بريطانيا على مفترق طرق

في 18 سبتمبر قد تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة إذا صوتت بنعم بعد 300 عام على الاتحاد

بريطانيا على مفترق طرق
TT

بريطانيا على مفترق طرق

بريطانيا على مفترق طرق

الاستطلاعات الأخيرة حول استفتاء استقلال اسكوتلندا عن بريطانيا والمزمع تنظيمه في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي تشير إلى أن الانفصاليين تغلبوا ولأول مرة على الوحدويين بفارق نقطتين، في آخر استطلاع نشرت نتائجه يوم السبت الماضي.
نتائج الاستفتاء قد تقوض مكانة بريطانيا على الساحة الدولية، بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الخارجية، وحتى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، والتي ستصبح موضع نقاش من قبل بعض الدول الصاعدة، مثل الهند والبرازيل.
وأظهر استطلاع رأي نشرت نتائجه قبل أيام زيادة مثيرة في تأييد استقلال اسكوتلندا مع اقتراب موعد الاستفتاء، الذي قد ينهي أكثر من 300 عام من الوحدة مع باقي أجزاء المملكة المتحدة التي تضم إلى جانب اسكوتلندا، ويلز وآيرلندا الشمالية والشقيقة الكبرى إنجلترا، الأكبر من ناحية عدد السكان والاقتصاد.
لو أجاب الاسكوتلنديون بكلمة «نعم» للانفصال في الاستفتاء فإن ذلك سيضع نهاية للاتحاد بين لندن وأدنبره منذ التوقيع على اتفاقية الاتحاد بينهما عام 1707 التي ربطت شمال البلاد بجنوبها.
وتتمتع اسكوتلندا، منذ 1999، بحكم ذاتي ولها برلمان وحكومة محلية تدير شؤون الصحة والتعليم والنظام القضائي لكن لندن تتحكم بالمجالات الأخرى مثل الضرائب والدفاع والشؤون الخارجية.
الاستطلاع الجديد الذي نشرته مؤسسة «يوغوف» البريطانية لصالح صحيفة «صنداي تايمز» ونشر يوم الأحد أظهر تفوق نسبة المؤيدين على المعارضين ولأول مرة قبل 11 يوما من موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال.
«يوغوف» أظهرت تقدم مؤيدي حملة «نعم» على المعارضين «لا» بنقطتين، أي 51 في المائة مقابل 49 في المائة، الأمر الذي شكل صدمة للندن والأحزاب الرئيسة، المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار، والتي اعتمدت كثيرا على الاستطلاعات السابقة التي جاءت دائما لصالح معسكر الرافضين للاستقلال. لكن فرص حملة المعارضة للاستقلال في حالة تراجع دائم حسب استطلاعات الرأي. إذ تراجعت بمقدار ست نقاط مقابل 14 نقطة في منتصف الشهر الماضي. وأصبحت نسبة الرافضين للاستقلال مع بداية الشهر الحالي 53 في المائة مقابل تأييد 47 في المائة لها. وبذلك فقد تقلص تقدم رافضي الاستقلال إلى ست نقاط من 22 نقطة في بداية أغسطس (آب) الماضي.
ومع نتائج هذه الاستطلاعات المشجعة للانفصاليين تراجع الجنيه الإسترليني لأقل مستوى له في خمسة أشهر أمام الدولار، وحتى اليورو الذي يواجه صعوبات ارتفع أمام الجنيه الإسترليني.
وقال بيتر كيلنر، رئيس يوغوف، إن «انتهاء الاستفتاء بنتيجة متقاربة يبدو مرجحا، وانتصار المؤيدين بات الآن محتملا حقا». وجاءت نسبة تقدم المؤيدين للاستقلال في الاستطلاعات على خلفية المناظرة التي نظمتها إحدى القنوات التلفزيونية البريطانية بين أليكس ساموند، رئيس الحزب الوطني الاسكوتلندي الحاكم، وأليستر دارلينغ، وزير الخزانة البريطاني العمالي السابق، الذي اختير من قبل الأحزاب الرئيسة في البرلمان البريطاني (المحافظين والأحرار والعمال) ليقود حملة «أفضل معا» ضد الاستقلال. إلا أن نتيجة المناظرة، التي رفض رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الاشتراك فيها أمام ساموند، جاءت لصالح حملة نعم.
