أوباما و«داعش» الخيارات الصعبة

واشنطن أمام تحديات عسكرية وقانونية واستخباراتية ومالية لمواجهة التنظيم

أوباما و«داعش» الخيارات الصعبة
TT

أوباما و«داعش» الخيارات الصعبة

أوباما و«داعش» الخيارات الصعبة

يترقب العالم بأسره ما سيقوله الرئيس الأميركي باراك أوباما، صباح اليوم الأربعاء، حول خطته واستراتيجيته لمواجهة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، والتحالف الدولي الذي يسعى لتشكيله لمطاردة مقاتليه، وتقليص قدراته وتجفيف مصادر تمويله، والقضاء عليه وهزيمته في نهاية المطاف.
ولا يتوقف الحديث داخل الإدارة الأميركية وفي الكونغرس ووسائل الإعلام الأميركية عن تهديدات «داعش» وأهمية مواجهة تلك التهديدات بصرامة، بل وأيضا تزامنها مع الذكرى الـ13 لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما تركته من مخاوف لدى الأميركيين من تعرض الولايات المتحدة لهجمات إرهابية مشابهة.
وتزايدت الضغوط من النخب الفكرية والسياسية الأميركية على إدارة أوباما للمطالبة باستراتيجية واضحة لمواجهة «داعش»، وشرح ما تتطلبه تلك الاستراتيجية من جهود وأموال، وتحديد مهام عسكرية وإطار زمني قد يصل إلى ما بعد مغادرته منصبه.
وتثير الاستراتيجية، التي سيعلنها الرئيس أوباما، تساؤلات عدة وتحديات حول شكل التدخل الأميركي في العراق وسوريا لمواجهة التنظيم والخطوات التي ستتخذها الإدارة الأميركية، وحجم ومهام القوة العسكرية التي ستُكلف بمواجهة «داعش»، خاصة أن الإدارة الأميركية كانت حريصة على تفادي التورط في الحرب الأهلية السورية، وتحاشي أي خطوات تنطوي على استخدام قوات أميركية برية على أرض المعركة في العراق.
واكتفت إدارة أوباما خلال الأشهر الماضية في تعاملها مع تهديدات «داعش» بشن غارات جوية في العراق قرب مدينتي الموصل وأربيل لتحقيق أهداف محدودة ترتبط بحماية السفارة والقنصليات الأميركية في العراق، والموظفين الأميركيين، وتقديم المشورة للحكومة العراقية.
والآن، وبعد حادثتين مروعتين لقتل صحافيين أميركيين على يد مسلحي «داعش»، وبعد انتقادات لاذعة وجهت لإدارة أوباما بتقاعسها عن وضع استراتيجية للتعامل مع تلك التهديدات، أعلنت الإدارة الأميركية توسيع دائرة الأهداف إلى ملاحقة وتدمير التنظيم، مما يتطلب العمل على نطاق واسع. وسيكون على الرئيس أوباما أن يوضح للرأي العام الأميركي خيارات إدارته لحسم المعركة ضد تهديدات «داعش» في كل من العراق وسوريا. وأقر مسؤولون في الإدارة الأميركية بضرورة أن تشمل الخطة توجيه ضربات داخل الأراضي السورية.

