الأسواق متفائلة بـ«هدنة تجارية مؤقتة» بين واشنطن وبكين

ارتفاع للأسهم والدولار وتراجع للملاذات الآمنة

الاتفاق يعلق الجولة القادمة من فرض رسوم جمركية أميركية على سلع صينية إضافية قيمتها 300 مليار دولار (أ.ف.ب)
الاتفاق يعلق الجولة القادمة من فرض رسوم جمركية أميركية على سلع صينية إضافية قيمتها 300 مليار دولار (أ.ف.ب)
TT

الأسواق متفائلة بـ«هدنة تجارية مؤقتة» بين واشنطن وبكين

الاتفاق يعلق الجولة القادمة من فرض رسوم جمركية أميركية على سلع صينية إضافية قيمتها 300 مليار دولار (أ.ف.ب)
الاتفاق يعلق الجولة القادمة من فرض رسوم جمركية أميركية على سلع صينية إضافية قيمتها 300 مليار دولار (أ.ف.ب)

ارتفعت أسواق الأسهم أمس الخميس، مع تجدد حالة التفاؤل بشأن التجارة، بعدما ذكر تقرير أن الولايات المتحدة والصين توصلتا لهدنة مؤقتة في نزاعهما التجاري، قبيل قمة مجموعة العشرين المرتقبة هذا الشهر.
وذكرت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقلاً عن مصادر مطلعة أمس الخميس، أن «الولايات المتحدة والصين اتفقتا على (هدنة مؤقتة) في نزاعهما التجاري»، وذلك قبيل اجتماع رئيسي البلدين خلال قمة مجموعة العشرين، غداً السبت، لإجراء حوار قد ينعش المفاوضات المتعثرة بين أكبر اقتصادين في العالم، أو يسفر عن انطلاق حرب تجارية أعمق وأعلى تكلفة، تعرقل النمو العالمي، وتؤدي لاضطراب الأسواق المالية.
وقالت الصحيفة، إن تفاصيل الاتفاق، الذي يعلق الجولة القادمة من فرض رسوم جمركية أميركية على سلع صينية إضافية قيمتها 300 مليار دولار، تجري صياغتها في صورة بيانات صحافية، وستصدر بصيغة بيانات صحافية منسقة، وليس على هيئة بيان مشترك.
ومن جهة أخرى، قال متحدث باسم وزارة التجارة الصينية أمس، إن على الولايات المتحدة أن ترفع فوراً العقوبات التي فرضتها على شركة «هواوي» الصينية لمعدات الاتصالات. وقال المتحدث قاو فنغ، إن الصين تعارض ما وصفه بـ«سوء استخدام» الولايات المتحدة لقيود الصادرات، وتحث واشنطن على العودة إلى مسار التعاون.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قد قال، الأربعاء، إن إبرام صفقة تجارية مع نظيره الصيني شي جينبينغ «أمر ممكن» عندما يجتمعان خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في اليابان؛ لكنه أبدى استعداده لفرض رسوم على جميع واردات بلاده من الصين إذا
استمرت الخلافات.
ولمح ترمب إلى إمكانية أن تكون «هواوي» جزءاً من الصفقة. وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن شي يخطط لعرض شروط على ترمب لإنهاء النزاع التجاري، تشمل رفع الحظر المفروض على مبيعات التكنولوجيا الأميركية إلى «هواوي»، وذلك نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين على الخطة.
وأضافت الصحيفة أن الصين تريد أن تلغي الولايات المتحدة جميع الرسوم العقابية، وأن تتخلى عن جهود لحمل بكين على التعهد بشراء المنتجات الأميركية بأكثر مما وافقت عليه سابقاً، في تجديد لمطالب قائمة منذ فترة طويلة.
ووضعت الولايات المتحدة «هواوي»، أكبر شركة مُصنعة لمعدات الاتصالات في العالم وثاني أكبر منتج للهواتف الذكية، على قائمة سوداء للصادرات، متعللة بمبررات تتعلق بالأمن القومي. ويمنع هذا الإدراج الموردين الأميركيين من البيع لـ«هواوي» دون الحصول على موافقات خاصة، بينما تنفي «هواوي» أن منتجاتها تشكل تهديداً أمنياً.