ويعتقد الكثير من المحللين بأن ساموند أبلى بلاء حسنا وكان مقنعا أكثر لجمهور الناخبين، على الرغم من أن ساموند لم يجب عن أكثر المسائل صعوبة التي تواجه حل الاتحاد، وهي قضية من سيستعمل الجنيه الإسترليني. وترفض لندن أن يكون هناك أي اتحاد مالي بين البلدين أو الاشتراك في التداول المالي بنفس العملة مع اسكوتلندا المستقلة.
ووصف بلير جينكينز، الرئيس التنفيذي لحملة «نعم اسكوتلندا» المؤيدة للاستقلال، الاستطلاع بأنه «انفراجة» وقال إنه أظهر أن حملته لها «زخم كبير».
العملة قضية مركزية في الجدل المحتدم بشأن الاستقلال. ويصر أليكس ساموند أن اسكوتلندا ستستخدم الإسترليني، في حين رفض وزير الخزانة الحالي المحافظ جورج أوزبورن التوصل إلى اتحاد مالي مع اسكوتلندا المستقلة شبيه باتحاد منطقة اليورو. وعدم التوصل إلى اتفاق من هذا النوع يلقي بظلاله على مسائل العملة والديون وتقاسم إيرادات نفط بحر الشمال.
وخلال المناظرة رفض ساموند إعطاء أي بديل للجنيه كعملة جديدة لاسكوتلندا المستقلة. وقال له دارلينغ بأن ذلك يعني أنك ستستمر باستخدام الجنيه دون موافقة لندن، وتصبح مثل بنما التي تستخدم الدولار دون موافقة واشنطن، مضيفا أن ذلك يعني أنه «لن يكون بمقدورك تحديد سعر الفائدة، التي يحددها بنك إنجلترا المركزي. وهذه تحدد بناء على السياسات المالية التي تخص المملكة المتحدة، وليس اسكوتلندا المنفصلة». وأضاف دارلينغ الاقتصادي المحنك، «هذا يعني أيضا أنه يجب أن يكون لديك فائض في مدخراتك، ولن يكون باستطاعة حكومتك الاقتراض في حالة الأزمات المالية»، لأن بنك إنجلترا سيرفض ذلك. وذكره بالأزمة المالية التي واجهت بريطانيا في بداية 2008 مع انهيار السوق المالية العالمية.
وكانت قد ضخت بريطانيا ما قيمته 187 مليار جنيه إسترليني في البنوك الاسكوتلندية عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية، وهذا أكبر من الدخل القومي الاسكوتلندي الذي يقدر بـ122 مليار جنيه إسترليني. ويعتقد بعض المعلقين أنه لو كانت اسكوتلندا مستقلة في تلك الفترة لواجهت نفس الأزمة التي واجهتها آيسلندا التي شارفت على الإفلاس واتجهت إلى صندوق النقد الدولي.
الاعتقاد السائد أن اسكوتلندا قادرة أن تعيش كبلد مستقل. لكن الروابط قوية جدا مع بقية مناطق المملكة المتحدة وقطعها سيهز البلاد على الأرجح. ولخص جاك آلن من معهد الأبحاث كابيتال إيكونوميكس، في تصريحات صحافية، الوضع قائلا «قد يكون هناك فترة طويلة من التفاوض بين حكومتي ويستمنتر وهوليرود (البرلمان الاسكوتلندي) حول مواضيع هامة مثل تقاسم الدين العام وضبط البنوك الاسكوتلندية والمسألة النقدية».
إضافة إلى ذلك هناك مشكلة توزيع ديون الدولة البريطانية، فوزارة الخزانة في لندن تعهدت بضمان كافة قروض التاج البريطاني. وسيطلب من اسكوتلندا المستقلة تسديد حصتها في مهلة سيتعين تحديدها. لكن في غياب أي وحدة نقدية يهدد القوميون الاسكوتلنديون بعدم الدفع لا سيما أن عائدات الثروة النفطية قد تبدو أقل سخاء، مع التقديرات المختلفة للاحتياط النفطي الاسكوتلندي.
