في ليبيا والجزائر، ومن انخراط ساسة تونسيين في لعبة المحاور العربية والإسلامية والدولية.
ويبدو الاصطفاف واضحاً وسط الأطراف السياسية التونسية بين قطب مناصر لهجوم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على طرابلس وحكومة عبد الله الثني شرقاً، وآخر معارض له ومناصر لـ«حكومة الوفاق» بقيادة فايز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري ورفاقه المحسوبين على تيار الإسلام السياسي. ولقد تطور الخلاف حول المواقف من حرب ليبيا ومحوري «الجيش» – «الوفاق» منذ مدة إلى موضع رئيسي في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها. فمناصرو «الجيش» وداعمو هجومه على طرابلس يتهمون خصومهم في الحكومة وحزبي «النهضة» و«تحيا تونس» و«نداء تونس» بـ«دعم الإرهاب» و«الميليشيات المسلحة» في ليبيا والمنطقة. وفي المقابل، يتهم الطرف المقابل معارضيه بدعم «سيناريو الانقلاب العسكري» و«التآمر على البلاد» من خلال تأييد «الجيش» على ما يعتبرونه «السلطات المدنية الشرعية» المعترف بها من قبل مجلس الأمن الدولي.
- حرب ليبيا ومستجدّات الجزائر
وبجانب إجماع الأوساط الحكومية والشعبية في تونس على المضاعفات السلبية للحرب الدائرة في ليبيا منذ 8 سنوات، ثمة من يشير أيضاً إلى التعقيدات السياسية والأمنية في الجزائر، وتأثيرها كذلك على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية في تونس. إذ كشفت تصريحات وزير الداخلية التونسية هشام الفراتي، وأيضاً الناطق الرسمي باسم المحاكم التونسية القاضي سفيان السليطي، عن أن الجماعات الإرهابية التي تحركت في تونس خلال الفترة الماضية تابعة لتنظيمات إرهابية لديها علاقات بجماعات إرهابية في ليبيا والجزائر والدول المغاربية ودول الساحل والصحراء الأفريقية كـ«جماعة عقبة بن نافع» و«داعش» و«القاعدة في المغرب الإسلامي».
ويعتبر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمارك) في تونس، أن «العصابات المورّطة بالإرهاب في تونس مرتبطة مع عصابات التهريب العابرة للحدود والقارات. وهي تستفيد من ضعف الدولة المركزية ومن الحرب في ليبيا والتوترات السياسية والعسكرية والأمنية والسياسية في بقية دول المنطقة». ويوافق المؤدب على هذا الراي الجنرال مختار بن نصر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في رئاسة الحكومة التونسية.
- مليونا ليبي وجزائري
رغم تعتيم السلطات الأمنية والقضائية حول تفاصيل الهجمات الإرهابية التي استهدفت يوم «الخميس الأسود» محطة إرسال إذاعي وتلفزيوني على الحدود الجنوبية التونسية - الجزائرية، في محافظة قفصة جنوباً، وهدفين استراتيجيين في قلب العاصمة تونس، فإن معظم التقارير الصادرة عن مؤسسات الوقاية من الإرهاب تؤكد أن جُلّ الأسلحة المستخدمة في العمليات الإرهابية في تونس دخلت عبر ليبيا أو الجزائر عبر المهرّبين. وبالتالي، يخشى الساسة التونسيون أن يتسبب التصعيد العسكري والأمني في المنطقة الغربية لليبيا، حيث يقيم ثلاثة أرباع الشعب الليبي، في تدهور الوضع الأمني، وبالتالي، فرار المزيد من الليبيين نحو تونس، وقد يكون بين هؤلاء إرهابيون ومهربو أسلحة ومخدرات ومهاجرون غير قانونيين.
