زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

بعد 25 شهراً من دخوله قصر الإليزيه

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون
TT

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

زلزالان سياسيان يعيدان رسم المشهد السياسي في فرنسا لصالح إيمانويل ماكرون

قبل 25 شهراً، وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية. وفي حينه، اعتبر المراقبون ما حدث «زلزالاً» سياسيا هز فرنسا، ذلك أن وزيراً سابقاً شاباً دون سن الأربعين من عمره، لا يدعمه حزب سياسي بل «حركة» حديثة العهد، تضم خليطاً من اليمين واليسار، نجح في تهميش الحزبين الرئيسيين في البلاد. لقد تمكّن ماكرون وحركته الوليدة يومذاك من إلحاق الهزيمة بحزب «الجمهوريون» - وريث الديغولية التاريخية - والحزب الاشتراكي اللذين تعاقبا على حكم فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة على يدي الجنرال شارل ديغول في العام 1958. ونشير إلى أن الحزب الأول أعطاها خمسة رؤساء هم ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وجاك شيراك، والثاني أعطاها رئيسين هما فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند.
ولكن، ها هو الرئيس الجديد يعلن أنه لا ينتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. ويقول بأن ما يريده حقيقة هو إجراء إصلاحات جذرية للمجتمع الفرنسي وإطلاق اقتصاده من عقاله، وهو ما عجز سابقوه إلى قصر الإليزيه عن القيام به... إما لقصور في الرؤية أو للتحجر الإيديولوجي أو، أخيراً، للخوف من النتائج والتداعيات.
ما وعد به إيمانويل ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية التي حملته إلى الإليزيه قبل سنتين سارع إلى وضعه موضع التنفيذ بعد فوزه المفاجئ بالرئاسة. إذ شكل حكومة مختلطة سياسيا، وأدخل «المجتمع المدني» إلى مجلس الوزراء وإلى «الجمعية الوطنية» (البرلمان) بالتساوي بين الجنسين، وراهن على عنصر الشباب.
ومن ثم، حصل على أكثرية برلمانية ساحقة، ولجأ خلال الأشهر الأولى من حكمه إلى المراسيم التي تعفيه من المرور بالدورة التشريعية التقليدية، وفرض أسلوب الحكم «العامودي» الذي يوفّره دستور «الجمهورية الخامسة» لرئيس الجمهورية وأبدى «سطوة» في إدارة شؤون البلاد.
وتوالت الإصلاحات التي وعد الرئيس الشاب بها الفرنسيين بسرعة عالية: قانون العمل، والشفافية، والرعاية الاجتماعية، والنقلة البيئوية، وإلغاء الضريبة على الثروة وإصلاح النظام الضريبي، والنظام التعليمي، والصحّة، والضريبة على الشركات الرقمية الكبرى، وقانون المحافظة على الأمن، واللامركزية الإدارية...
كل ذلك أعطى انطباعاً بأن الرئيس الجديد، الذي لا ينام إلا ساعات قليلة، لا يترك وزراءه ومستشاريه يرتاحون إلا لماماً، وأنه يتمتّع بدينامية وإرادة تميّزانه عن غيره من الطاقم السياسي.

البُعد الأوروبي
كما جاء ماكرون إلى السلطة حاملاً مشروعاً إصلاحيا على الصعيد الداخلي، كذلك تأبط مشروعاً إصلاحيا للاتحاد الأوروبي. وهو في ذلك لم يغشّ أحداً، بل أبرز قناعاته الأوروبية ورغبته في دفع «القارة القديمة» إلى مزيد من الاندماج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي حتى لا تبقى رهينة للخارج. وكان رهانه على التعاون مع ألمانيا، وهنا ربما دغدغ مخيلته حلم الاستفادة من تراجع شعبية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب أزمات الهجرة وأيضاً انشغال بريطانيا بالخروج من الاتحاد، ليفرض نفسه زعيماً أوروبياً... ومحاوراً ندّاً لقادة القوى العظمى الثلاث الولايات المتحدة والصين وروسيا. ولعله نجح في ذلك إلى حد بعيد.
بيد أن الأهم من ذلك كله - على الصعيد الداخلي - أن ماكرون، بوصوله إلى الرئاسة، همّش بالطبع الحزبين الرئيسيين... بل إنه أصاب من الحزب الاشتراكي مقتلا.
هذا الرئيس كان قد جاء إلى السياسة بفضل الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي عيّنه بداية مستشاراً اقتصاديا، ثم مساعدا لأمين عام الرئاسة... فوزيرا للاقتصاد، لكنه - أي ماكرون - لم يتردّد في الترشح ضد «معلّمه» وتهميش حزبه الذي كان يسيطر على الرئاسة والبرلمان ومفاصل الإدارة جميعاً.