وعد نيك بيت الخبير الاقتصادي لدى بنك أوف أميركا في تصريحات لصحيفة التايمز أن «نحو 85 في المائة من نفط وغاز بحر الشمال تقع في الأراضي الاسكوتلندية. ويمثل إنتاج المحروقات حوالي 15 في المائة من اقتصاد اسكوتلندا المستقلة» وقطاع نشاطها الرئيس مع المالية، وهي ورقة هامة لكن حجمها وعائداتها تبقى مثار خلافات.
وقد أعدت أدنبره سيناريوهات عدة للعائدات الضريبية النفطية، أكثرها تفاؤلا يعول على 38,7 مليار جنيه إسترليني لميزانية السنوات الخمس المقبلة. والوكالة الرسمية البريطانية خفضت أخيرا توقعاتها للسنوات الخمس.. إلى 17,6 مليار جنيه (22 مليار يورو).
وتتكاثر الدراسات في هذه الفترة السابقة للاستفتاء. وأكدت الخزانة البريطانية الأربعاء أن كل وظيفة من أصل عشر في اسكوتلندا مرتبطة مباشرة بالمبادلات مع بقية مناطق المملكة المتحدة.
وحتى لو صوتت اسكوتلندا بنعم في الاستفتاء، فهي تريد أن تحتفظ ليس فقط بالجنيه الإسترليني. لكنها أيضا ستبقي الملكية (تكون الملكة إليزابيث الثانية رئيسة البلد الجديد). وستكون خالية من الأسلحة النووية وتبقى عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفي الاتحاد الأوروبي، لكن سيكون لها قوتها الدفاعية المستقلة. ومن أجل إزالة الغواصات النووية البريطانية التي تتخذ من مياه الساحل الغربي لاسكوتلندا مقرا لها، فإن حكومة البلد الجديد ستتفاوض مع لندن ومنظمة الناتو ضمن برنامج زمني محدد، كما جاء في الكتاب الأبيض الذي نص على الاستفتاء.
إلا أن لندن عدت هذه الافتراضات، بخصوص العملة والعضوية في الاتحاد الأوروبي والناتو، «ضربا من الخيال» لأنها شائكة ومعقدة، وغير مضمونة ولا يمكن لاسكوتلندا المستقلة أن تحددها كما تشاء. كما صرح رئيس المفوضية الأوروبية الجديد جان كلود يونكر الذي صرح مؤخرا بأن قبول اسكوتلندا عضوا في الاتحاد الأوروبي لن يكون تلقائيا، «فعلى اسكوتلندا أن تتقدم لطلب لعضوية». كما أن قوانين الاتحاد ستجبرها على استخدام اليورو، أي إنها ستكون جزءا من منطقة اليورو وتخضع لسياسات البنك المركزي الأوروبي المالية.
وقال أليستر دارلينغ إن اسكوتلندا ستواجه مشكلات أكبر في حالة الانفصال ودخولها الاتحاد الأوروبي كبلد كامل العضوية. إذا قررت دخول الاتحاد الأوروبي فعليها قبول اليورو كعملة قانونية لاقتصادها.
الاتحاد الأوروبي صرح سابقا بخصوص خطط انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، وقال إن عليه تقديم طلب العضوية للانضمام وسيتم النظر في الموضوع، أي إنه لن يحدث تلقائيا كون إسبانيا عضوا في الاتحاد. وهذا طبعا ينطبق على اسكوتلندا.
وبعد التوقيع في فبراير (شباط) 2013 على مذكرة التفاهم بين لندن وأدنبره توجه كاميرون مباشرة إلى ميناء لبناء السفن الحربية في منطقة «فايف» باسكوتلندا حيث يجري بناء حاملة طائرات بريطانية جديدة لصالح سلاح الجو الملكي. الزيارة انطوت على الكثير من الرموز، إذ أراد كاميرون جلب الانتباه إلى أهمية الاتحاد بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الدولية، وهذا ما ستفقده اسكوتلندا المستقلة التي ستكون عضويتها في منظمة (الناتو) موضع نقاش، لأن الحزب القومي الاسكوتلندي الحاكم يعارض السياسات النووية للحلف. لكن وثيقة الاستفتاء تشير إلى أن اسكوتلندا ستسعى لتصبح «واحدة من أعضاء الناتو الخالين من الأسلحة النووية».