هذا، ويتراوح عدد الليبيين النازحين بصفة دائمة نحو تونس منذ 8 سنوات، حسب الرئيس التونسي قائد السبسي بين مليونين ونصف مليون نسمة. وتخشى مصادر تونسية ليبية وجزائرية أن يتضاعف عددهم إذا استمرت حرب «الجيش» و«الوفاق»، لكون تونس الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تفرض تأشيرات دخول على المسافرين الليبيين. كذلك، يخشى بعض الخبراء في الدراسات الأمنية والاستراتيجية من أن تبرز مجدداً ظاهرة النازحين الجزائريين، إذا طالت الأزمة الداخلية في الجزائر. وكانت تونس طوال عقد التسعينات من القرن الماضي تستضيف نحو نصف مليون نازح جزائري، غالبيتهم من الفارين من الحرب الأهلية والصراعات الدامية بين التنظيمات المسلحة والسلطات.
- الخطر الداهم
وعلى الصعيد الاقتصادي، تؤكد المنظمات المشتركة لرجال الأعمال التونسيين والليبيين والتونسيين والجزائريين، مثل مجلس الأعمال التونسي الليبي برئاسة عبد الحفيظ السكروفي، أن تونس خسرت سنوياً نحو 5 مليارات دولار أميركي من المبادلات التجارية والاستثمارية مع ليبيا منذ اندلاع الحرب ضد نظام معمر القذافي. وتوشك أن تخسر مليارات من ديونها لدى الحكومات الليبية المتعاقبة، بينها ديون ضخمة لفائدة مؤسسات تونسية صناعية وسياحية وطبية أفلست بسبب عجز الجانب الليبي عن تسديد تلك الديون.
وفي سياق توجيه رسائل رمزية إلى أبناء الجنوب التونسي، الذين تضرّرت مصالحهم كثيراً من حرب ليبيا، كثف رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزيرا الداخلية هشام الفراتي والدفاع عبد الكريم الزبيدي خلال الفترة الماضية زيارات العمل إلى الشريط الحدودي التونسي - الليبي الذي يمتد 500 كلم. ودشنوا بالمناسبة مشاريع اقتصادية يُراد لها أن تفتح الآفاق لشعبي البلدين وتشجيع السياحة والاستثمار في البلدين بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي في ليبيا تسبب في فقدان نحو ربع مليون تونسي موارد رزقهم. ويرى كثيرون من المراقبين في تونس وخارجها أن التحديات الأمنية والاقتصادية الجديدة التي تسببت فيها حرب ليبيا وتعقيدات أوضاع الجزائر، منذ أشهر، يمكن تصنيفها بـ«الخطر الداهم» الذي نص عليه الدستور التونسي وسمح من خلاله لرئيس الدولة تأجيل الانتخابات.
ولكن يبدو أن تحرّكات الكواليس في ربع الساعة الأخير أسفرت عن توافقات جديدة بين كبار صنّاع القرار السياسي. إذ وقّع الرئيس التونسي في الأجل القانوني الأمر الرئاسي الذي يدعو الناخبين إلى المشاركة في الاقتراع العام المقرر ليوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وبهذا التوقيع تكون الطبقة السياسية قد تجنّبت «كابوس» الفراغ الدستوري والسياسي. مع هذا، فإن ربع الساعة الأخير من عهد الرئيس الباجي قائد السبسي قد يشهد أشكالاً جديدة من الصراع على السلطة تؤثر في المشهد السياسي والانتخابي العام.
في المقابل، نجاح «التوافق بين الأطراف السياسية» مجدداً، وقبول حسم الخلافات عبر الانتخابات، من شأنه فتح الباب مجدداً أمام الترويج «للاستثناء الديمقراطي التونسي» في ليبيا والجزائر وبقية دول المنطقة واستبعاد اللجوء إلى الخيار العسكري. ولكن إنجاز الانتقال السياسي السلمي في تونس سيبقى، في مختلف الأحوال، رهين وقف القتال في ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح الثقيلة من أيدي مختلف الميليشيات وقيام سلطة مركزية قوية مدنية فيها.
