تواصل المعارك في ولايات أفغانستان

تضارب الادعاءات بين «طالبان» والحكومة حول نتائجها

تواصل المعارك في ولايات أفغانستان
TT

تواصل المعارك في ولايات أفغانستان

تواصل المعارك في ولايات أفغانستان

تواصلت الهجمات والمعارك بين قوات الحكومة الأفغانية وقوات «طالبان» في كثير من الولايات الأفغانية وسط ادعاءات متضاربة حول نتائج هذه الهجمات والمعارك في مختلف الولايات.
فقد نشرت وكالة «خاما برس» اعتراف الحكومة الأفغانية بسقوط وادي كيان الاستراتيجي في ولاية باغلان شمال العاصمة كابل، بيد قوات «طالبان»، وقال مسؤولون محليون إن قوات «طالبان» سيطرت على الوادي بالكامل ليلة أول من أمس، بعد دخولهم الوادي بأعداد كبيرة إثر هجوم شنوه على منطقة دو آب في ولاية سمنجان المجاورة، وإنهم تمكنوا من السيطرة على وادي كيان الاستراتيجي دون أي اشتباك مع القوات الحكومية.
وحذر مسؤولون محليون في المنطقة من أن سيطرة «طالبان» على وادي كيان الاستراتيجي ستشكل خطراً على المديريات المجاورة للوادي.
لكن مسؤولين أمنيين نفوا صحة ما قاله زملاء لهم في وادي كيان بالقول إن القوات الحكومية ما زالت تسيطر على وادي كيان رغم اعترافهم بتدهور الوضع الأمني في ولاية باغلان مؤخرا.
وقالت «خاما برس» إن قوات «طالبان» ناشطة بشكل كبير في ولاية باغلان وغالباً ما تقوم بعمليات واسعة النطاق في الولاية، كما أن القوات الحكومية الأفغانية تقوم بعمليات مضادة لقوات «طالبان» في المنطقة.
وكانت الحكومة الأفغانية قالت في بيان لها إن قواتها قتلت 5 من عناصر «طالبان» في منطقة بوشت رود بولاية فراه غرب أفغانستان، ودمرت معملاً لصناعة الألغام الأرضية لـ«طالبان» في المنطقة، كما أسرت اثنين من مقاتلي «طالبان» في مديرية نجراب بولاية كابيسا شمال شرقي كابل. وقال الجيش الأفغاني في بيان منفصل إن قواته صادرت كميات ضخمة من الأسلحة من قوات «طالبان» في ولاية فارياب شمال غربي أفغانستان؛ بينها صناديق ذخيرة رشاشات مضادة للطائرات، وألغام أرضية، وصاروخان، ومدفع مضاد للمدرعات.
ونقلت وكالة «خاما برس» عن مسؤولين بالجيش الأفغاني في فارياب قولهم إن قوات «طالبان» تنشط بشكل كبير في الولاية وتقوم بعمليات ضخمة ضد القوات الحكومية منذ مدة، فيما تحاول القوات الحكومية التصدي لهجمات «طالبان». وكانت ولاية قندهار، جنوب أفغانستان، شهدت اشتباكات بين القوات الحكومية وقوات «طالبان»؛ حيث ذكر بيان حكومي مقتل اثنين من قوات «طالبان» على يد القوات الخاصة، كما قامت القوات الخاصة بشن هجمات في مديرية كجكي بولاية هلمند المجاورة مما أدى إلى تدمير 3 آلاف رطل من المتفجرات كانت بحوزة «طالبان».
وأعلنت القوات الحكومية قتلها 10 من مسلحي «طالبان» في ولايتي غزني وبكتيكا في هجمات شنتها القوات الحكومية، فيما أبطلت محاولة لانتحاري من «طالبان» تفجير حزام ناسف كان يلفه على جسمه محاولاً اغتيال أحد كبار ضباط الشرطة في الولاية. وقال قائد شرطة قندهار الجنرال تادين خان أتشكزي إن الانتحاري حاول قتل قائد المديرية السادسة للشرطة في ولاية قندهار، لكن القوات الحكومية تمكنت من قتل الانتحاري قبل تفجير حزامه الناسف.
وكانت حركة «طالبان» نشرت تفاصيل الهجوم الذي شنه مسلحوها على مبنى إدارة الهندسة والدعم اللوجيستي لوزارة الدفاع الأفغانية في كابل، إضافة لعدد من البيانات حول عمليات قوات «طالبان» في مناطق مختلفة من أفغانستان.