* تحديات ضرب «داعش» في سوريا
أول التحديات والخيارات الصعبة أمام إدارة أوباما هو صعوبة النجاح في هزيمة «داعش» دون التصدي له داخل سوريا. ولمحاربة التنظيم، الذي يمتد عبر الحدود السورية - العراقية، سيتعين على إدارة أوباما تنفيذ عمل عسكري عند تلك الحدود، لأن ضرب التنظيم في العراق فقط لا يحقق الأهداف المرجوة، مع وجود ملاذ آمن لـ«داعش» في سوريا يمكن التنظيم من إعادة التخطيط وتجنيد المقاتلين، واستعادة قوته مرة أخرى.
وتنطوي مواجهة «داعش» في سوريا على تحديات قانونية وإشكالية سياسية، بشأن قدرة الإدارة الأميركية على توجيه ضربات دون أن يؤدي ذلك إلى مساعدة غير مباشرة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. فما يخشاه الرئيس أوباما أن يؤدي ضرب التنظيم داخل الأراضي السورية إلى تقوية قدرات الأسد، واستعادته السيطرة على المناطق التي خسرها سابقا لصالح المعارضة السورية المسلحة.
وظلت إدارة أوباما مترددة في القيام بأي تحرك يستوجب استخدام القوة العسكرية والتدخل مباشرة في الصراع الدائر في سوريا المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويقول محللون إن تخاذل الإدارة الأميركية عن التعامل مع الأزمة السورية منذ البداية أدى إلى خلق فراغ استغلته الجماعات الإرهابية في تعزيز وزيادة نفوذها.
ويقول مايكل سينغ، مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إنه يتعين على الولايات المتحدة اتخاذ خطوات حاسمة ضد «داعش» في العراق، وخطوات أكثر جدية في سوريا، مشيرا إلى أن التنظيم يعد مصدرا لثلاثة تهديدات مختلفة يتطلب كل منها استراتيجية خاصة. ويوضح أن التهديد الأول «يتعدى العراق وسوريا إلى دول أخرى في المنطقة مثل لبنان والأردن، والتهديد الثاني يتعلق بنجاح التنظيم في جذب 12 ألف مقاتل أجنبي من الدول الغربية يستطيعون العودة إلى بلادهم وشن هجمات إرهابية، أما التهديد الثالث فهو ما أثاره التنظيم من مخاوف لدى الرأي العام الأميركي من إمكانية تنفيذ هجوم على الأميركيين والمنشآت الأميركية في الخارج وعلى الولايات المتحدة ذاتها».
ويدعو سينغ إلى استراتيجية متعددة الأوجه في مواجهة الفكر المتطرف، ووقف تدفق المقاتلين إلى مناطق النزاع، مشيرا إلى أن «داعش» استفاد من ضعف وفوضى خصومه، وازدهر بسبب الحرب الأهلية في سوريا وسيطرته على أراض في العراق، جراء الغفلة الدولية عن العراق وسوء إدارة الحكم به.
ويشير مدير معهد واشنطن إلى ضرورة تغيير الديناميكيات التي تحكم الصراع في سوريا، وخلق الظروف لتحقيق الاستقرار، موضحا أن استراتيجية أوباما هناك تتطلب ضربات جوية ضد «داعش»، وتتطلب أيضا زيادة الدعم للمعارضة السورية وزيادة الضغط على النظام السوري وتنفيذ خطوات لتحقيق الاستقرار في المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة. ويضيف «الضربات الجوية وحدها لن تنهي خطر الإرهاب أو الفوضى التي يعاني منها العراق وسوريا. لا بد من وضع مجموعة من الأدوات السياسية المكملة والخطوات التي تعزز التزامنا بمنطقة الشرق الأوسط».
ويقول دينيس روس، المستشار السابق للرئيس الأميركي والباحث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن هناك «صراعا داخل الإدارة الأميركية بشأن الخيارات المتاحة لها في سوريا، وما يجب عليها القيام به حيال (داعش) هناك، فهي تريد إضعاف التنظيم دون أن يؤدي ذلك إلى تقوية الأسد، ودون أن تنجر الولايات المتحدة إلى التورط في الحرب الأهلية السورية».
ويؤكد روس أن هزيمة «داعش» تتطلب انقلاب العشائر السنية ضد هذا التنظيم، ولذا يتعين على وزير الخارجية جون كيري، خلال زيارته المرتقبة إلى السعودية والأردن ودول المنطقة، أن يكون قادرا على التصريح بأن الرئيس أوباما مستعد لتنفيذ ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا والعراق، وأن الولايات المتحدة ستقدم المساعدات اللازمة والدعم اللوجيستي للجهات التي تقاتل التنظيم وتقاتل النظام السوري في الوقت نفسه.