ولهذا يرى الخبراء أن مستقبل المملكة المتحدة كقوة نووية قد يصبح مهددا في حال استقلال اسكوتلندا متسائلين عن المكانة التي يمكن أن تحتلها بريطانيا عندها في صفوف المجتمع الدولي.
هناك إجماع من قبل الكثير من المراقبين بأن الاستقلال سيكون تداعياته سلبية، إن لم تكن هدامة، على بريطانيا بشكل عام، لأنها ستفقد ثمانية في المائة من سكانها و10 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في مرحلة يعاني الاقتصاد البريطاني من حالة تباطؤ وتراكم في الديون، أضف إلى ذلك أنها قد تفقد عامل الردع الذي توفره قوتها النووية ومكانتها الدولية وبالتالي تثير علامات استفهام حول مقعدها كعضو دائم في مجلس الأمن.
وأعلن ساموند خلال مناظرته مع دارلينغ أنه في حال فوزه في الاستفتاء على الاستقلال فسيترتب على الغواصات النووية البريطانية الأربع من طراز ترايدنت أن تغادر قاعدة فاسلين (غرب اسكوتلندا) قبل عام 2020. ووصف ساموند هذه الغواصات بأنها «إساءة إلى الحد الأدنى للأخلاق بسبب قوتها التدميرية اللاإنسانية والعمياء».
ويرى بعض الخبراء أن بريطانيا قد تضطر إزاء تكلفة عملية نقل هذه الغواصات وصعوبتها إلى فتح نقاش بشأن ضرورة امتلاك قوة ردع نووية. وأكد جورج روبرتسون الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ووزير الدفاع البريطاني السابق في حزب العمال في كلمة ألقاها في أبريل (نيسان) الماضي في واشنطن أن هذا الأمر «سيسعد كثيرا قوى الشر»، عادا أن ذلك «قد يشكل توقيعا على نزع السلاح النووي الأحادي لما سيتبقى من المملكة المتحدة».
من جانبه عد آلان وست القائد السابق للبحرية البريطانية بين 2002 و2006 أن «الأميركيين يقدروننا كوننا قوة نووية. وهذا الأمر (إزالة السلاح النووي) سيطرح مشكلات معهم، ويثير قلقا داخل الحلف الأطلسي»، متسائلا «هل يمكن بعدها أن نبقى عضوا دائما في مجلس الأمن؟ لا أدري».
الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن في يوليو (تموز) الماضي أنه يفضل ألا تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة حتى تبقى «شريكا قويا صلبا موحدا وفاعلا».
حتى الآن تؤكد الحكومة البريطانية أنها لم تعد أي خطة طارئة لإجلاء وإعادة تمركز منشآت فاسلين النووية وتلك القريبة من كولبورت (غرب) حيث تسلح الصواريخ بالرؤوس النووية. وسيكون لهذه العملية تأثير مدمر حيث تقدر كلفتها بثمانية مليارات جنيه إسترليني (12 مليار دولار) في حين تبلغ الميزانية السنوية للجيش 33,5 مليار جنيه إسترليني (48 مليار دولار) هذا العام. وهي ميزانية تخضع لإجراءات تقشف منذ أربعة أعوام مع خفض بنسبة ثمانية في المائة. وعد آلان وست أن «ميزانية الدفاع لن تستطيع تحمل مثل هذه الكلفة» لذلك «هناك احتمال في أن يرى الناس أنه يجب علينا أن نتخلى قوتنا النووية».
إلا أن التخلي عن القوة النووية ليس مقبولا في نظر الجميع.
فقد عد البروفيسور مالكولم تشالميرز في معهد الأبحاث «رويال يونايتد سرفيسز انستيتيوت»، في تصريحات أوردتها الوكالة الفرنسية للأنباء أنه «سيكون هناك شعور بالمذلة داخل المملكة المتحدة ومخاوف من الطريقة التي سينظر بها إلى البلاد على المستوى الدولي»، مستبعدا أن تتخلى لندن عن قوتها النووية.
