* «حكاية بسيطة لفيلم ملحمي»
* فترة صبا | Boyhood
* إخراج: رتشارد لينكلتر
* تقييم الناقد: (5*)
* الفيلم ذو التقدير الأعلى بين النقاد في كل مكان تقريبا (باستثناء العالم العربي لأنه لم - والغالب أنه لن - يعرض) هذا العام هو «فترة الصبا» للمخرج رتشارد لينكلتر. سجل 100 على 100 من أصوات النقاد الأميركيين وأقل من ذلك بقليل بين البريطانيين والأوروبيين. في الإجمال، هذا مستوى كانت أفلام برغمان وأنطونيوني وكيروساوا وكوبولا تسجّـله ولو ليس بالحجم ذاته دائما وفي كل مكان. هل من المحتمل أن ينجز فيلم ما مثل هذا الإعجاب الكاسح في زمن مناوئ؟
«فترة صبا» فيلم تم تصويره ما بين سنة 2002 و2013 تابع فيها المخرج رتشارد لينكلتر مراحل في حياة بطله (إيلار كولتران) من حين كان صبيا صغيرا إلى بلوغه سن الحادية والعشرين. تبعا لذلك، فإن ما سبق يعني أن لينكلتر صوّر بطله ذاك وهو صبي صغير ثم غاب عنه بضع سنين وصوّره وقد أصبح مراهقا، ثم غاب بضع سنين أخرى وصوّره شابّـا حيث ينتهي الفيلم به عند هذا الحد (لكن من يدري، ربما يعود إليه المخرج بعد خمس أو عشر سنوات ليقدّمه لنا مجددا).
ليست المرّة الأولى في السينما التي يقوم فيها مخرج بتصوير حكاية حياة: فرنسوا تروفو فعل ذلك كذلك مايكل أبتد، لكن الأول عمد إلى هذا التصوير في عدد من الأفلام (بدءا بـ«400 نفخة» سنة 1959) والثاني منح الفيلم معالجة تسجيلية تحوم حول ما تؤول إليه حال عائلة يمضي ربّـها عقوبة سجن. لكن «فترة صبا» خيالي بقدر ما هو واقعي. إيلار كولتران لم يكن ممثلا وأصبح لاحقا. يمثّـل شخصية أسمها مايسون لكنها شخصية لا يتغيّـر ممثلها تبعا لتقدّم سنوات العمر، بل يقوم بها كولتران في كل مراحلها. في كل مرّة يعود المخرج إلى حكاية ذلك الصبي يستعين بالممثلين المحيطين نفسيهما وهما إيثان هوك وباترشيا أركيت. هما الأب والأم المنفصلان لذلك الولد وشقيقته (لوريلي لينكلتر، ابنة المخرج) ما يعني أن كل هؤلاء كانوا يبتعدون سنوات ويعودون للتصوير من جديد. يمكن أن تلحظ ذلك على ملامح الممثل الجيّـد والمتعاون دوما مع لينكلتر، إيثان هوك.
هذه النقلات سلسة وتلقائية ومن دون عناوين على الشاشة من نوع «بعد خمس سنوات» أو بالاتكال على معالم جاهزة مثل تاريخ صحيفة أو موديل سيارة. فجأة، لكن من دون حدوث صدمة، تجد بطل الفيلم وقد أصبح شابا يحب التصوير الفوتوغرافي وأمامه مستقبل إذا ما ثابر، ثم فجأة، ها هو يبدأ بالتخطيط لحياة مستقلة عن والديه. لقد كبر وغرف من بحر التحوّلات والآن عليه أن يقف في المربّـع ذاته الذي وقف فيه والده قبل أكثر من ثلاثين سنة. سيشق طريقه وستوالى الزمن وما كان شابّـا سيهرم.
كل ذلك وحسن صياغته وتقديمه وتمثيله ليس سوى جانب واحد من هذا الفيلم الأعجوبة. الجانب الآخر يحتاج للكشف لمن لم يشاهد أفلام لينكلتر الثلاثة السابقة «قبل الشروق» (1995) و«قبل المغيب» (2004) و«قبل منتصف الليل» (2013). إنها ثلاثية تشكل فيلما واحدا تابع فيه صنو علاقة ثقافية - عاطفية بين كاتب أميركي (هوك) ومعجبة فرنسية (جولي دلبي) التقت به خلال زيارته في فرنسا. كان متزوّجا في الفيلم الأول، ثم مطلّـقا في الفيلم الثاني. «فترة صبا» يمكن اعتباره غصنا من الشجرة ذاتها أو العكس.
إلى ذلك، يضعنا «فترة صبا» أمام شخصيات تنبع من حياتنا اليوم ومحورها الدائم هو التواصل. في هذا الصدد يصوّر صراعا صامتا نعيشه جميعا هذه الأيام بين الذات والآلة. بين من يحاول الحفاظ على قوامه الإنساني وبين من سمح لنفسه بالانجراف في عصر تقني ليصبح جزءا منه عوض العكس.