انهيار الحزب الاشتراكي
حقاً، حضور الحزب الاشتراكي، بعد خمس سنوات من رئاسة هولاند، تقلّص إلى درجة أن مرشحه الرسمي للرئاسة بونوا هامون حل في المرتبة الخامسة في انتخابات الرئاسة حاصلاً على نسبة 6.36 في المائة من الأصوات. ورغم الجهود التي بذلها «كوادر» الحزب لإنعاشه وتنشيطه فإنه بقي رميماً... والدليل على ذلك أنه في الانتخابات الأوروبية الأخيرة حلّ في المرتبة السادسة ولم يحصل إلا على نسبة 6 في المائة من الأصوات. وخلاصة المحللين السياسيين أن الاشتراكيين دخلوا مرحلة «الموت السريري» وما عاد أحد يحسب لهم حساباً. وبين مَن التحق بحزب ماكرون الناشئ الوسطي «الجمهورية إلى الأمام» أو بحركة جان لوك ميلونشون «فرنسا المتمرّدة» اليسارية ومَن ترك السياسة، سيكون من الصعوبة بمكان على هذا الحزب التاريخي العودة إلى الصف الأمامي في المستقبل المنظور.
كان وأد الحزب الاشتراكي أحد معالم الزلزال السياسي الأول الذي تسبب به بروز ماكرون على المسرح السياسي وانتخابه رئيسا. وكانت ارتداداته تُنبئ عن قرب حصول زلزال جديد يقضي على الإرث السابق ويؤسّس لمسرح سياسي مختلف تماماً عمّا ألفه الفرنسيون خلال السنوات الـ60 المنقضية. ولعل أبرز ظاهرة تنم عن ذلك أن اليمين المتطرّف ممثلاً بمرشحته مارين لوبن، ابنة مؤسس الحزب وزعيمه التاريخي جان ماري لو بن، كانت منافسة ماكرون في الدورة الانتخابية الثانية الحاسمة من معركة الرئاسة. وهو ما أسس لـ«ثنائية» صورتها على الشكل التالي: قوتان سياسيتان رئيسيتان، في الجانب الأول قوة وسطية تجمع اليمين واليسار، ليبرالية، أوروبية وإصلاحية. وفي الجانب الآخر، قوة من اليمين المتطرّف الرافض للاندماج الأوروبي والساعي إلى استقطاب اليمين الكلاسيكي سياسيين وحزبيين والملتزم بأقصى المواقف إزاء الهجرات والإسلام.

