الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك
TT

الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك

تاريخياً، انبثقت فكرة الجوائز الأدبية، كمؤسسات ثقافية، من مناخ الصالونات الأدبية الباريسية في القرن الثامن عشر، فهي إذن من ابتكار مجتمع ثقافي أدبي وفني حيوي ومزدهر، بدأ فيه الأدب يزحف نحو السوق كقوة اقتصادية أساسية ووازنة في الرأسمالية الجديدة. ربما نتفاجأ نحن اليوم، بينما لم يتفاجأ مجايلو السيد إدموند دوغونكور Edmond Huot de Goncourt حين أخذ قراره، وكتب وصيته نهاية القرن الثامن عشر لنذر ثروته الكبيرة لجائزة أدبية سميت باسمه. لم يكن إدموند دوغونكور وحيداً في هذا الشأن، فقد قام الكيميائي السويدي ألفريد نوبل Alfred Nobel، في الفترة نفسها تقريباً، بإطلاق جائزة «نوبل» متعددة التخصصات 1901. وفي فرنسا، بلد الآداب العريقة، سيشجع ظهور جائزة «غونكور» 1903 على إنشاء سلسلة من الجوائز الأدبية المهمة التي تزكي الأدب، وترفع من حس التنافس الفني بين الأدباء في فرنسا، وفي العالم، كجائزة «فيميناFemina 1904»، و«إنتراليي Interallié 1930 »، و«رونودو renaudot 1925»، و«ميديسيس Médisis 1958»، وجوائز أخرى. وبالحديث عن الجوائز الأدبية المحترمة لا يمكن أن ننسى جائزة البوكر Booker البريطانية، وبعض الجوائز المقلدة لها في العالم الأنجلوفوني، لكننا نعتقد أن جل هذه الجوائز تحمل كثيراً أو قليلاً من جينات ألفريد نوبل وإدموند دو غونكور، لذلك فهي تمتلك حس البقاء والمقاومة الفنية، العاملة على ترقية النصوص وفضاءات النصوص الأدبية.
لكن أين نحن، في العالم العربي وشمال أفريقيا، من كل هذا؟
حقاً... نسعد ونحن نتأمل صورة هذا الاهتمام الذي بدأ يتزايد في الساحة الأدبية والثقافية العربية بالجوائز الأدبية، وباستحداثها المضطرد. إنها كفكرة حضارية، ما في ذلك شك، لا بد أن تنال التزكية والتحية من المهتمين بشؤون الأدب، حتى وإن قدموا لها انتقادات وتصويبات تدخل في منطق تعميق وجودها، وليس نسفه. وما يثير الاهتمام، وينشر التفاؤل أيضاً، ملاحظة أن بعض البلدان العربية حديثة الاهتمام زمنياً بأمور الثقافة والأدب بدأت تتنافس في بسط الرعاية للجوائز المختلفة في مجالات الآداب والفنون. إنه استدراك لا يمكن إلا أن يكون إيجابياً في تثمين الإبداع والكتاب، وإعطائه مكانته التي تلجم جنون هذا العصر المادي السريع الذاهب نحو حتفه.
وحين أتطرق لتجربة الجزائر في هذا المجال، أجدها مهمة جداً، ولعلها تعتبر من بين الدول القليلة السباقة إلى التفكير في الجوائز الأدبية، لكنها مع الأسف، وكالعادة، وفي أمور ثقافية أساسية أخرى، سنتحدث عنها في مناسبات مقبلة، كثيراً ما تكتفي بالسبق ثم تترك السباق، وتظل كما أصفها دائماً بمرارة «بلد الفرص الضائعة».
تسجل صفحاتُ التاريخ الثقافي في الجزائر أنه منذ السنة الثانية للاستقلال 1964، بادر اتحاد الكتاب الجزائريين، برئاسة الروائي مولود معمري، لإطلاق جائزة الآداب الكبرى، والإعلان عنها في وسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وقد استقبلت بكثير من الاهتمام. وفي دورتها الأولى، منحت الجائزة مناصفة بين كاتبين، هما: الأديب «محمد ديب» باللغة الفرنسية، والشاعر «محمد العيد آل خليفة» بالعربية.
وكان يرأس اتحاد الكتاب الجزائريين الكاتب «مولود معمري»، بينما كان الشاعر «جان سيناك» أميناً عاماً له، وكان الطموح كبيراً في أن تصبح الجائزة «جائزة الدولة التقديرية للآداب»، لكن السفن تشتهي ما لا تشتهيه الرياحُ، فحدث انقلاب 19 جوان (يونيو) 65 ليقلب الموازين، ولتختفي الجائزة بعد أن تشتت شمل المثقفين، وهاجر كثير من المبدعين، ومنهم من عاش بالمنافي. ومن يومها، والجزائر الثقافية والأدبية ما تزال تبحث عن خلق جائزة أدبية ثابتة ومحترمة ودائمة. ورغم محاولات كثيرة جداً، فإنه إلى يومنا هذا، لم تتمكن واحدة منها أن تحافظ على وجودها وهيبتها، وأن تصبح للقراء مرجعاً، وأن تصير مفخرة بالنسبة لمن تُوِّجوا بها.
ظهرت في الفترات اللاحقة من التاريخ الثقافي والأدبي في الجزائر جوائز أدبية شتى، تعد بالعشرات، إلا أنها لم تخرج من بوتقة الارتجال والمواسم السياسية التي لا تأخذ الشأنَ الثقافي مأخذ الجد، بل الأحرى التشكيك في حقيقة جدواه ونواياه.
وفي ستينات القرن الماضي، قام المسرح الوطني الجزائري بمبادرته الجميلة، بإطلاق جائزته، إلا أن الستار أنزل عليها بعد فترة قصيرة.