وفي «وول ستريت»، فتحت الأسهم الأميركية على ارتفاع طفيف أمس، مدعومة بمكاسب شركات التكنولوجيا. وانخفض المؤشر «داو جونز» الصناعي 13.10 نقطة بما يعادل 0.05 في المائة إلى 26523.72 نقطة، وزاد المؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 5.88 نقطة أو 0.20 في المائة إلى 2919.66 نقطة، وصعد المؤشر «ناسداك» المجمع 29.39 نقطة أو 0.37 في المائة إلى 7939.36 نقطة.
وفي أوروبا، وبحلول الساعة 07:04 بتوقيت غرينتش، صعد المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.16 في المائة، في حين سجل المؤشر «داكس» الألماني الشديد التأثر بالتجارة أداء أفضل بارتفاعه 0.53 في المائة.
وصعد مؤشر قطاع السيارات 0.9 في المائة، وزاد مؤشر قطاع الموارد الأساسية 1.3 في المائة؛ حيث أدى إرجاء فرض الرسوم الجمركية لارتياح بين الشركات الأكثر عرضة للضرر من تباطؤ التجارة العالمية.
وفي آسيا، أغلق المؤشر «نيكي» مرتفعاً الخميس بدعم من آمال إحراز تقدم في المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث يترقب المستثمرون بحذر ما ستسفر عنه قمة مجموعة العشرين في مطلع الأسبوع المقبل.
وارتفع «نيكي» 1.2 في المائة ليغلق عند 21338.17 نقطة. وتحسنت المعنويات إجمالاً، حيث ارتفعت الأسهم المرتبطة بالدورة الاقتصادية وأسهم الشركات ذات الانكشاف الكبير على الصين، قبيل اجتماع القمة. وزاد المؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 1.2 في المائة ليغلق عند 1553.27 نقطة.
وتمسك الدولار بمكاسب حققها خلال تعافيه من مستويات متدنية سجلها في الآونة الأخيرة، بفعل الآمال بأن الولايات المتحدة والصين ستتفقان على هدنة تجارية، رغم أن معنويات المستثمرين ما زالت هشة.
وتراجع الدولار في الأسابيع الأخيرة بفعل توقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) سيخفض أسعار الفائدة وإقبال المستثمرين على شراء عملات الملاذ الآمن، مثل الين الياباني، بسبب مخاوف النزاع التجاري.
وزاد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات، 0.1 في المائة إلى 96.351، ثم استقر عند 96.222. وارتفع الدولار إلى 1.1347 دولار لليورو في وقت سابق؛ لكنه استقر خلال الجلسة عند 1.1367 دولار بحلول الساعة 10:30 بتوقيت غرينتش.
وهبط الين، الذي قفز لأعلى مستوى في خمسة أشهر في وقت سابق من الأسبوع الجاري، إلى 108.16؛ لكنه استقر لاحقاً عند نحو 107.87 ين للدولار. واستقر الفرنك السويسري دون تغير يذكر عند 1.1117 فرنك لليورو.
وارتفع اليوان الصيني في المعاملات الخارجية 0.1 في المائة إلى 6.8802 يوان للدولار، مما ساعده على العودة صوب أعلى مستوى في ستة أسابيع عند 6.8370 يوان للدولار الذي لامسه الأسبوع الماضي. وزاد الجنيه الإسترليني 0.2 في المائة إلى 1.2714 دولار، بعد أن قال بوريس جونسون، الذي يتصدر سباق خلافة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إن فرص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق هي «واحد في المليون».
وتراجعت أسعار الذهب أمس مع ارتفاع الدولار. وبحلول الساعة 06:54 بتوقيت غرينتش، انخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.4 في المائة إلى 1402.09 دولار للأوقية (الأونصة) بعدما فقد أكثر من واحد في المائة في الجلسة السابقة. وتراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.6 في المائة إلى 1406.30 دولار للأوقية.
ومن بين المعادن النفيسة الأخرى، انخفضت الفضة 0.4 في المائة إلى 15.18 دولار للأوقية، وتراجع البلاتين 0.4 في المائة إلى 811.13 دولار للأوقية. ونزل البلاديوم 0.2 في المائة إلى 1519.10 دولار للأوقية.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.