مشتل الخرج... راصد التحولات وشاهد التغييرات في السعودية خلال عقود

بوصلة «الترفيه» تتجه إلى «السيح» وتعيد ذكريات عن الحياة الفنية عبر متنزهها الأشهر

يصل عدد زوار متنزه المشتل في الأعياد إلى 5000 زائر يومياً (تصوير : خالد الخميس)
يصل عدد زوار متنزه المشتل في الأعياد إلى 5000 زائر يومياً (تصوير : خالد الخميس)
TT

مشتل الخرج... راصد التحولات وشاهد التغييرات في السعودية خلال عقود

يصل عدد زوار متنزه المشتل في الأعياد إلى 5000 زائر يومياً (تصوير : خالد الخميس)
يصل عدد زوار متنزه المشتل في الأعياد إلى 5000 زائر يومياً (تصوير : خالد الخميس)

أعادت الحفلات الترفيهية والغنائية التي نظّمتها هيئة الترفيه السعودية في عدد من مناطق المملكة ومن ضمنها الحفل الغنائي الذي احتضنته مؤخراً الصالة الرياضية في نادي الشعلة بمحافظة الخرج (80 كيلومتراً جنوب شرقي الرياض)، وأحياها مجموعة من الفنانين السعوديين، أعادت هذه الاحتفالية الغنائية المشهد ذاته قبل عدة عقود التي أقيمت في أمكنة متعددة في المنطقة، ومنها مشتل الخرج الذي يعد واحداً من أشهر المتنزهات في السعودية قبل عدة عقود، وكان متنفساً لسكان العاصمة الرياض ومنطقة الخرج، ولا يزال المشتل قائماً إلى اليوم بعد إعادة تأهيله من جديد، يحكي قصة التحول الاجتماعي في البلاد وشاهداً على النقلات والتغييرات الفكرية التي حدثت منذ أكثر من سبعة عقود، وبلغ أوجه اليوم، حيث مثّل المشتل وجهة ترفيهية لسكان العاصمة الرياض والخرج، وشهد فعاليات ونشاطات وبرامج متعددة كان الطرب حاضراً فيها.
ومتنزه المشتل أُسس في عهد الملك عبد العزيز، كمحطة تجارب واستزراع الشتلات لصالح مشروع الخرج الزراعي الذي أمر الملك المؤسس بإنشائه عام 1934 كأقدم المشاريع الزراعية في السعودية لتأمين احتياجات السكان من التمور والخضار والفواكه، ومنتج البرسيم لأعلاف المواشي، وتحول بعد سنوات إلى متنزه يعد الأشهر في المنطقة.
«الشرق الأوسط» زارت متنزه المشتل ورصدت تاريخه، واسترجعت ذكريات عمرها ثمانية عقود، كشفت أنّ الترفيه كان مطلباً للسكان وتوجهاً للدولة خلال تلك العقود، ليعود هذا المشهد من جديد، بعد أن فرضت ظروف وأحداث وتجاذبات فكرية في المشهد الاجتماعي، وأبطأت سير عجلة الترفيه، حيث احتضن المشتل، مع أمكنة أخرى كالأندية، حفلات غنائية أحياها فنانون كبار لصالح الزوار، بالإضافة إلى برامج ترفيهية ورياضية متعددة ترضي جميع الأذواق.
ويقول سعود الخريف أحد المهتمين بتاريخ الخرج وذاكرة المنطقة، عن المشتل: «إنّ المشتل الخرج الذي أُقيم على مساحة 60 ألف متر مربع كان يُسقى بالمياه من خلال قناة مائية جارية من عيون الخرج الشهيرة، التي نضبت قبل سنوات، وكان زواره يفدون إليه من العاصمة الرياض ومحافظات ومراكز الخرج خلال إجازة نهاية الأسبوع، التي كانت محددة بيوم واحد فقط وهو الجمعة، والبعض يفد إليه مساء الخميس ليتسنى له الاستمتاع بأكبر قدر من الوقت في المتنزه الأشهر بين أشجاره الوارفة، من نوع الكينا، وأزهار الدفلى، وأشجار الياسمين