سعيد عقل شاعر الفروسية الغاربة والأنا المتعالية والبلاغة القصوى

كان بشعره وأفكاره أحد أبرز «الأساطير» المؤسسة للكيان اللبناني

سعيد عقل
سعيد عقل
TT

سعيد عقل شاعر الفروسية الغاربة والأنا المتعالية والبلاغة القصوى

سعيد عقل
سعيد عقل

قلّ أن امتلك شاعرٌ من الشعراء ذلك الحضور الآسر وتلك الكاريزما الشخصية النادرة، اللذين امتلكهما سعيد عقل. فقد بدا شاعر «كما الأعمدة»، بقامته الفارعة، وعينيه الزرقاوين المسددتين نحو المجهول، وجبهته المرفوعة، وشَعره المبعثر في كل اتجاه، وكأنه أحد أبطال الأساطير الذين جاؤوا ليتفقدوا الأرض عند نهايات الأزمنة، قبل أن يعودوا ثانية إلى ممالكهم. وإذا كان الشاعر اللبناني الأشهر مديناً بجزء من نجوميته لموهبته الشعرية العالية، فإنه يدين بالجزء الآخر لجاذبية حضوره ومظهره الأنيق وصوته الراعد الأجش، إضافة بالطبع إلى مواقفه السياسية الجريئة التي طالما أثارت ريبة البعض، وإعجاب البعض الآخر. لقد بدا سعيد عقل مختلفاً عن الشعراء، ليس في نقل القصيدة العربية الخليلية نحو فضاءات لغوية وأسلوبية مبتكرة فحسب، بل في رؤيته إلى الحياة بوصفها فرصة ثمينة لا يجب إهدارها على مذبح الشهوات والملذات الدنيوية العابرة، وهو الذي استطاع أن يتجاوز بسنتين حاجز الأعوام المائة، فيما لم يُكتب لمعظم الشعراء عبر العصور أن يبلغوا نصف هذا الرقم، كما كان حال جون كيتس وجبران خليل جبران وأبي القاسم الشابي وبودلير ورامبو وبدر شاكر السياب. وإذ يفسر بابلو بيكاسو الأعمار القصيرة للشعراء بكونهم يأتون إلى الكتابة بكامل النيران التي تسري في دواخلهم، يذهب بالمقابل إلى القول إن الرسامين يعيشون حياة أطول لأنهم «كائنات نباتية»، ولأنهم «يخلعون أجسادهم على عتبات المراسم، ويخلطون ألوانهم بهدوء بالغ». ومع أن مقولة بيكاسو لا تنسحب على جميع المبدعين، فإن «النباتية» التي تحدث عنها الفنان الإسباني تنطبق أشد الانطباق على مقاربة سعيد عقل للعالم، سواء من حيث السكينة المطمئنة التي يركن إليها قلبه، أو من حيث ازدرائه للألم، واعتباره الفرح أساساً للكتابة والحياة.
لقد بدت وسامة سعيد عقل وأناقته المفرطة وكأنهما الوجه الآخر لوسامة لغته ولأناقته الأسلوبية، كما أن ترفعه الأخلاقي ومنظومة القيم التي اعتنقها في حياته كانا متساوقين تماماً مع ما دافع عنه في شعره من مبادئ ومُثل ومفاهيم تتعلق بالنبل والشجاعة والشهامة والتعفف وكرم النفس. وهو إذ يربط الشعر بالفروسية لا يكتفي بدحض فكرة الشاعر الصعلوك التي جسدها عشرات الشعراء عبر العصور، بل يقترب إلى حد بعيد من صورة الشعراء الفرسان في القرون الوسطى، على أن كبرياءه ونرجسيته المتفاقمة ظلا يحولان دائماً دون التوله في الحب، أو الوقوع فريسة لما يرى فيه تخلياً عن الكرامة وإذلالاً للنفس. وإذا كان عقل يختلف مع المتنبي فيما يتعلق بعزوفه عن مديح الحكام، فإنه يتشاطر معه في الفحولة، وفي العصب الذكوري للغة، كما في تفاقم الأنا وامتداح الذات. ولعل توقه للوصول إلى السلطة السياسية على جميع مستوياتها، الذي لم يصبه منه سوى الفشل والإخفاق، لم يكن سوى تعبير جلي عن الرغبة الجامحة في الجمع بين سلطة اللغة التي تحتضنها الموهبة العالية، وسلطة السياسة والحكم التي لا تجد ما يسندها على أرض الواقع. وما التضخيم المفرط لصورة لبنان وحجمه في شعر سعيد عقل ونثره وخطبه المنبرية سوى تضخيم من نوعٍ ما للأنا الفردية التي حاول الشاعر عامداً مماهاتها مع «أنا» الجماعة، حيث لا بد للشعر، إزاء تواضع الجغرافيا، أن يتكفل بتصحيح الخريطة وتكبير الأحجام: «ومن الموطن الصغير نرود الأرضَ، نذرّي في كل شطّ قرانا \ نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني، أنّى نشأ، لبنانا».