* تحديات الإطار الزمني والمعلومات الاستخباراتية
الإطار الزمني لتنفيذ استراتيجية تستهدف القضاء على تنظيم داعش، يشكل تحديا آخر للإدارة الأميركية، إذ أشار مسؤولون كبار إلى أن تنفيذ حملة ضد «داعش» قد يستغرق ثلاث سنوات دون توضيح لما تتطلبه استراتيجية تمتد لثلاث سنوات من تكلفة مالية ودون حساب لمخاطر حملة توسعية قد تنجرف معها الولايات المتحدة إلى حرب تستدعي إرسال أعداد كبيرة من القوات البرية.
إشكالية أخرى تتعلق بالمعلومات الاستخباراتية الدقيقة حول قدرات «داعش»، فهناك آراء تنتقد غياب تقييم دقيق ورصين للتهديد الذي يشكله تنظيم داعش لأمن الولايات المتحدة.
ويقول دانيال لاريسون، أستاد التاريخ بجامعة شيكاغو، إن «الرئيس أوباما قال إنه لن يسمح بأن تنجر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، لكن المشكلة أن هناك ردود فعل مبالغا فيها وذعرا من (داعش) قد يدفع الإدارة الأميركية إلى تصعيد عسكري غير مدروس، يمكن أن يكلف الولايات المتحدة ثمنا باهظا، قد يكون جزءا من تكلفة الاستراتيجية الجديدة التي سيعلنها أوباما، أو من استغلال هذا التدخل الأميركي في المنطقة لتجنيد مزيد من الجهاديين، وقد يأتي في شكل مزيد من الهجمات على الأميركيين».
ويضيف البروفسور الأميركي أن «تدمير عدو عادة ما يستغرق وقتا طويلا ويتطلب العديد من الموارد والأرواح، وما تقوله الإدارة الأميركية بأن الأمر قد يستغرق ثلاث سنوات هو أدنى تقدير، ويحب أن نتوقع أن تدمير (داعش) سيتطلب وقتا أطول بكثير». ويقول الرئيس الأميركي إن إدارته تعتزم ملاحقة التنظيم الإرهابي والقضاء على الزخم الذي حققه، وتقويض قدرات «داعش» العسكرية وتقليص مساحة الأراضي التي يسيطر عليها، وفي نهاية المطاف إلحاق الهزيمة بالتنظيم. ويتناقض هذا مع إصراره على أن القوات العسكرية الأميركية لن تدخل في حرب جديدة في العراق، ورفضه القاطع إنزال قوات أميركية برية على الأرض.
والشق الأخير يمثل إشكالية أخرى، فرفض إرسال أعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية على أرض المعركة يعني الحاجة إلى قوة كبيرة من المستشارين وقوات العمليات الخاصة الأميركية. وإذا اعتمد على القوة الجوية بمفردها، فسيكون من الصعب مساعدة وتعزيز قدرات العشائر السنية وقوات الأمن العراقية والكردية (البيشمركة)، لذا فالأمر سيتطلب حتما شن حرب على الأرض بالتزامن مع الضربات الجوية الأميركية.

* موقف الكونغرس
بالإضافة إلى تحديات الوقت والجهد والمال وطبيعة المهام العسكرية ومداها، تبرز تساؤلات تشريعية وقانونية أخرى حول الخطوات الأميركية المقبلة، وهل يحتاج أوباما إلى موافقة الكونغرس، أم أنه يستطيع التحرك في إطار سلطاته التنفيذية.
يؤكد مسؤولو البيت الأبيض أن أوباما سيعمل بالتشاور مع أعضاء الكونغرس في التعامل مع تهديدات «داعش». وكان الرئيس الأميركي قال في برنامج «واجه الصحافة»: «سأطلب من أعضاء الكونغرس دعم خطتنا والتأكد من أنهم يدركون أنها ستتطلب بعض الموارد».
وهناك تساؤلات أخرى من قبيل استعداد المشرعين في الكونغرس إعطاء الإذن لإدارة أوباما باستخدام القوة العسكرية ضد «داعش»، مما يعني خوض حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وهناك جدل وانقسام كبير في مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول الدخول في مواجهة عسكرية قد تؤدي إلى حرب طويلة الأمد.
ويقول ماثيو داليك، أستاذ الإدارة السياسية بجامعة جورج واشنطن «أعتقد أن الرئيس أوباما سيطلب من الكونغرس تقديم الدعم السياسي لمواجهة تهديد (داعش)، وترجمة هذا الدعم بالأفعال، ومثلما قدم الكونغرس التمويل للحرب في أفغانستان والعراق، أعتقد أن الإدارة الأميركية ذاهبة إلى الشيء نفسه في مرحلة ما، لشن حرب أو اشتباك عسكري محدود ضد (داعش)».
وفي محاولة لكسب أصوات النخبة السياسية في واشنطن، نظم الرئيس أوباما حفل عشاء مساء الاثنين الماضي لخبراء السياسة الخارجية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، معلنا أنه يريد سماع وجهات نظرهم في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية وبصفة خاصة تنظيم داعش في العراق وسوريا. كما يعقد اجتماعات مع الزعماء الجمهوريين والديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ لحشد التأييد لاستراتيجيته.
وقبل اجتماع الرئيس الأميركي بزعماء الكونغرس المقرر مساء أمس، أيد بعض المشرعين ضرورة التصدي لتهديدات «داعش». وأعلن النائب الجمهوري فرانك وولف والسيناتور الديمقراطي بيل نيلسون أنهما يعملان بالفعل على تشريعات تأذن بشن هجمات جوية أميركية داخل سوريا، فيما أشار النائب الجمهوري بيتر كينغ إلى أن الرئيس أوباما لديه السلطة لاتخاذ إجراءات دون الانتظار لدعم من الكونغرس.
بينما قال السيناتور الجمهوري كارل ليفين، رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إنه «ليست هناك حاجة لموافقة الكونغرس إذا كان نطاق الحملة العسكرية ضد (داعش) محدودا، ويشمل غارات جوية دون إنزال قوات برية أميركية على الأرض، أما إذا كنا نتحدث عن حرب عالمية ثالثة فالإجابة نعم يحتاج الرئيس إلى إذن من الكونغرس».
وأوضح ليفين أن الإدارة الأميركية احتاجت إذنا من الكونغرس عام 2003 في غزو العراق لأنه كان ينطوي على استخدام 100 ألف جندي من القوات البرية. وأشار إلى ضرورة أن توفر الدول الإسلامية قوات برية لقتال «داعش» لأن لها مصلحة أمنية ووطنية في هزيمة التنظيم.