اليمين المعتدل
و«السترات الصفراء»
إرهاصات هذه الصورة بدأت، في الواقع، بالظهور مع الانتخابات الرئاسية. إلا أن اليمين الكلاسيكي - أو المعتدل - ممثلاً بـ«الجمهوريون» لم يكن قد اندثر بعد على غرار الحزب الاشتراكي، منافسه السابق. ذلك أن فرنسوا فيّون، مرشحه الرئاسي ورئيس الوزراء الأسبق، رغم صعوباته وفضائحه، كان على مسافة نقطة واحدة من مارين لو بن جامعاً ما يزيد على 20 في المائة من الأصوات. وإذا كان صحيحاً أن مجموعة من نوابه التحقت بماكرون وأن الأخير اختار رئيس حكومته (إدوار فيليب) وعدداً من أبرز وزرائه (الاقتصاد والمالية...) من صفوفه لشقّها ولإضعافه، إلا أن نواة صلبة بقيت متمسّكة به. ولقد عمل رئيس الحزب الجديد، لوران فوكييه، الذي نُظر إليه على أنه «الرجل المنقذ» على إعادة إحياء شعلة الحزب ومنع النزيف الذي يعاني منه معوّلاً على الصعوبات التي يواجهها ماكرون وعلى تضعضع أكثريته.
وبالفعل، كثيرون نظروا إلى الحركة الاحتجاجية المُسمّاة «السترات الصفراء» على أنها «نقمة» لماكرون و«نعمة» لمعارضيه، وعلى رأسهم حزب «الجمهوريون» الذي عوّل عليها للاستفادة من الضعف السياسي الذي ألمّ بالسلطات وبماكرون شخصياً، وراهن على استغلالها من أجل إعادة شد عصب مناصريه.
والحقيقة أن الأشهر الستّة التي شهدت أعمال عنف استثنائية في العاصمة باريس والعديد من المدن الفرنسية، سبتاً بعد سبت وتعبئة وراء تعبئة، نسفت هيبة الرئيس الفرنسي وكادت أن تطيح به وبحكومته.
إلا أنه نجح، من خلال «التنازلات» التي قدّمها للمحتجين، ومن خلال ابتداعه ما سمّاه «الحوار الوطني الكبير» للتعرّف على ما يريده المواطنون... وأخيرا من خلال الخلاصات والإصلاحات التي قرّرها وطلب من الحكومة وضعها موضع التنفيذ، في أن يحد من خسائره السياسية ويطفئ جذوة الحركة التي تلاشت من ذاتها، مع أن بضعة آلاف من المتظاهرين ما زالوا ينزلون إلى الشوارع للتذكير بوجودهم كل يوم سبت.

امتحان الانتخابات الأوروبية
كان السواد الأعظم من المراقبين في فرنسا ينتظر الانتخابات الأوروبية لتبيان ميزان القوى السياسي الحقيقي في البلاد، وليرى ما إذا كان ماكرون سيقع أرضاً، وإذا كانت الانتخابات الأوروبية ستشكّل نتائجها معاقبة له وللسياسات التي اتّبعها خلال أكثر من سنتين... والتي وصفت بأنها كانت لحساب الأثرياء ورجال الأعمال والشركات وعلى حساب الطبقتين الوسطى والشعبية.
وخلال الأشهر الستة المنقضية كانت هذه المعالم القضايا الرئيسية التي رفع المتظاهرون لواءها مطالبين بسياسة مختلفة تقدّم العمل على رأس المال وعلى أصحاب الأسهم في الشركات. وما أثار شهية الأحزاب أن ماكرون جعل من الانتخابات الأوروبية «معياراً» ليس فقط داخلياً، وإنما أيضا أوروبياً، لأنه نصّب نفسه «مدافعاً» عن أوروبا وممثّلاً لمعسكر «التقدميين» في مواجهة «غلاة القومية». والخلاصة أن الأحزاب التقليدية، التي أصيبت بكبوة في الانتخابات الرئاسية، كانت تعوّل على الانتخابات الأوروبية للنهوض من كبوتها ولتوفير انطلاقة جديدة.
غير أن نتائج الانتخابات الأوروبية جاءت مخيبة لآمال هؤلاء.
صحيح أن حزب الرئيس الفرنسي «الجمهورية إلى الأمام» لم يحلّ في المرتبة الأولى، إلا أنه لم يُصبْ بنكسة... لا بل اعتبر ماكرون أن نتائج لائحة حزبه، التي أسندت قيادتها إلى وزيرة الشؤون الأوروبية السابقة ناتالي لوازو، حققت «نتائج مشرّفة». وبالأرقام، فإنها حصلت على نسبة 22.41 في المائة في حين حلت لائحة «التجمع الوطني» لليمين المتطرّف في المرتبة الأولى بحصولها على 23.31 في المائة.

ثلاث علامات فارقة
ثلاث علامات فارقة يتعين التوقّف عندها، والتي تبين اليوم صورة المشهد السياسي الفرنسي وما يحبل به من إرهاصات وتحوّلات للمستقبل.
تبين العلامة الأولى أن الخارطة السياسية الفرنسية التقليدية قد اندثرت إلى غير رجعة. وبعد الزلزال السياسي الأول الذي أطاح بالحزب الاشتراكي وهزّ أركان اليمين الكلاسيكي، جاء الزلزال الثاني ليبيّن أن اليمين الوسطي قد يكون أيضاً في طريق الانحدار... وربما الزوال. والدليل على ذلك أن لائحته في الانتخابات الأوروبية حلت في المرتبة الرابعة ولم تحصل إلا على 8.48 في المائة من الأصوات، أي أقل من نصف ما حصل عليه فيون في الدورة الرئاسية الأولى. والتفسير السياسي لهذا النزيف أن ناخبي اليمين الكلاسيكي قد هجروه، وانتقل المعتدلون منهم إلى الحزب الرئاسي بينما شدّ المتشددون رحالهم باتجاه حزب مارين لو بن. وهذه النتيجة بدأت تظهر آثارها لجهة التحضير للانتخابات البلدية المقرّر أن تجرى في العام المقبل. وليس أدلّ على ذلك أن رؤساء بلديات من حزب «الجمهوريون» حملوا حقائبهم ونزحوا باتجاه حزب «الجمهورية إلى الأمام» الماكروني متخوفين من زلزال ثالث يطيح بهم وبمناصبهم التي اعتادوا عليها منذ سنوات. وأخيراً، وقّع 60 رئيس بلدية بياناً يفسرون فيه الأسباب التي دعتهم إلى هجر حزبهم واختيار حزب آخر.
وتبيّن العلامة الثانية في صيغتها الحالية، والمؤهلة لأن تدوم لسنوات، وجود «ثنائية» حزبية قوامها من جهة الحزب الرئاسي ومن جهة ثانية اليميني المتطرّف حزب «التجمع الوطني» بقيادة لو بن. وثمة من يقول إن هذه الصيغة تلائم ماكرون تماماً، فهو بعدما «فجّر» الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية، ها هو اليوم يقضي على منافسه الأخطر أي حزب «الجمهوريون»... وبذا يكون قد أحلّ ثنائية جديدة محل الثنائية القطبية التقليدية. وعندما يقال إن الصيغة الجديدة تلائم ماكرون، فإن المقصود بذلك أنها تخدم طموحاته الرئاسية.
ألم يقل ماكرون في أكثر من مقابلة صحافية بأن انتخابه رئيساً في فرنسا «وضع حداً» لتقدم اليمين المتطرف في أوروبا؟ وبالتالي، فإنه من المشروع اعتبار أنه يرى لنفسه «رسالة» عليه أن ينفذ مضمونها، ألا وهو الوقوف بوجه اليمين المتطرف في بلاده أولاً... وعلى المستوى الأوروبي ثانياً.