ولأن للشخصيات أحياناً هيبتها وقدرتها على الاقتراح والتنفيذ، فإن في أدبيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر ما يذكّر بأنه حين كان على رأسها «محمد الصديق بن يحيى»، وكان المثقف «مصطفى كاتب» مسؤولاً عن مديرية النشاط الثقافي فيها، أطلِقت جائزة في القصة القصيرة والشعر، وعبر هذه الجائزة اكتُشِفت أهمُّ الأسماء التي أثثت الساحة الأدبية، وأنعشتها بشكل واضح، ولا تزال بعض هذه الأسماء حاضرة، وبشكل وازن، في المشهد الأدبي الجزائري والعربي. لكن الجائزة سرعان ما اختفت برحيل مصطفى كاتب، وإثر ذلك هجعت الساحة الثقافية والأدبية من جديد، وعادت إلى بَياتِها. حاولت وزارة المجاهدين أن تدخل التجربة بإطلاقها الجائزة الأدبية في الشعر والقصة، إلا أنها الجائزة التي كانت ترغب في ربط الأدب الجزائري بالتاريخ الرسمي، باعتبار أن هذه الجائزة تكرم كتاب القصة والرواية المتصلة بالثورة التحريرية.
وفي بداية التسعينات، أطلقت «جمعية الاختلاف» الأدبية المعروفة بنشاطها جائزة «مالك حداد» للرواية، وبإشراف وتمويل من الكاتبة «أحلام مستغانمي». حقاً، فإن هذه الجائزة كانت تحتفل بالنص الروائي من طرف جمعية من المجتمع المدني، في استقلالية خارج طبول الرسميات، ثم إن لجنة التحكيم المتنوعة التي كانت على مستوى عربي أعطتها مصداقية لدى منتظري هذا الموعد الأدبي المتميز، لكنها اختفت أيضاً.
الروائي والناشط الثقافي «الطاهر وطار»، رئيس جمعية «الجاحظية»، أنشأ هو الآخر بدوره جائزة خاصة بالشعر، سماها «جائزة مفدي زكريا»، بدأت جزائرية وانتهت مغاربية، بتمويل من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وإن لجنة التحكيم المحترمة التي كانت تشرف عليها أخرجت تجارب شعرية مهمة من التهميش والنسيان. وتوقفت الجائزة برحيل الروائي الطاهر وطار.
أما المكتبة الوطنية الجزائرية فقد أنشأت جائزة «الرواية الأولى»، وأعطتها اسم «جائزة أبوليوس»، وخصصتها للرواية المكتوبة بالعربية والأمازيغية والفرنسية. وخلقت هذه الجائزة اهتماماً حقيقياً، وأظهرت أسماء جديدة، خصوصاً في السردية بالأمازيغية، ثم توقفت بذهاب الروائي «أمين الزاوي» من على رأس هذه المؤسسة.
بدورها، أطلقت «جمعية المكتبيين الجزائريين» جائزتها، على خطى «الجمعية الألمانية للمكتبيين»، إلا أنها لم تدم طويلاً بسبب ضغط المؤسسة الرسمية عليها، لأنها كانت تطالب باستقلالية القرار، فذهبت الجائزة ومعها ذهبت جمعية المكتبيين الجزائريين أدراج الرياح.
أما جائزة رئيس الجمهورية للكتاب الشباب «علي معاشي»، فقد جلبت انتباه الإعلام وبعض المتتبعين للشأن الأدبي في البلاد خلال دورتيها الأوليين، إلا أنها سرعان ما دارت في فلك الارتجالية والروتين والكرنفالية السياسية. أما جائزة «الريشة الذهبية» لبلدية الجزائر العاصمة، فقد استطاعت أن تفتكّ الانتباه، وتحقق الحضور المشتهى، لكنه ما فتئ أن خبا بعد أن تغير اللون السياسي للبلدية وطوت الجائزة أجنحتها.
ومن الجوائز المهمة في الجزائر «جائزة محمد ديب» التي بدأت مطلع الألفية الثانية، مع موت الروائي محمد ديب، وتشرف عليها جمعية «الدار الكبيرة» بتلمسان، وتخصصت في البدء لكتاب القصة القصيرة باللغة الفرنسية، ثم أصبحت للرواية. بدأت قوية، ولكنها تبرد شيئاً فشيئاً نتيجة اقترابها من المؤسسة الرسمية.
ثم هلّت على الساحة الأدبية «جائزة آسيا جبار» التي أنشأتها وزارة الاتصال، تكريماً لاسم الروائية آسيا جبار، بتمويل وتنظيم من المؤسسة الوطنية للإشهار التابعة لها، ثم لحقت بها وزارة الثقافة كشريك، من خلال المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وبعد علامات الاستفهام حول كواليسها السياسية، والتشكيك في استقلالية لجنة التحكيم المشرفة عليها، وما أثير في الصحف حول فرض أسماء وشطب أخرى، ما زالت الجائزة حية لا ترزق... وتلك جائزة «إيسكال» Escale في انطلاقتها كانت للكتاب بالفرنسية، إلا أنها هي الأخرى دخلت لعبة الشعارات السياسية، واختارت أن تكون باللغات الثلاث، إلا أنها صمتت عن كل الألسنة.
وإكراماً للأديبة الجزائرية «يمينة مشكرا»، استحدثت باسمها جائزة للرواية بأقلام النساء، وخصصت للغات الثلاث العربية والأمازيغية والفرنسية، وشغلت الإعلام كثيراً. إنها جائزة لا تزال في دورتها الأولى، عل وعسى أن تدوم. كما أننا بين فترة وأخرى نسمع بأن هناك نيات في إطلاق جوائز أدبية في الأفق، من قبل مؤسسات اقتصادية أو إعلامية، نتمنى أنها لن تكون مجرد سراب صيفٍ أفريقي.
- كاتبة وأكاديمية جزائرية



عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».


حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
TT

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

وانتشر مقطع فيديو للحادثة على نطاق واسع عبر الإنترنت، ما أعاد النقاش حول استخدام الروبوتات في الأماكن العامة وتأثيرها في سلامة المارة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تدخلت الشرطة لاحتجاز روبوت بشري الشكل بعدما أثار الذعر لدى امرأة تبلغ من العمر 70 عاماً في أحد شوارع ماكاو.

ووقعت الحادثة الأسبوع الماضي عندما انتهى الأمر بالمرأة إلى المستشفى بعد مواجهتها مع الروبوت الذي يبلغ طوله نحو 1.3 متر.

كيف بدأت الواقعة؟

أظهرت مقاطع فيديو التقطها شهود عيان المرأة وهي تصرخ في وجه الروبوت، الذي يُعتقد أنه من طراز «Unitree G1»، ويبلغ سعره نحو 13.500 دولار.

وبحسب تقارير إعلامية، كانت المرأة تسير في الشارع وتنظر إلى هاتفها الجوال عندما لاحظت أن «شيئاً ما» يسير خلفها عن قرب. وعندما التفتت، فوجئت بالروبوت.

وقالت المرأة في مقطع الفيديو، وهي تصرخ باللغة الكانتونية: «أنت تجعل قلبي يخفق بسرعة! لديك الكثير لتفعله، فلماذا تعبث بهذا؟ هل فقدت عقلك؟».

تدخّل الشرطة

في الفيديو، يظهر الروبوت وهو يرفع ذراعيه في حين كانت المرأة توبّخه، قبل أن يظهر لاحقاً عنصران من الشرطة وهما يقتادانه بعيداً عن الشارع المزدحم.

وذكرت صحيفة «Macau Post» أنه «لم يحدث أي احتكاك جسدي» بين المرأة والروبوت، إلا أنها نُقلت إلى المستشفى حيث خضعت لفحص طبي قبل أن تُغادر لاحقاً.

روبوت لأغراض ترويجية

وأفادت التقارير بأن الروبوت مملوك لمركز تعليمي في ماكاو، وكان يُستخدم في «أنشطة ترويجية» في المنطقة.

وكان الروبوت يُدار عن بُعد بواسطة رجل يبلغ من العمر 50 عاماً، قال للشرطة إنه كان يختبر الجهاز بهدف تحسين طريقة تشغيله.

وعقب الحادثة، وجهت السلطات تحذيراً له بضرورة توخي الحذر، وعدم تعريض المارة للخطر أو إثارة خوفهم.

تفاعل واسع على الإنترنت

انتشر مقطع الفيديو للحادثة بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار موجة من التعليقات الساخرة. وكتب أحد المستخدمين: «يبدو أن الروبوت يحتاج إلى محامٍ أو إلى بعض الحقوق الأساسية»، في حين علق آخر مازحاً: «ستذهب إلى السجن يا صديقي».