* تحديات التحالف الدولي والإقليمي
يقول مسؤولون كبار بالإدارة الأميركية إن الملامح الأولية لخطة أوباما في مواجهة «داعش» تنطوي على عدة خطوات متداخلة ومتزامنة وطويلة الأجل، تشمل جمع المعلومات الاستخباراتية عن تحركات مقاتلي التنظيم ما بين العراق وسوريا، وشن الغارات الجوية باستخدام طائرات من دون طيار، وتوفير المشورة والتدريب للجيش العراقي وتوسيع الدعم المقدم للقوات العراقية في ظل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة حيدر العبادي، وتسليح الأكراد ليتمكنوا من صد هجمات «داعش».
وأشارت مصادر في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى أن الخطط جاهزة للتعامل مع تهديدات تنظيم التنظيم، وأنها وضعت تصورات وسيناريوهات عدة لتلك المواجهة أمام البيت الأبيض، كما جرت مشاورات عديدة بين الرئيس أوباما وأركان إدارته ومستشاريه في مجلس الأمن القومي. وأوضحت المصادر أن الخطوط المبدئية لتلك الخطط تشمل شن ضربات جوية عند الحدود السورية - العراقية ورصد تحركات زعماء «داعش» مثل أبو بكر البغدادي واغتيالهم.
والمحور الأساسي في الاستراتيجية، كما يقول المسؤولون، هو حشد الدول للدخول في تحالف دولي وإقليمي لتضييق الخناق على الدعم اللوجيستي الذي تحصل عليه الجماعات الجهادية في العراق وسوريا، لتصل الخطة الأميركية إلى أعنف مراحها وأكثرها إثارة للجدل السياسي وهي تدمير «داعش» داخل سوريا.
وتلقي إدارة أوباما بكثير من الثقل على حشد الدول لتشكيل تحالف إقليمي ودولي لمواجهة التنظيم. وتنظر إلى قائمة حلفاء إقليميين تضم المملكة العربية السعودية، التي تملك تأثيرا على العشائر السنية، والأردن، في توفير المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجيستي، ودولة الإمارات العربية، في المشاركة بالغارات الجوية في العراق.
وقد أعلن وزراء الخارجية العرب، لدى اجتماعهم الأحد الماضي في القاهرة، تأييدهم للتصدي لجميع التنظيمات الإرهابية المتطرفة بما فيها «داعش»، وأعلنوا اتخاذ ما يلزم من تدابير على جميع المستويات السياسية والأمنية والدفاعية والإعلامية والفكرية لتجفيف منابع الإرهاب فكريا وماليا.
وعلى هامش قمة حلف شمال الأطلسي في مقاطعة ويلز البريطانية الأسبوع الماضي، عقدت الولايات المتحدة تحالفا من القوى الغربية شمل أستراليا وكندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وتركيا والمملكة المتحدة.
وأشار وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى أن الهدف من زيارته المرتقبة للسعودية والأردن هو بناء تحالف واسع من الشركاء في جميع أنحاء العالم لمواجهة «داعش» وهزيمتها في نهاية المطاف. وأعلن أنه يتوقع دورا مختلفا من كل دول العالم. وقال «بينما نبني هذا التحالف، أود أن أؤكد أن كل بلد على وجه الأرض لديه دور في القضاء على تهديدات (داعش) والشر الذي يمثله، وبالنسبة للبعض يعني ذلك مساعدات عسكرية سواء مباشرة أو في شكل تدريب أو تسليح وتقديم المشورة، وبالنسبة للبعض الآخر يعني المساهمة في جهود الإغاثة الإنسانية، ولآخرين يعني المساعدة في تحديد وتعقب وقطع التمويل عن (داعش) ومنع تدفق المقاتلين الأجانب، ولغيرهم يعني منع تشويه احد الأديان المسالمة الكبرى في العالم (الإسلام) ومواجهة دعاية (داعش) في تجنيد أنصار جدد. كما يعني للجميع تقديم الدعم العلني والمساندة للحكومة الجديدة في العراق».