الفرنسيون أمام خيار: ماكرون أو لوبن
> يجمع المحللون السياسيون اليوم على أن خصم الرئيس إيمانويل ماكرون المرجح جدا في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستحل في العام 2022 ستكون زعيمة اليمين المتطرف مارين لو بن. ذلك أن المشهد السياسي يظهر أن الحزبين «الكلاسيكيين» (الديغولي والاشتراكي) لن يعودا إلى سابق عهدهما إلا بعد مرور سنوات طويلة وربما بحلة جديدة.
فضلا عن ذلك، فإن الخطر الذي كان يمثله جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا المتمرّدة» اليساري المتشدد الذي حصل على نحو 20 في المائة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ونجح في الوصول مع مجموعة من نوابه إلى الندوة البرلمانية، تراجع وهجه خلال الأشهر الماضية. فهو من جهة، لم يستطع أن يفرض نفسه «معارضاً أول» للرئيس الحالي، كما كان يطمح لذلك. ويضاف إلى ما سبق وجود نزاعات إيديولوجية وسياسية داخل الحركة التي نجحت في وقت ما بتهميش الحزب الشيوعي والحركات اليسارية الأكثر تطرفاً. بيد أن الانتخابات الأوروبية الأخيرة كشفت عن تراجعها ونزولها دون حاجز الـ10 في المائة. ولاكتمال الصورة من المفيد الإشارة إلى أن ميلونشون يعاني - وحزبه - من مشاكل مع القضاء، الأمر الذي شوّه صورته لدى الرأي العام وعرقل صعوده السياسي.
هكذا، لم يبقَ في ميدان التنافس مع ماكرون - كما تشي بذلك صورة الوضع السياسي الفرنسي - سوى مارين لو بن. والحقيقة أن الرئيس الحالي فعل كل ما كان في مقدوره كي تغدو الأمور على هذه الصورة. لقد أوجد بينه وبين لو بن الفراغ. وهذا الوضع يُريحه رغم أن حزب مارين لو بن احتل المرتبة الأولى في الانتخابات الأوروبية.
ويرى المحللون أن هذه «الثنائية» سيكون لها أثرها على التموضعات السياسية في غضون الأشهر المقبلة، ولذا نرى أن شخصيات من اليمين والوسط تلتحق بالركب الماكروني كونها راغبة في الحفاظ على مواقعها. وفي المقابل، ثمة من يجد أن لديه قرابة فكرية محافظة أو إيديولوجية يمينية مع حزب لو بن الذي يرى البعض أن صورته ما عادت تتطابق تماماً مع صورة الحزب النازي الفاشي. والقصد أن «التجمع الوطني» بات – كما يعتقد هؤلاء اليوم – حزباً يمينياً «عاديا» ولم يعد من المخجل في فرنسا ادعاء الانتماء إليه. لكن رغم ذلك كله، فإن الرأي السائد أن فرنسا ما زالت غير متقبلة لفكرة إيصال ابنة جان ماري لو بن إلى رئاسة الجمهورية. ومن ثم، في الدورة الثانية من أي منافسة رئاسية، سيميل الميزان لصالح منافس لو بن، أي إيمانويل ماكرون الذي عادت شعبيته إلى الارتفاع - خصوصاً لدى اليمين – بعدما صارت أزمة «السترات الصفراء» وراءه... وعاد ليطل على أوروبا وليلعب دورا على المستوى العالمي كما - على سبيل المثال - في أزمة الملف النووي الإيراني.
هل هذا السيناريو مؤكد؟
واضح أن لا شيء في السياسة نهائي، وأن حادثة ما أو قراراً خاطئاً من شأنهما تغيير المزاج الشعبي وإعادة خلط الأوراق. لكن إذا استمر ماكرون على سياسته، وعمد حقيقة إلى العمل ببرنامج الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والضريبية الذي وعد به بمناسبة استخلاص النتائج من «الحوار الوطني»، الذي دام شهرين ونصف، فإنه يتمتع بحظوظ كبيرة بأن يبقى في قصر الإليزيه حتى العام 2027.
الوضع الاقتصادي في فرنسا تحسّن، والبطالة بدأت بالتراجع والاستثمارات الخارجية تتدفق من جديد، وكلها عناصر تجير لصالحه.
أيضاً في أوروبا، ما زال ماكرون الرئيس الأكثر دينامية، رغم العداء الذي يثيره في إيطاليا والمجر وتشيكيا وغيرها. وبينما المستشارة الألمانية تتأهب لترك المسرح السياسي، ويبدو البريطانيون عاجزين عن الاتفاق على خطة للخروج من الاتحاد، عاد نجم الرئيس الفرنسي إلى اللمعان في السماء الأوروبية... وها هو يسعى لفرض شروطه بالنسبة لاختيار المسؤولين الكبار الخمسة (رئيس المجلس الأوروبي، ومدير المصرف المركزي الأوروبي، ومسؤول السياسة الخارجية...)، والتخلي عن القواعد التي كان معمولا بها سابقاً... بحيث تأتي التعيينات الجديدة متناسبة مع رؤيته ومشاريعه الأوروبية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.