- السفير الأميركي وزوجته جالا في شوارع العاصمة
> رغم تركيز وسائل الإعلام التونسية والعالمية على العمليات الإرهابية التي استهدفت صباح الخميس 27 يونيو (حزيران) الشارع الرئيس في تونس العاصمة ومقر مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الداخلية، نزل السفير الأميركي دونالد بلوم وزوجته مترجلين إلى الشارع ذاته، وتناولا قهوة في مقهى شعبي لتوجيه رسالة تطمين للتونسيين والمراقبين الأجانب المتخوفين على مستقبل البلاد وأمنها. أيضاً، قام وزير السياحة التونسي روني (رينيه) الطرابلسي - وهو يهودي الديانة - بمبادرة مماثلة، وأدلى بتصريحات عدة لوسائل الإعلام الأوروبية والعالمية بعد العمليتين الإرهابيتين. ثم أعلن أن الحجوزات للموسم السياحي الصيفي لم تشهد أي عملية إلغاء.
- مسلسل من «الانقلابات البيضاء» في تونس
> عرفت تونس سابقاً سلسلة من «الانقلابات البيضاء» ومحاولات الانقلابات. ولعل هذه الانقلابات «الانقلاب الأبيض» في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 الذي قاده زين العابدين بن علي، رئيس الحكومة ووزير الداخلية يومذاك، ضد الرئيس الحبيب بورقيبة (84 سنة)، اعتماداً على شهادة طبية وقّعها فريق من كبار الأطباء المدنيين والعسكريين. في ذلك اليوم جمع بن علي، في مقر وزارة الداخلية فجراً، معظم قيادات الجيش والأمن الوطني وكبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان، وأعلمهم بـ«الشهادة الطبية» وبقراره تسلم الحكم «مؤقتاً». وهذا ما حدث فعلاً. وكان الدستور التونسي في حينه ينص على تسليم السلطة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً في حال شغور منصب رئيس الدولة.
ووقع «الانقلاب الأبيض» الشهير الثاني يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011 ضد بن علي، وقاده عدد من مساعديه بينهم رئيس الحكومة محمد الغنوشي ورئيس أركان الجيش الجنرال رشيد عمار ومدير عام الأمن الرئاسي علي السرياطي. وبعد الضغط على بن علي وعائلته كي يغادروا تونس بحجة أداء العمرة تعاقبت الانقلابات البيضاء، فأبعد محمد الغنوشي عن رئاسة الجمهورية بعد يوم واحد وعوِّض برئيس البرلمان فؤاد المبزّع. ثم أعد من رئاسة الحكومة بعد أقل من شهرين وعوِّض بالباجي قائد السبسي.
أما على صعيد المحاولات الانقلابية، فلقد اتهم الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي وبعض شركائه في «حكومة الترويكا» في صيف 2013 بعض كبار الضباط ومعارضيهم بمحاولة الانقلاب على الحكومة والبرلمان المنتخبين في أكتوبر 2011. وطوال عهد بورقيبة تعاقبت المحاولات الانقلابية الفاشلة بمشاركة عسكريين وضباط في الأمن أو من دونهم. وكانت أولى تلك المحاولات عام 1962 بزعامة مدير أمن الرئيس بورقيبة واستهدفت قتل الرئيس في قصره، لكن بو رقيبة تفطّن إليها في آخر لحظة وقمعها بقوة.
بعدها، حاولت قيادات سياسية وعسكرية تابعة لـ«حركة النهضة» عام 1987 ثم عام 1992 تنظيم انقلابين على النظام، لكنها فشلت وتعرّضت بسببها إلى حملة قمع واسعة في عهد بن علي. وخلال العامين الماضين وجه ساسة كبار تهمة ترتيب محاولات «انقلابية بيضاء» إلى عدد من كبار المسؤولين في الدولة بينهم وزير الداخلية السابق لطفي ابراهم. كذلك، اتهم الزعيم السابق للحزب الوطني الحر رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتنظيم محاولة انقلابية العام الماضي ضد رئيس الجمهورية. لكن الشاهد وأنصاره فنّدوا التهمة، وفرّ سليم الرياحي إلى خارج البلاد، ثم انسحب من المشهد السياسي.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.