وعلى الصعيد الدولي، تعهدت كندا بإرسال أفراد جيشها للمساعدة في تقديم المشورة ودعم قوات البيشمركة الكردية، كما تعهدت إستونيا وألبانيا بتوفير المعدات العسكرية، بالإضافة إلى تعهدات من فرنسا والمملكة المتحدة بتقديم المساعدة العسكرية والإنسانية، كما أعلنت ألمانيا أنها سترسل أسلحة إلى قوات البيشمركة الكردية. وفي الوقت نفسه، عقد وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل مباحثات في العاصمة التركية أنقرة من أجل استمالة الجانب التركي لتقديم المساعدة في الحرب ضد المتشددين الإسلاميين.
والتحدي في حشد كل تلك الدول هو المواقف المتباينة والمتعارضة أحيانا بين السياسات الخارجية والأهداف المرجوة في سياسات كل دولة. وهو ما حدا بالإدارة الأميركية إلى التراجع عن ضم إيران إلى هذا التحالف الدولي المنشود. وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف أن بلادها لا تنوي التعاون عسكريا مع إيران للتصدي لـ«داعش»، وقالت «لن ننسق أي عمل عسكري مع إيران ولن نتقاسم معلومات معها، وليست لدينا أي خطط لذلك».
ويحذر مايكل روبن، بمعهد أميركان إنتربرايز، من أي تنسيق أميركي مع الجمهورية الإيرانية، ويقول «بعض الدبلوماسيين يرون أن الولايات المتحدة وإيران لديهما مصلحة مشتركة في هزيمة (داعش)، ولذا يمكن العمل معا، وهو قول خاطئ لأن التورط الإيراني من شانه أن يخلق مشكلة سياسية مربكة مع صلة إيران الوثيقة بالنظام السوري والرئيس بشار الأسد، بعد أن سمح النظام السوري المدعوم من إيران لـ(داعش) بالانتشار». ويضيف روبن «إيران لا تسعى لهزيمة الإرهاب وإنما استغلال الموقف لتحقيق مصالحها وأهدافها».
وحذر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر من «خطورة الحزام الشيعي الممتد من طهران إلى بغداد وبيروت باعتباره خطرا يفوق مخاطر تهديدات (داعش)». وقال كيسنجر للإذاعة العامة الوطنية الأميركية إن قتل الأميركيين هو «إهانة» للولايات المتحدة، ودعا إلى شن هجوم قوي ووضع أهداف استراتيجية من خلال استخدام القوة الجوية دون إرسال قوات برية.
بينما يدعو ستيفن سايمون، الباحث بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن، إلى التعامل بهدوء مع تهديدات «داعش»، مؤكدا أن شن حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط يعد تكرارا «للأخطاء التاريخية المؤسفة». ويقول الباحث الأميركي إن «وضع استراتيجية وتشكيل تحالف ضد (داعش) أمر مرغوب فيه على المدى الطويل، لكن وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل لم يقل إن (داعش) يمثل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة، كما أن مسؤولي الأمن الداخلي يعتقدون أن تنظيم القاعدة هو العدو اللدود لـ(داعش) في سوريا، و(داعش) ليس سوى ميليشيا صغيرة وليس بمثابة شبكة إرهابية دولية».
ويضيف سايمون «الغريب أن إدارة أوباما لم تكن تملك استراتيجية لمحاربة (داعش) منذ أسبوع، والآن بعد قمة الناتو في مقاطعة ويلز أصبحت لديها استراتيجية، مما يعكس قدرة الولايات المتحدة على صياغة استراتيجية وحشد الحلفاء». ويوضح سايمون أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يريد التورط في جهود محاربة «داعش» لذا فإن استراتيجية الناتو هي التركيز على الجانب الاستخباراتي والرقابة المصرفية، ولذا يتعين على الولايات المتحدة مساعدة الحكومة العراقية لتقوم بدور فعال في تحسين وضع الطائفة السنية.
وربما تحمل استراتيجية أوباما أجوبة عن كل تلك التحديات التي تفرضها اللحظة الراهنة، وربما تبرز تحديات أخرى جديدة خلال تنفيذ الاستراتيجية، لكن المؤكد أن مهمة مواجهة «داعش» للقضاء عليها لن تكون بالمهمة السهلة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.