الرشيقة، والاستمتاع بزقزقة الطيور، وخرير الماء الذي يجري في قناة طينية وإسمنتية تسبح فيها أسماك القراح، وممارسة السباحة في مسبحه الكبير الذي تتزاحم فيه مناكب ممارسي هذه الرياضة، ويرتشفون ألبان مشروعها الزراعي الشهي، ويتناولون الكريمة المثلجة (آيس كريم) بكؤوسها المصنوعة من البسكويت»، مشيراً إلى أنّ المشتل أحيا فيه فنانون وممثلون وفرق شعبية ألواناً من الطرب، حيث كانت نغمات الأعواد وقرع الطبول تملأ المكان ضجيجاً، وتجبر المتنزهين على التحلق أمام المؤدّين، وتتعالى الأصوات مرددة:
ألا ياهل الطايف متى ينتهي المشوار
تجون عندنا في مشتل الخرج بالديرة
أنا تل قلبي تل هوى البال في المشتل
أبو مبسمٍ يقتل عيون قتاله
ويشير سعود الخريف إلى أنّ المشتل شهد زيارة تاريخية للملك حسين بن طلال ملك الأردن، برفقة الملك سعود عندما كان ولياً للعهد، مما يؤكد أنّ المشتل كانت له مكانة سياحية تستحق الزيارة، كما زاره مشاهير، لافتاً إلى أنّ الفنان حمد الطيار ابن الخرج كان له حضور دائم في المشتل، وكذلك الفنانين: سعد إبراهيم، وسلامة العبد الله، وطارق عبد الحكيم، وحمدي سعد، وسالم الحويل، وعبد القادر حلواني، وفهد بن سعيد، والفنان البحريني محمد راشد الرفاعي، وشادي الرياض. كما زار المشتل فنانون في بداية انطلاقتهم كالفنان رابح صقر والفنان عبد المجيد عبد الله، كما كان للشعراء الشعبيين حضور في فعاليات المشتل منهم: أحمد الناصر، وسليمان بن حاذور، ومحمد السويلم، كما كانت فرق السامري من مختلف المناطق تفد إلى المشتل لإحياء ألوان من فنونهم الشعبية، كما استقبل المشتل فرقاً كشفية من مختلف المناطق لإقامة معسكرات كشفية، وحضور الفعاليات المختلفة فيه، وسجل المشتل حضوراً لبعض نجوم التمثيل كالراحلين بكر الشدي، وراشد السكران، وعبد الله السدحان ومحمد الكنهل، كما اعتاد الزوار على إطلاق الضحكات وهم يستمعون إلى الممثل عبد العزيز الهزاع وهو يقلّد أصواتاً لافتة مع رفيق دربه المنولوجست سعد التمامي وهما ثنائي أسسا البدايات الحقيقية لهذا اللون الفني واشتهرا على مستوى السعودية والخليج والعالم العربي، وحضر اللاعب الشهير ماجد عبد الله في بدايات مشواره الكروي إلى المشتل ومارس السباحة في مسبحها الأولمبي الفريد من نوعه على مستوى المملكة في الفن المعماري والتصميم المميز، وكان المسبح عامل جذب لزوار المشتل، ونُظمت فيه بطولة المنطقة الوسطى للسباحة عام 1965.
وانتشر في المشتل باعة الآيس كريم واللبن والحليب بعربات يتجولون بها في أرجاء المشتل، كما انتشر مصورون من الجنسية اليمنية يحملون كاميرات تقليدية تطبع فورياً للراغبين في التقاط صور تذكارية.
وذكرت أميرة الغامدي مسؤولة التسويق في المتنزه أن المعدل اليومي للزوار حالياً يصل إلى 400 زائر في الأيام العادية في حين يرتفع هذا العدد إلى ألفي زائر وزائرة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويصل عدد الزوار في الأعياد إلى 5000 زائر، مشيرةً إلى أنّ المشتل يشهد تنظيم مهرجانات واحتفالات نسائية ومسابقات وبرامج للأطفال.
