سعيد عقل شاعر الفروسية الغاربة والأنا المتعالية والبلاغة القصوى

كان بشعره وأفكاره أحد أبرز «الأساطير» المؤسسة للكيان اللبناني

سعيد عقل
سعيد عقل
TT

سعيد عقل شاعر الفروسية الغاربة والأنا المتعالية والبلاغة القصوى

سعيد عقل
سعيد عقل

قلّ أن امتلك شاعرٌ من الشعراء ذلك الحضور الآسر وتلك الكاريزما الشخصية النادرة، اللذين امتلكهما سعيد عقل. فقد بدا شاعر «كما الأعمدة»، بقامته الفارعة، وعينيه الزرقاوين المسددتين نحو المجهول، وجبهته المرفوعة، وشَعره المبعثر في كل اتجاه، وكأنه أحد أبطال الأساطير الذين جاؤوا ليتفقدوا الأرض عند نهايات الأزمنة، قبل أن يعودوا ثانية إلى ممالكهم. وإذا كان الشاعر اللبناني الأشهر مديناً بجزء من نجوميته لموهبته الشعرية العالية، فإنه يدين بالجزء الآخر لجاذبية حضوره ومظهره الأنيق وصوته الراعد الأجش، إضافة بالطبع إلى مواقفه السياسية الجريئة التي طالما أثارت ريبة البعض، وإعجاب البعض الآخر. لقد بدا سعيد عقل مختلفاً عن الشعراء، ليس في نقل القصيدة العربية الخليلية نحو فضاءات لغوية وأسلوبية مبتكرة فحسب، بل في رؤيته إلى الحياة بوصفها فرصة ثمينة لا يجب إهدارها على مذبح الشهوات والملذات الدنيوية العابرة، وهو الذي استطاع أن يتجاوز بسنتين حاجز الأعوام المائة، فيما لم يُكتب لمعظم الشعراء عبر العصور أن يبلغوا نصف هذا الرقم، كما كان حال جون كيتس وجبران خليل جبران وأبي القاسم الشابي وبودلير ورامبو وبدر شاكر السياب. وإذ يفسر بابلو بيكاسو الأعمار القصيرة للشعراء بكونهم يأتون إلى الكتابة بكامل النيران التي تسري في دواخلهم، يذهب بالمقابل إلى القول إن الرسامين يعيشون حياة أطول لأنهم «كائنات نباتية»، ولأنهم «يخلعون أجسادهم على عتبات المراسم، ويخلطون ألوانهم بهدوء بالغ». ومع أن مقولة بيكاسو لا تنسحب على جميع المبدعين، فإن «النباتية» التي تحدث عنها الفنان الإسباني تنطبق أشد الانطباق على مقاربة سعيد عقل للعالم، سواء من حيث السكينة المطمئنة التي يركن إليها قلبه، أو من حيث ازدرائه للألم، واعتباره الفرح أساساً للكتابة والحياة.
لقد بدت وسامة سعيد عقل وأناقته المفرطة وكأنهما الوجه الآخر لوسامة لغته ولأناقته الأسلوبية، كما أن ترفعه الأخلاقي ومنظومة القيم التي اعتنقها في حياته كانا متساوقين تماماً مع ما دافع عنه في شعره من مبادئ ومُثل ومفاهيم تتعلق بالنبل والشجاعة والشهامة والتعفف وكرم النفس. وهو إذ يربط الشعر بالفروسية لا يكتفي بدحض فكرة الشاعر الصعلوك التي جسدها عشرات الشعراء عبر العصور، بل يقترب إلى حد بعيد من صورة الشعراء الفرسان في القرون الوسطى، على أن كبرياءه ونرجسيته المتفاقمة ظلا يحولان دائماً دون التوله في الحب، أو الوقوع فريسة لما يرى فيه تخلياً عن الكرامة وإذلالاً للنفس. وإذا كان عقل يختلف مع المتنبي فيما يتعلق بعزوفه عن مديح الحكام، فإنه يتشاطر معه في الفحولة، وفي العصب الذكوري للغة، كما في تفاقم الأنا وامتداح الذات. ولعل توقه للوصول إلى السلطة السياسية على جميع مستوياتها، الذي لم يصبه منه سوى الفشل والإخفاق، لم يكن سوى تعبير جلي عن الرغبة الجامحة في الجمع بين سلطة اللغة التي تحتضنها الموهبة العالية، وسلطة السياسة والحكم التي لا تجد ما يسندها على أرض الواقع. وما التضخيم المفرط لصورة لبنان وحجمه في شعر سعيد عقل ونثره وخطبه المنبرية سوى تضخيم من نوعٍ ما للأنا الفردية التي حاول الشاعر عامداً مماهاتها مع «أنا» الجماعة، حيث لا بد للشعر، إزاء تواضع الجغرافيا، أن يتكفل بتصحيح الخريطة وتكبير الأحجام: «ومن الموطن الصغير نرود الأرضَ، نذرّي في كل شطّ قرانا \ نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني، أنّى نشأ، لبنانا».