ومن المشكلات الأخرى التي سيتعين حلها ضرورة إيجاد موقع جديد مناسب لهذه الغواصات والتنظيم العملي لإخلاء القاعدة الذي قد يتطلب وقتا أطول من موعد 2020 الذي حدده الحزب القومي الاسكوتلندي. وقال البروفيسور تشالميرز «تقديرنا هو أن عام 2028 سيكون موعدا مناسبا».
كاميرون، وباقي السياسيين البريطانيين والأحزاب الرئيسة الممثلة في البرلمان البريطاني يشك بأن اسكوتلندا يمكن أن تكون مزدهرة كبلد مستقل. وقال أمام البرلمان «أعرف أولا أن مساهمة اسكوتلندا والاسكوتلنديين تصنع نجاح بريطانيا، لذلك المسألة بالنسبة لي لا تتعلق بمعرفة ما إذا كانت اسكوتلندا يمكن أن تكون دولة مستقلة. لكن السؤال الحقيقي هو هل اسكوتلندا أقوى وأغني وأكثر أمانا وعدلا داخل المملكة المتحدة أو خارجها. وهنا أعتقد أن الجواب واضح».
وأضاف كاميرون، في حالة جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم، أن «هذا السؤال يعود إلى اسكوتلندا. لكن الجواب ستكون له نتائج على كل المملكة المتحدة. وضع اسكوتلندا أفضل داخل بريطانيا ونحن أفضل معا وسنكون أفقر إذا تفرقنا.. بريطانيا ناجحة. بريطانيا تعمل بشكل جيد. لماذا نقسمها؟».
ويعتقد الكثير من المعلقين أنه مع اقتراب موعد الاستفتاء وكذلك تحسن فرص الانفصاليين فإن المعركة ستحتدم في مدينة غلاسكو الصناعية التي تحتوي على تمركز لأبناء الطبقة العاملة. ولم يختر ساموند إطلاق حملة الاستقلال من العاصمة أدنبره. اختار مكانا يتمتع بوجود كثيف لأبناء الطبقة العاملة الاسكوتلندية أي غلاسكو، أكبر مدينة في اسكوتلندا والثالثة في بريطانيا، وتتمتع بكثافة سكانية عالية.
اختيار ساموند لعام 2014 للاستفتاء كان مقصودا، إنها الذكرى الـ700 لمعركة بانوكبيرن وهي المعركة التي انتصر فيها الاسكوتلنديون على الإنجليز، ونتيجتها انفصلت اسكوتلندا عن إنجلترا ويعتقد المعلقون أن ساموند أراد من هذا التاريخ تأجيج الشعور القومي الاسكوتلندي ضد إنجلترا ولندن.
وفي آخر زيارة له قبل أيام دعا ديفيد كاميرون 4,2 مليون ناخب مقيمين في اسكوتلندا للتصويت على البقاء في المملكة المتحدة، مشددا على أن هذا الاتحاد يشكل نقطة قوة اقتصادية مهمة. وشدد زعيم المحافظين في خطاب خلال العشاء السنوي لأرباب العمل في اسكوتلندا على أهمية بقاء اتحاد أقيم قبل 307 أعوام. وقال إن «ما جمع أممنا في 1707 هو فرص اقتصادية وبعد 300 سنة ما زال مصيرنا وثروتنا مرتبطة بشكل وثيق»، معددا «فوائد الاتحاد» الكبرى الأربع الملائمة للتجارة وهي «الآفاق التي يؤمنها والاستقرار والتضامن والحجم». وأوضح أنه «واحد من أقدم وأنجح الأسواق الفريدة في العالم»، مشيرا إلى أن «اسكوتلندا لديها مبادلات مع المملكة المتحدة أكبر بمرتين من مبادلاتها مع بقية أنحاء العالم».
وقال كاميرون «لنفضل الانفتاح على ضيق الأفق وميزاتنا على التشكيك ولنبق معا».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.