يبدو العالم عند سعيد عقل مرسوماً في الذهن، ومستخلصاُ من مُثل عليا ونماذج أولية وتصورات مسبقة لا صلة فعلية لها بالواقع المعيش، لذلك فليس للمدن التي يكتب عنها، مثل عمان والشام وبغداد ومكة والقدس وغيرها، مرجعية على أرض الواقع، بل على أرض البلاغة والتأنق الجمالي، وكذلك الأمر مع النساء والأوطان والأماكن التي يقاربها شعره. وإذ يستشعر عقل أن الواقع الراهن ليس كافياً للبرهنة على تصوراته، يعمد إلى أسطرة التاريخ، كما في قدموس وبنت يفتاح، أو يختلق من عندياته كثيراً من الأساطير التي تعزز لديه نزعة التفوق النيتشوي. والشعر عنده هو بدوره مركّبٌ أسطوري يحلّق فوق الحياة، ولا يصطدم بمادتها الترابية وشقائها المرهق ومكابداتها اليومية. من هنا، نفهم اشتباكه النقدي مع إلياس أبو شبكة، واحتجاجه الدائم على شعرية الألم والتأوه الرومانسي والرخاوة العاطفية. ومع تأكيد عقل على أهمية الموهبة الفطرية بالنسبة للشاعر، فإنه يلتقي من جانب آخر مع الرمزيين الذين يربطون الشعر بالكدح والصناعة والسعي المضني لتجريد اللغة من زوائدها، كما هو حال النحاتين مع الصخور والمعادن. هكذا، تصبح الكتابة رديفاً للهندسة والنمنمة اللفظية، وللعُروض البلاغية التي عصيت مجاراتها على كثير من مقلديه والمفتونين بقصائده. ولأن صاحب «رندلى» كان مهجوساً بالفخامة اللفظية والجمال التعبيري، بمعزل عن طبيعة الموضوع المتناول، فإنه لا يخلف حتى في مراثيه أي شعور بالحزن أو التفجع والخسارة، بل إن ما يخلّفه في دواخل قرائه وسامعيه هو الشعور بالنشوة والذهول إزاء براعة التأليف وغرابة الصور وتراقص الإيقاعات. كما أنه لا يكتفي بالتنافس مع الأحياء على ذرى الحياة، بل هو يلاحق الموتى إلى قبورهم، ليقاسمهم حصتهم من العبقرية والمجد، فيقول في رثائه لشولوخوف: «لئن تحكِ عن نهرٍ، فشطر قصيدتي \ يطلّ، وهزّ السيف يكتمل النهرُ \ أغني أنا لبنانَ أجمل ما شدا \ كناري غصنٍ رقّ، لكنه نسرُ \ وأنت تغني رقعة من جبالها \ جبالٌ عليها متعباً يتّكي الدهرُ». وهو إذ تحتفي زحلة بذكرى أحمد شوقي، لا يتوانى عن تذكيره بأن الإمارة على الشعر ليست مسألة محسومة تماماً، وأنه يحاوره من موقع الند، إن لم يكن من موقع المتقدم: «على اسمك بين الحور أَغوى وأهدرُ \ أنا النهر، شوقي، أيّنا اليوم أشعَرُ؟». وفي غير محاضرة له، كان عقل يذكّر الحاضرين بأن الفارق بين شوقي وبينه يمكن أن يختزله تعريف الأول التقريري للشعر، إذ يقول: «والشعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة \ أو حكمة، فهو تقطيع وأوزانُ»، وبين تعريفه هو لهذا الفن عبر بيتيه المميزين: «الشعر قبضٌ على الدنيا مشعشعة \ كما وراء قميصٍ شعشعتْ نجُمُ \ فأنت والكون تياهان، كأس طلى \ دُقّت بكأسٍ وحلمٌ لمّه حلٌمُ».