يبدو العالم عند سعيد عقل مرسوماً في الذهن، ومستخلصاُ من مُثل عليا ونماذج أولية وتصورات مسبقة لا صلة فعلية لها بالواقع المعيش، لذلك فليس للمدن التي يكتب عنها، مثل عمان والشام وبغداد ومكة والقدس وغيرها، مرجعية على أرض الواقع، بل على أرض البلاغة والتأنق الجمالي، وكذلك الأمر مع النساء والأوطان والأماكن التي يقاربها شعره. وإذ يستشعر عقل أن الواقع الراهن ليس كافياً للبرهنة على تصوراته، يعمد إلى أسطرة التاريخ، كما في قدموس وبنت يفتاح، أو يختلق من عندياته كثيراً من الأساطير التي تعزز لديه نزعة التفوق النيتشوي. والشعر عنده هو بدوره مركّبٌ أسطوري يحلّق فوق الحياة، ولا يصطدم بمادتها الترابية وشقائها المرهق ومكابداتها اليومية. من هنا، نفهم اشتباكه النقدي مع إلياس أبو شبكة، واحتجاجه الدائم على شعرية الألم والتأوه الرومانسي والرخاوة العاطفية. ومع تأكيد عقل على أهمية الموهبة الفطرية بالنسبة للشاعر، فإنه يلتقي من جانب آخر مع الرمزيين الذين يربطون الشعر بالكدح والصناعة والسعي المضني لتجريد اللغة من زوائدها، كما هو حال النحاتين مع الصخور والمعادن. هكذا، تصبح الكتابة رديفاً للهندسة والنمنمة اللفظية، وللعُروض البلاغية التي عصيت مجاراتها على كثير من مقلديه والمفتونين بقصائده. ولأن صاحب «رندلى» كان مهجوساً بالفخامة اللفظية والجمال التعبيري، بمعزل عن طبيعة الموضوع المتناول، فإنه لا يخلف حتى في مراثيه أي شعور بالحزن أو التفجع والخسارة، بل إن ما يخلّفه في دواخل قرائه وسامعيه هو الشعور بالنشوة والذهول إزاء براعة التأليف وغرابة الصور وتراقص الإيقاعات. كما أنه لا يكتفي بالتنافس مع الأحياء على ذرى الحياة، بل هو يلاحق الموتى إلى قبورهم، ليقاسمهم حصتهم من العبقرية والمجد، فيقول في رثائه لشولوخوف: «لئن تحكِ عن نهرٍ، فشطر قصيدتي \ يطلّ، وهزّ السيف يكتمل النهرُ \ أغني أنا لبنانَ أجمل ما شدا \ كناري غصنٍ رقّ، لكنه نسرُ \ وأنت تغني رقعة من جبالها \ جبالٌ عليها متعباً يتّكي الدهرُ». وهو إذ تحتفي زحلة بذكرى أحمد شوقي، لا يتوانى عن تذكيره بأن الإمارة على الشعر ليست مسألة محسومة تماماً، وأنه يحاوره من موقع الند، إن لم يكن من موقع المتقدم: «على اسمك بين الحور أَغوى وأهدرُ \ أنا النهر، شوقي، أيّنا اليوم أشعَرُ؟». وفي غير محاضرة له، كان عقل يذكّر الحاضرين بأن الفارق بين شوقي وبينه يمكن أن يختزله تعريف الأول التقريري للشعر، إذ يقول: «والشعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة \ أو حكمة، فهو تقطيع وأوزانُ»، وبين تعريفه هو لهذا الفن عبر بيتيه المميزين: «الشعر قبضٌ على الدنيا مشعشعة \ كما وراء قميصٍ شعشعتْ نجُمُ \ فأنت والكون تياهان، كأس طلى \ دُقّت بكأسٍ وحلمٌ لمّه حلٌمُ».