وفي الوقت الذي خلا المشتل قبل عقود من وجود مطاعم ومقاهٍ لتأمين الوجبات والمشروبات لطالبيها بسبب أنّ الزوار يُحضرونها من منازلهم وإعدادها داخل المشتل باستخدام المواقد والأساليب التقليدية، انتشرت في أرجاء المشتل حالياً محلات تقدم هذه الخدمات، وفي هذا الصدد يقول مهدي هزازي وهو مستأجر محل لإعداد الفطائر والعصائر والمياه لبيعها للزوار، إنّ الإقبال على شراء هذه المنتجات ضعيف بسبب جلب الزوار احتياجاتهم منها من منازلهم.
ودفعت الأهمية السياحية والترفيهية التي كان عليها مشتل الخرج أو متنزه المشتل كما يسمى في الوقت الحاضر، وأُسندت إدارته وتشغيله إلى القطاع الخاص، وإلى الكثير من الباحثين والكتّاب إلى التأليف عن المتنزه الأشهر في وسط السعودية، حيث أنجزت سارة الخزيم كتاباً عن الخرج دوّنت فيه بما يشبه السيرة الذاتية ذكرياتها عن المنطقة من خلال محطات مرت بها وعايشتها حمل عنوان «أفياء المشتل»، ورصدت فيه قصة البناء والتحول في بلادها من خلال التغييرات التي حدثت في مدينتها الصغيرة والتي بدأت ملامحها تتغير وعرّجت فيه على المشتل.
ورسم الكاتب عبد الله الجعيثن صورة مشتل الخرج قديماً كزائر له قادماً من العاصمة الرياض متناولاً «مقاربات بين الشعبي والفصيح من خلال مشتل الخرج، وحدائق قرطبة بالأندلس»، موضحاً «أنّ مشتل الخرج كان أحلى متنزه لنا نحن سكان الرياض، نفرح بالذهاب إليه، والمرح بين يديه والاستمتاع بأشجاره وسماع تغريد طيوره، والجلوس حول ساقيه الجاري وزيارة عيون الخرج التي كانت تتملئ بالماء حتى تفيض... ولكنّها الآن تغيض وتطلق دمعتها الأخيرة...»، مضيفاً: «قد يبدو من غير المقبول مقاربة مشتل الخرج وأشجاره المتواضعة بحدائق الأندلس الرائعة، فضلاً عن المقارنة، ولكنّ الحكاية لا تُروى بهذه الطريقة، وإنّما بمدى إحساس الناس نحو المكان... فإن إحساس (المتنزهين في مشتل الخرج)، في هذا الزمن القريب لا يقل متعةً ودهشةً عن إحساس الناس بمتنزهات وحدائق الأندلس وقرطبة في ذلك الزمان، فوقتها كان الكثيرون لم يسافروا خارج المملكة ولم يروا غير الصحراء القاحلة والقرى الشاحبة، فكان مشتل الخرج في عيونهم غاية في الجمال، وغابة من الأشجار وشلالاً من الجمال والمتعة، وكان تأثيره في الإحساس والوجدان يقاس بتأثير حدائق قرطبة لدى عرب الأندلس في ذلك الزمان، فهم اعتادوا عليها ولم تعد تدهشهم بشكل يفوق دهشة المتناثرين حول مشتل الخرج وساقيه الذي يجري وهو يدندن ويغني».
وزاد الجعيثن بالقول: «إن مشتل الخرج أُعيد تأهيله الآن، ولكن الإنسان لم يعد هو ذلك الإنسان، والفرحة السهلة لم تعد كما كانت في ذلك الزمان... ثم دار الزمان دورته، فذبل مشتل الخرج الشهير وتوقف ساقيه عن الجريان وغاضت عيونه فلم تبقَ إلا دموع، وزحف العمران على الأشجار وسحق الأزهار وطرد الطيور، وتغير كل شيء بسرعة عجيبة... ولكنّ ذكريات مشتل الخرج الجميل لا تزال تداعب جيلي إلى الآن... ولا تزال نزهاته المتميزة محفورة في الذاكرة».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».