وإذ تحتل المرأة الحيز الأكبر من شعر سعيد عقل، يعمد الشاعر بالمقابل إلى أسطرتها وتنزيهها عن لواحق الغرائز الجسدية والدنس الشهواني. صحيح أن مجموعات من مثل «دلزى» و«رندلى» و«أجمل منك؟ لا»، تكتظ بالإشارات الجسدية المتصلة بالعنق والخصر والفم والنهد والساقين، ولكن المرأة في هذه الإشارات المتناثرة تبدو أقرب إلى المنحوتة أو الأنموذج الجمالي المنتزع من الأحلام والتصورات، لا من الحضور الواقعي للمرأة التي نعرفها. النساء هنا وليدات الخيال ومخترعاتٌ بالكامل، بدءاً من الأسماء غير المألوفة، مثل أغنار ورندلى ونلّارا وجلنار ونيانار ومركيان، وحتى الجسد الفينوسي الذي يخلصه الشاعر من شبقيته ليحيله إلى طقس جمالي طهور، وهو ما يظهر بوضوح في قول الشاعر مخاطباً المرأة المتخيلة: «سكناكِ في الظن، وهذي الدّنى \ تلهّفٌ باكٍ وقلبٌ حسودْ \ كُوّنت من توقٍ إلى الحسن، لا منكِ \ ومن مدّ يدٍ صوب جودْ». أو المرأة القائمة على شفا التحقق: «هممتِ بأن تخطري في الوجود ولم تفعلي». أو المرأة المتعالية عن ربق المحسوس: «أنا لا لأُضمّ ولا لأشَمّ \ أنا، دعني، حلمٌ يُحلمْ». أو المرأة المستبعدة والمؤجلة «ظَلّي على شفتي شوقهما، وفي جفني ذهولَهْ \ ظلي الغد المنشود يسبقنا الممات إليه غيله».
ولأن مثالية سعيد عقل المتعالية تدفعه إلى استبدال «سفليّة» الحياة باللغة المتعالية، فهو يستبعد من الشعر كل ما يراه غير لائق بمنمنماته المصنوعة بإتقان، وبمنحوتاته النظمية المتخففة من الزوائد. وهو إذ يفترق عن الحداثة في احتفائها بنثرية التفاصيل، كما بالمعيش واليومي والهامشي، يلتقي معها في الخروج على رتابة القول الشعري النمطي والمستهلك، وفي البحث عن منظور للكتابة يحتفي بالجديد والطازج والمغاير إلى حد الإدهاش. وإلى صوره الغريبة وغير المألوفة، ثمة في شعره تراكيب وصياغات واشتقاقات لم يسبقه إليها أحد من شعراء الخليل، وثم معرفة عميقة بالموسيقى مكنته من التصرف بالأوزان والبحور، خصوصاً المتروكة منها، كالمضارع والمنسرح والمجتث، إلى نوع من الرقص الماهر، أو التطريز الجمالي، أو اللعب المجاني. كما أن وصوله بالنموذج الخليلي إلى ذراه الأخيرة سهل طريق التغيير لجيل جديد من الرياديين الذين بادروا عبر شعر التفعيلة إلى خلخلة البيت الشعري وأنساقه الإيقاعية الرتيبة. وإذا كان سعيد عقل قد أهدى لفيروز بعض أجمل نصوصه، وشاطر الأخوين رحباني مشروعهما الفني والإبداعي، فإنه شكّل - وما يزال - الرافعة الشعرية والآيديولوجية لفكرة الوطن المتفرد، وبات جزءاً لا يتجزأ من الأساطير المؤسسة للكيان اللبناني. ومن الخطأ بمكان، أخيراً، أن نحاكم سعيد عقل على آرائه في السياسة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد، فمعظم تلك الآراء لا يستند إلا إلى تصورات وتهويمات نابعة من شعوره بالتفوق والعظمة، ومن كونه المبدع الموسوعي المحيط بكل شاردة من شوارد العالم وكشوفه العلمية والأدبية. أما دعوته إلى التخلي عن العربية الفصحى لمصلحة المحكية أو الحرف اللاتيني، فأبلغ ردّ عليها هو شعره الفصيح الذي يتجاوز بأشواط نماذجه المحكية. لكأنه وقد وصل بلغة الضاد إلى «سكون الحسن»، وتخومه الملاصقة للصمت والإمحاء، أراد أن يفعل بها كما فعل مايكل أنجلو بالتمثال الذي كاد يستوي بشراً سوياً بين يديه، فصاح به وهو يكسره من فرط الدهشة «انطق، يا موسى!».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.