وإذ تحتل المرأة الحيز الأكبر من شعر سعيد عقل، يعمد الشاعر بالمقابل إلى أسطرتها وتنزيهها عن لواحق الغرائز الجسدية والدنس الشهواني. صحيح أن مجموعات من مثل «دلزى» و«رندلى» و«أجمل منك؟ لا»، تكتظ بالإشارات الجسدية المتصلة بالعنق والخصر والفم والنهد والساقين، ولكن المرأة في هذه الإشارات المتناثرة تبدو أقرب إلى المنحوتة أو الأنموذج الجمالي المنتزع من الأحلام والتصورات، لا من الحضور الواقعي للمرأة التي نعرفها. النساء هنا وليدات الخيال ومخترعاتٌ بالكامل، بدءاً من الأسماء غير المألوفة، مثل أغنار ورندلى ونلّارا وجلنار ونيانار ومركيان، وحتى الجسد الفينوسي الذي يخلصه الشاعر من شبقيته ليحيله إلى طقس جمالي طهور، وهو ما يظهر بوضوح في قول الشاعر مخاطباً المرأة المتخيلة: «سكناكِ في الظن، وهذي الدّنى \ تلهّفٌ باكٍ وقلبٌ حسودْ \ كُوّنت من توقٍ إلى الحسن، لا منكِ \ ومن مدّ يدٍ صوب جودْ». أو المرأة القائمة على شفا التحقق: «هممتِ بأن تخطري في الوجود ولم تفعلي». أو المرأة المتعالية عن ربق المحسوس: «أنا لا لأُضمّ ولا لأشَمّ \ أنا، دعني، حلمٌ يُحلمْ». أو المرأة المستبعدة والمؤجلة «ظَلّي على شفتي شوقهما، وفي جفني ذهولَهْ \ ظلي الغد المنشود يسبقنا الممات إليه غيله».
ولأن مثالية سعيد عقل المتعالية تدفعه إلى استبدال «سفليّة» الحياة باللغة المتعالية، فهو يستبعد من الشعر كل ما يراه غير لائق بمنمنماته المصنوعة بإتقان، وبمنحوتاته النظمية المتخففة من الزوائد. وهو إذ يفترق عن الحداثة في احتفائها بنثرية التفاصيل، كما بالمعيش واليومي والهامشي، يلتقي معها في الخروج على رتابة القول الشعري النمطي والمستهلك، وفي البحث عن منظور للكتابة يحتفي بالجديد والطازج والمغاير إلى حد الإدهاش. وإلى صوره الغريبة وغير المألوفة، ثمة في شعره تراكيب وصياغات واشتقاقات لم يسبقه إليها أحد من شعراء الخليل، وثم معرفة عميقة بالموسيقى مكنته من التصرف بالأوزان والبحور، خصوصاً المتروكة منها، كالمضارع والمنسرح والمجتث، إلى نوع من الرقص الماهر، أو التطريز الجمالي، أو اللعب المجاني. كما أن وصوله بالنموذج الخليلي إلى ذراه الأخيرة سهل طريق التغيير لجيل جديد من الرياديين الذين بادروا عبر شعر التفعيلة إلى خلخلة البيت الشعري وأنساقه الإيقاعية الرتيبة. وإذا كان سعيد عقل قد أهدى لفيروز بعض أجمل نصوصه، وشاطر الأخوين رحباني مشروعهما الفني والإبداعي، فإنه شكّل - وما يزال - الرافعة الشعرية والآيديولوجية لفكرة الوطن المتفرد، وبات جزءاً لا يتجزأ من الأساطير المؤسسة للكيان اللبناني. ومن الخطأ بمكان، أخيراً، أن نحاكم سعيد عقل على آرائه في السياسة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد، فمعظم تلك الآراء لا يستند إلا إلى تصورات وتهويمات نابعة من شعوره بالتفوق والعظمة، ومن كونه المبدع الموسوعي المحيط بكل شاردة من شوارد العالم وكشوفه العلمية والأدبية. أما دعوته إلى التخلي عن العربية الفصحى لمصلحة المحكية أو الحرف اللاتيني، فأبلغ ردّ عليها هو شعره الفصيح الذي يتجاوز بأشواط نماذجه المحكية. لكأنه وقد وصل بلغة الضاد إلى «سكون الحسن»، وتخومه الملاصقة للصمت والإمحاء، أراد أن يفعل بها كما فعل مايكل أنجلو بالتمثال الذي كاد يستوي بشراً سوياً بين يديه، فصاح به وهو يكسره من فرط الدهشة «انطق، يا موسى!».



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.