وأشار البيان الصادر عن ذبيح الله مجاهد، الناطق باسم «طالبان»، إلى أن عملية مهاجمة قسم الهندسة والدعم اللوجيستي لوزارة الدفاع بدأت في الثامنة والنصف صباح أول من أمس (الاثنين) في كابل، حيث يعمل ما بين 400 و600 من الجنود والضباط والموظفين المدنيين في القسمين، وأن 5 من مقاتلي «طالبان» مدججين بالأسلحة والقنابل والمتفجرات شاركوا في الهجوم، بعد تفجير سيارة مفخخة داخل المبنى، مما أدى إلى تدمير جزء من المبنى ووقوع عشرات القتلى والجرحى من ضباط وجنود وموظفين، وهو ما استغله بقية المقاتلين للتسلل إلى مباني القسمين، والاشتباك مع من تبقى من القوات داخل المبنى. وأشار بيان «طالبان» إلى وجود عناصر عسكرية واستخباراتية تابعة لقوات حلف الأطلسي داخل المبنى أثناء الهجوم ومقتل عدد منهم.
ووصف بيان «طالبان» المبنى المستهدف بأنه كان من أهم أقسام دعم القوات الأفغانية، والمسؤول عن قصف كثير من المدارس الدينية والمساجد والمراكز العلمية والأسواق العامة، وأن «طالبان» أرادت إرسال رسالة من خلال استهداف القسم المذكور بأن على القوات الأجنبية عدم استغلال من وصفهم البيان بـ«ضعيفي النفوس وعديمي الشرف في القوات الأفغانية، وكذلك فإن على القوات الأفغانية الحكومية التوقف عن دعم قوات حلف الأطلسي في أفغانستان وتتوقف عن قصف المواطنين الأفغان والانسلاخ عن الحكومة الحالية في كابل».
كما أصدرت «طالبان» عدداً من البيانات عن عمليات قواتها؛ حيث تمكنت من السيطرة على حاجز أمني في ولاية غور مما أتاح لها السيطرة على عدد من القرى في المنطقة، إضافة إلى تمكن أفراد من «طالبان» من قنص جنديين حكوميين في بشتون كوت بولاية فارياب واغتيال قائد في القوات الخاصة الأفغانية في ولاية خوست مساء الاثنين، كما تمكن أفراد من «طالبان» من تدمير مدرعة في مديرية بلخمري بولاية باغلان وجرح 3 من الجنود الحكوميين كانوا على متنها. وشهدت ولاية تاخرار الشمالية تدمير 3 مدرعات «هامفي» للقوات الحكومية وسيارة نقل، وقتل جراء ذلك 8 من الجنود الحكوميين.
وهاجمت قوات «طالبان» برجاً للمراقبة في ولاية نيمروز غرب أفغانستان، مما أدى إلى تدمير البرج بعد 20 دقيقة من الاشتباكات العنيفة بين قوات الطرفين.
وتزامنت هذه المعارك والاشتباكات الضارية مع تسريبات من مصادر مقربة من «طالبان» حول المفاوضات الجارية في الدوحة بين المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد ووفد المكتب السياسي لـ«طالبان»؛ حيث أشارت هذه التسريبات إلى تقدم كبير وشبه تفاهم بين الطرفين على مسودة اتفاق تبدأ بموجبه القوات الأميركية وقوات حلف الأطلسي الانسحاب النهائي من أفغانستان مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، على أن يستكمل الانسحاب قبل نهاية ديسمبر (كانون الأول) من العام الحالي.
ونقلت شبكة «فوكس» التلفزيونية عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قوله إنه سيترك شبكة استخباراتية قوية في أفغانستان بعد سحب القوات الأميركية منها لمواجهة النشاطات الإرهابية في أفغانستان. وأكد الرئيس في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» أنه عازم على الانسحاب بالكامل من أفغانستان، مع اعتقاده بأن أفغانستان قد تصبح مقراً للجماعات الإرهابية، واصفاً أفغانستان بأنها ستكون «جامعة هارفارد للإرهاب».
إلى ذلك؛ أعلن المبعوث الأميركي لأفغانستان أن كلاً من قطر وألمانيا سترعيان وتستضيفان محادثات أفغانية ـ أفغانية، وأن الدولتين وافقتا على عقد مؤتمر لذلك يومي 7 و8 يوليو (تموز) الحالي، واصفاً مثل هذا الحوار الأفغاني بأنه ضروري لعملية السلام في أفغانستان.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended