قيادي شيعي: بقاء المالكي في الصورة نائبا للرئيس كبقائه في الظل

قيادي شيعي: بقاء المالكي في الصورة نائبا للرئيس كبقائه في الظل

رئيس الوزراء السابق اختار حلا وسطا بتولي منصب يمنحه حصانة من الملاحقة القضائية
الخميس - 17 ذو القعدة 1435 هـ - 11 سبتمبر 2014 مـ رقم العدد [ 13071]
إياد علاوي وأسامة النجيفي ونوري المالكي يرددون وراء رئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود اليمين الدستورية نوابا لرئيس الجمهورية أمام البرلمان الاثنين الماضي (رويترز)

طوال السنوات الأربع الماضية من حكومة نوري المالكي الثانية كان موعد العراقيين ووسائل الإعلام كل أربعاء مع كلمة المالكي الأسبوعية، التي كثيرا ما كان يخصصها، لا سيما في السنتين الأخيرتين، لمهاجمة خصومه السياسيين وفي المقدمة منهم رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي وزعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني. وبلغت اتهاماته لهؤلاء الزعماء حد دمغ بعضهم (النجيفي وبارزاني) بالخيانة بعد نكسة سقوط الموصل بيد «داعش» في العاشر من يونيو (حزيران) الماضي.

لكن الاثنين الماضي، خلال جلسة البرلمان العراقي لمنح الثقة لحكومة حيدر العبادي، كان المالكي يجلس جنب النجيفي، وكانا يتبادلان أطراف الحديث، ولم يفصله عن علاوي، حيث مقتضيات البروتوكول، سوى رئيس الجمهورية فؤاد معصوم الذي جلس إلى يمينه رئيس وزرائه الجديد العبادي، وزعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم، وجلس علاوي وأحمد الجلبي متقاربين.

وبعد أن اجتاز العبادي وحكومته عقبة الثقة، صعد إلى منصة أداء اليمين القانونية الإخوة الأعداء الثلاثة، المالكي والنجيفي وعلاوي، بوصفهم نوابا لرئيس الجمهورية. وقف الثلاثة بجانب بعضهم، حيث كان رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي مدحت المحمود يلقنهم اليمين فيرددون بعده بأداء جاء واضحا فيه صوت النجيفي، فيما ضاع صوت المالكي وعلاوي. المالكي والنجيفي تبادلا التحية من دون القبل بعد أداء اليمين، بينما اختفى علاوي عن المسرح من دون أن يؤدي التحية لزميليه نائبي الرئيس أو للحضور من نواب ووزراء وسفراء وشخصيات عامة.

لا ينبغي تجاوز خطبة المالكي الأسبوعية التي كانت كثيرا ما تذكّر كبار السن من العراقيين بالخطب الشهيرة التي كان يلقيها رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم الذي اشتهر بلقب الزعيم. وذات مرة روى السياسي العراقي المثير للجدل ورئيس كتلة التحالف المدني الديمقراطي (الكتلة المعارضة الوحيدة في البرلمان بأربعة مقاعد) مثال الآلوسي، في معرض نقده لخطبة المالكي الأسبوعية، أن عراقيا على عهد عبد الكريم قاسم شاهد جنازة يحف بها مشيعون، فما كان منه إلا أن خاطب الميت قائلا «مبروك لك.. لقد خلصت من خطب الزعيم»، كدلالة على كون تلك الخطب مملة فضلا عن كونها طويلة. الآلوسي أضاف أنه مضطر ليقول ذلك من باب ذكر طرفة كان يتداولها العراقيون «على الرغم من أن الزعيم قاسم كان صاحب إنجازات كبيرة، فضلا عن كونه نموذجا للنزاهة والزهد».

لم تكن مشكلة كلمة المالكي كل أربعاء تكمن في طولها، حيث إنها في العموم كانت كلمة قصيرة، لكن في مضامينها الاتهامية الحادة لشركائه السياسيين حتى داخل البيت الشيعي (التحالف الوطني العراقي)، وفي مقدمة من كان يتولاهم بالنقد الجارح الصدريون وزعيمهم مقتدى الصدر. وبالتالي بدت تلك الكلمة مثلما يقول الأكاديمي أستاذ العلوم السياسية عبد الحسين الساعدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنها «خطاب أزمة دائم، لا سيما أن المالكي وخلال الفترة التي أعقبت محاولة سحب الثقة منه، التي فشلت مثلما هو معروف بسبب تدخلات إيرانية واضحة، بدا لا يطيق أحدا مما سمي في ما بعد فريق أربيل – النجف، الذي بات يمثله النجيفي وبارزاني والصدر وعلاوي، وبدلا من أن يعترف المالكي بأخطائه أو يتراجع عن ممارساته، فإنه استمر في سياسة التصعيد من منطلق أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع». ويضيف الساعدي «ومما ساعد المالكي على ذلك الهالة الإعلامية الضخمة التي بات يتحرك في ضوئها، حيث اتسعت مساحة تأثيره على وسائل إعلام كثيرة بما في ذلك الإعلام الرسمي الحكومي، مثل شبكة الإعلام العراقية وقناتها (العراقية) الممولة من المال العام». ويعيد الساعدي إلى الأذهان «القرار الذي اتخذه رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي عندما منع قناة (العراقية) من دخول البرلمان، حيث نوه المالكي بإمكانية دخولها بالقوة».

السؤال الذي بات يتردد في الشارع العراقي اليوم هو: ما الجديد الذي حملته حكومة العبادي سوى أنها جمعت كل الخصوم والمتناقضين في أوسع تشكيلة بدت وكأنها بالضد تماما من توجهات المرجعية الدينية العليا في النجف التي دعت إلى الكفاءة والترشيق والنزاهة؟ كما دعت وهذا هو الأهم من وجهة نظر الساعدي إلى أن «المرجعية وعلى لسان ممثلي المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني دعت إلى عدم تجريب المجرّب، في حين جاء العبادي بكل من تم إخضاعه للتجربة خلال الدورات السابقة، والأدهى من ذلك جاء بمن عليه ملفات فساد»، مضيفا أنه «حتى المالكي الذي يريد له أنصاره لعب المزيد من الأدوار في المستقبل فإن تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية إنما هو عبارة عن صفقة لحمايته من الملاحقة القانونية».

وإذا كان القيادي السابق في «دولة القانون» عزة الشابندر، الذي كان يوصف بأنه كبير مفاوضي المالكي، يرى في تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أن «العبادي جمع كل الصقور في القفص بحيث لم يعد بوسع أي واحد منهم أن ينعق خارج هذا القفص»، فإن زعيم الجبهة التركمانية أرشد الصالحي يقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه «في الوقت الذي جرى فيه تغييب مكون كامل هو المكون التركماني فإن المفارقة أن نواب رئيس الجمهورية الثلاثة ليسوا فقط مخالفين للتوجهات الخاصة بالترشيق وعدم إهدار المال العام، بل كانوا سببا في أزمة العراق الأمنية والسياسية والاجتماعية خلال الفترة الماضية، وبالتالي فإنه لا يوجد مؤشر على انفراج الأوضاع».

العراقيون الذين كانوا فرحين بتشكيل الحكومة صدموا من عودة بعض الزعامات من الشبابيك بعد أن أخرجوا من الباب، وفي مقدمتهم المالكي والنجيفي، ربما باستثناء علاوي الذي بقي في الظل شبيها بالمعارض طوال أعوام المالكي الثمانية. وبالتالي فإن آمالهم بالتغيير لا تزال ضائعة وسط طوفان اللهاث وراء المناصب، بينما الآم التهجير والنزوح والقتل والتشريد لا تزال مستمرة.

وبينما لا تبدو لمنصب نائب رئيس الجمهورية صلاحيات مهمة فإن أنصار المالكي وفي محاولة منهم لمنحه دورا استثنائيا في المرحلة المقبلة بدأوا يروجون لمصطلح النائب الأول لرئيس الجمهورية، بينما ليس هناك في الدستور مثل هذا التوصيف.

ويقول قيادي صدري لـ«الشرق الأوسط»، طالبا عدم ذكر اسمه، إن «المالكي اختار الحل الوسط على صعيد إمكانية بقائه في صورة الأحداث، وهو منصب بروتوكولي فضلا عما يمثله من حصانة»، لافتا إلى أنه «لو كان بقي عضوا في البرلمان فإنه لن يكون أكثر من زعيم لـ(دولة القانون)، وهي صفة يتمتع بها سواء داخل البرلمان أو خارجه، كما أنه قد لا يكون هناك إجماع على توليه منصب رئيس التحالف الوطني بعد أن اصطدم بالمرجعية الشيعية التي أجبرته على الخروج، وهو ما يعني في النهاية أن بقاء المالكي في الصورة نائبا لرئيس الجمهورية لا يختلف كثيرا عن بقائه في الظل ما دام رئيس مجلس الوزراء هو وحده الذي يملك مساحة التحرك الأوسع والأكثر فاعلية».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة