«أزاهير الخراب»... الرهان على اللعبة السردية

رواية للنوبلي الفرنسي موديانو ترجمها الراحل بسام حجار

غلاف «أزاهير الخراب»
غلاف «أزاهير الخراب»
TT

«أزاهير الخراب»... الرهان على اللعبة السردية

غلاف «أزاهير الخراب»
غلاف «أزاهير الخراب»

في كل رواية تنضاف إلى رصيد موديانو لا بد من شيء جديد فيها سواء في التقنية أو التيمة أو طريقة المعالجة الفنية، خصوصاً أن الروائي صار معروفاً بموضوعات محددة مثل الذاكرة، وتعرية النازية، واستدعاء التاريخ، والنبش في الأمكنة.
صدرت عن دار «نوفل» ببيروت رواية «أزاهير الخراب» للروائي الفرنسي باتريك موديانو، ترجمة الراحل بسّام حجّار، وهي لا تختلف كثيراً عن رواية «دورا برودية» التي ركّزت على الاستذكارات، واستنطاق الأمكنة، وملامسة جوانب محددة من احتلال الجيش الألماني النازي لباريس، وما خلّفه من جروح عميقة لم تندمل رغم تقادم الأعوام.
يمتلك باتريك موديانو أسلوباً سلساً، رشيقاً، فهو لا يحتفي بالتزويق اللفظي أو المحسّنات البديعية. الجملة الروائية مكتفية بذاتها، وبما تنطوي عليه من محمولات رمزية واضحة لا يكتنفها الغموض إلاّ ما ندر، ولعل هذه البساطة الأسلوبية الدالة، الأقرب إلى السهل الممتنع، هي التي دفعت بعض النقاد الفرنسيين إلى وصف هذا الأسلوب بـ«التقنية الموديانية» التي تنتسب إليه، ولا يشترك فيها كثيراً مع أقرانه الروائيين.
لا يراهن موديانو على تقنيته المميزة، وأسلوبه المتقشف فحسب، وإنما يعتمد على التيمة المتصدِّعة التي يفتِّتها عن عمد، ويترك للقارئ حرية تجميع شظاياها المتناثرة في المتن السردي المتداخل. ففي «أزاهير الخراب» هناك قصص وحكايات مبعثرة تحتاج إلى من يتأملها جيداً على انفراد أو يدمجها معاً أو يعيد ترتيبها من جديد خصوصاً أنّ أزمانها المتعددة تتوزع على ثلاث مراحل وهي ثلاثينات القرن الماضي، وستيناته، ثم نصل إلى مرحلة التسعينات، وليس بالضرورة أن يأخذ الزمن منحى خطياً مستقيماً، فقد يعمد الراوي إلى التنقّل بين المراحل حسب الأحداث والمواقف التي يمرّ بها. وربما يؤكد الحدث الأول صحة ما نذهب إليه، إذ يتذكر الراوي في 24 أبريل (نيسان) 1933 انتحار زوجين شابين لأسباب غامضة. ثم يقفز إلى الستينات ليخبرنا بقصة ديفيز، نزيل الغرفة المجاورة في شارع دولامبر، الذي أمضى ثلاث سنوات في الجبال لكنه نفر من الحرب، وأخيراً ينهمك في قصة باشيكو الذي يمتلك عدداً من الأصدقاء المغاربة والاسكندنافيين، ويتقنّع باسم فيليب دي بيلّون. القصص والحكايات المتواشجة مع المتن السردي كثيرة ويصعب حصرها رغم أن عدد صفحات الرواية لا يتجاوز الـ119 صفحة. ومن بين هذه الحكايات حكاية الراوي الذي يستذكر «الموجة الجديدة» التي برزت في الستينات، حيث علق بذاكرته فيلمان مهمان وهما «لُولا» 1961 لجاك ديمي، و«وداعاً يا فلبين» 1962 لجاك روزييه. ثم تظهر أمكنة متعددة تنطوي على وقائع وأحداث كثيرة بعضها مريب، ولافت للانتباه مثل «جزيرة الذئاب»، والمدينة الجامعية، ومعسكر داشو، ومطعم «بيرّو» وما سواها من الأمكنة التي ركّز عليها الراوي. ولو أحصينا عدد الشوارع في النص الروائي لوجدنا أكثر من 60 شارعاً وجادة، أما عدد المحطات، والساحات، والمقاهي، والأبراج، والحدائق، والجسور فهي كثيرة بمكان، ويندر أن تخلو منها أي صفحة من صفحات الرواية.
في كل رواية تنضاف إلى رصيد موديانو لا بد من شيء جديد فيها سواء في التقنية أو التيمة أو طريقة المعالجة الفنية، خصوصاً أن الروائي صار معروفاً بموضوعات محددة مثل الذاكرة، وتعرية النازية، واستدعاء التاريخ، والنبش في الأمكنة، والبحث في الوثائق والسجلات وما إلى ذلك. ويبدو أن تنويع الحكايات وتشظّيها، ونسف الفكرة الوحيدة التي تهيمن على النسق السردي هو جديد هذه «النوفيلا». ولا بد أن نحيط القارئ علماً بالحدَثين الرئيسيين، فالسيد «أوربان ت» مهندس شاب أحرز المرتبة الأولى على متخرجي دفعته في معهد الكيمياء، وتزوج من الآنسة «جيزيل س» التي تبلغ من العمر 26 سنة، وتكبره بسنة واحدة، وهي جميلة، ورشيقة، وزوجها مثال للفتى الوسيم الأسمر، وقد انتقلا إلى المبنى 26 في شارع «فوسيه - سان - جاك» الذي ستقع فيه حادثة الانتحار. اصطحب أوربان زوجته لتناول العشاء في أحد المطاعم. وفي الثانية بعد منتصف الليل عادا برفقة رجلين وامرأتين أحدثوا صخباً أرّق الجيران. وفي الرابعة فجراً غادر الضيوف الأربعة وعمّ الهدوءُ المنزل. وبعد نصف ساعة لا غير سُمع دوي طلقتين ناريتين لم يثيرا انتباه أحد. عند التاسعة صباحاً خرجت إحدى الجارات من شقتها وسمعت أنيناً عند الباب فتذكرت دوي الطلقتين وحينما طرقت الباب خرجت السيدة جيزيل والدم يسيل من تحت ثديها الأيسر فتمتمت بأن زوجها مات. وحينما وصل مانيان، مفوض الشرطة اكتشف أن زوجها قد انتحر برصاصة في القلب وأنه لا يزال قابضاً على المسدس بيده وإلى جانبه رسالة كتب فيها: «زوجتي قَتلت نفسها. كنُا ثملَين. لذا، أقتل نفسي. لا تتكبدوا مشقّة البحث». ثم أُقفل التحقيق. لم تأخذ الرواية نَفَساً بوليسياً بعد الحادثة، وإنما ظل الروائي يجد متعته في عملية البحث ذاتها بحيث أصبح الكشف عن الجاني هدفاً جانبياً. وعلى حساب هذه القصة التي لم تتكشف خيوطها بعد تبرز لنا قضية السيد باشيكو الذي يعمل في الخطوط الجوية الفرنسية، ويتردد على المدينة الجامعية، ولديه بطاقة طالب تفيد بأنه سجّل في كلية العلوم حتى يُغرقنا الراوي بتفاصيل نَسَبه، وحياته الأسرية فنعرف أن أباه من بيرو، وأمه نصف بلجيكية ونصف فرنسية، وأن نسبها متحدر من سلالة المارشال فيكتور، وأنّ اسمه في صباه كان فيليب دي بيلّون.
يركّز الراوي على مظهر فيليب الخارجي الذي يرتدي بدلة من الكتّان البيج، وينتعل حذاء من جلد الأيّل، وأنّ عمره مراوغ يترجّح بين الخامسة والثلاثين والخمسين عاماً. ورغم أنّ التحقيق قد أُغلق في قضية انتحار الزوجين فإن أخبارهما لم تمت كلياً، فبين آونة وأخرى يظهر خبر في هذه الصحيفة أو تلك مثل «حفلة العربدة المأساوية» أو إشارة إلى «المصعد الأحمر» في جزيرة الذئاب. كما أنّ أخبار باشيكو تتواتر بشكل متضارب تارة لاتصاله بالعدو، وتارة أخرى لمعاناته الكبيرة في معسكر الاعتقال التي أفضت إلى وفاته. يغادر باشيكو إلى المغرب ويودع حقائبه عند الراوي لكنه يعود بعد مدة لنكتشف أن الشخص الذي خدم الزوجين في مطعم «بيرّو» ليلة الحادث لا يُدعى باشيكو أو فيليب دي بيلّون وإنما شارل لومبار.
تغدو شخصيات الرواية شيئاً ثانوياً قياساً للأحداث المتعددة، فيما تُصبح الأحداث أقل أهمية من الأمكنة التي ركّز عليها الراوي أو الروائي ذاته بحيث تحول حي مونبارناس إلى بؤرة مكانية تتسيّد فيها المقاهي والحانات والمحطات المتعددة التي يتنقل فيها أبطال الرواية الأساسيون منهم والهامشيون على حدٍّ سواء لكنهم جميعاً يدورون في مفازة مضللة يصعب أن يخرج منها القارئ بنتيجة ملحوظة سوى متعة السرد ذاتها.
لم يعد موديانو مقتنعاً بالحكاية التقليدية، فلا غرابة أن يفتتها في أكثر من نص سردي، وقد سار في هذه الرواية عكس الزمن التصاعدي ليقدّم لنا ثلاثة أزمنة في آنٍ واحد هي: الزمن المضارع، وزمن الماضي القريب نسبياً، والماضي البعيد، كما أثث الفجوات الزمنية بأحداث فرعية لا تخلو من النفَس الدرامي الذي يتصاعد في كل حدث وينطفئ في نهايته.
أصدر موديانو أكثر من عشرين رواية نال عنها العديد من الجوائز مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية، وجائزة الغونكور، وجائزة نوبل التي حققت له شهرة غير مسبوقة دفعت المترجمين إلى ترجمة رواياته إلى معظم اللغات الحية في العالم ومن بينها اللغة العربية حيث أتحفنا بسّام حجّار، ودانيال صالح، وناهد عبد الحميد، بالعديد من التراجم الموفقة لروايات موديانو.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.


آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
TT

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، الاثنين، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك عقب اجتماعه مع وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، على هامش زيارته الحالية للقاهرة، التي تمتد لأيام.
وجاء الاجتماع بالتزامن مع زيارة أخوية أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جدة، حيث استقبله الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستعرضا العلاقات الثنائية الوثيقة والتاريخية بين البلدَين، والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات.
وناقش الجانبان خلال الاجتماع سبل تعزيز التعاون الثقافي بين السعودية ومصر، وبحثا مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما. كما أكدا عمق علاقات البلدين التاريخية، وأهمية توسيع آفاق الشراكة في المجالات الثقافية والفنية، بما يواكب التوجهات الاستراتيجية لقيادتيهما، ويعزز الحراك الإبداعي المشترك.

جانب من اللقاء بمقر وزارة الثقافة المصرية (حساب تركي آل الشيخ على «إكس»)

وقال المستشار تركي آل الشيخ في تصريحٍ له عقب الاجتماع، إنه اتفق مع الوزيرة جيهان زكي على «أن يكون شعارنا (نزرع الأمل والبهجة)»، مضيفاً: «لدينا مفاجآت كبيرة، ونتشارك ذات الرؤية والتوجه، وهناك مفاجآت تخص دار الأوبرا المصرية، حيث سيتم إعداد برنامج كبير لزيارة فناني الدار إلى المملكة بشكلٍ شهري».

وأعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية عن مفاجأة كبيرة جداً يجري الإعداد لها في الساحل الشمالي، وأخرى تتعلق بالسينما والثقافة في جميع محافظات مصر، مؤكداً أن «الصيف سيكون مختلفاً في مصر هذا العام»، والمرحلة المقبلة ستشهد إعلان عدد من المبادرات التي تعكس مستوى التنسيق القائم بين الجانبين.

بدورها، أبدت الوزيرة جيهان زكي، سعادتها بالنقاشات والحوارات بين الجانبين، معربة عن تقديرها لروح التعاون المثمرة. وأكدت أهمية الشراكات السعودية - المصرية، مشيرةً إلى أن الثقافة تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ علاقات البلدين الاستراتيجية.

الوزيرة جيهان زكي تستقبل المستشار تركي آل الشيخ (هيئة الترفيه السعودية)

ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة اجتماعات يعقدها المستشار تركي آل الشيخ خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، بهدف تعزيز الشراكات الثقافية والفنية، وفتح آفاق جديدة للتكامل بين المؤسسات المعنية في السعودية ومصر، بما يخدم تطلعات الشعبين.

كان المستشار تركي آل الشيخ التقى في وقت سابق، وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان، وبحثا تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الإعلام والثقافة والفنون.

وقال رشوان إن زيارة آل الشيخ، بمضمونها وتوقيتها، تحمل رسالة ذات دلالات واضحة على أن العلاقات بين البلدين، على مختلف المستويات، بما فيها الجوانب الثقافية والإعلامية، أقوى وأكثر استقراراً ورسوخاً من أي محاولات يائسة للنيل منها أو تشويه حقيقتها.

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «فيسبوك» من لقائه مع الوزير ضياء رشوان

ونوَّه رئيس هيئة الترفيه السعودية بأنه سيجتمع مع عدد من المسؤولين عن شؤون الثقافة والإعلام والفنون، وكثير من الرموز المصرية في هذه المجالات، لبحث آفاق أوسع من التعاون، والارتقاء بالعمل المشترك إلى مستوى يتناسب مع ما يجمع البلدين وقيادتيهما من روابط تاريخية عميقة.

وأضاف آل الشيخ أن «هناك ثقافة عربية واحدة، بلغة عربية واحدة، أسهم فيها كل شعب عربي بطرق متنوعة، ولا شك أن التعاون المصري - السعودي اليوم يُمثّل أساساً في قيادة مشروع النهوض الثقافي العربي الشامل الذي نتطلع إليه».


واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي والحفر خلسة وتدمير حمام بخار بالكامل اكتُشف داخلها منذ ما يزيد على 5 سنوات... المطالب بضرورة التصدي لأي عمليات من شأنها تشويه الآثار المصرية، وتعريضها للخطر. وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالب لمتخصصين ومتابعين متنوعين بالحد من هذه السلوكيات.

وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن «المدهش في واقعة الكتابة بالطباشير أنها تأتي من مرشد سياحي، المفترض أنه على درجة كبيرة من الوعي بقيمة الأثر»، وطالب عبد البصير بـ«التصدي بحزم لمثل هذه التصرفات حتى يتم وأد حالات اللامبالاة والإهمال التي يمكن أن تنشأ لدى البعض، قبل أن تستفحل وتتفاقم ونجد صعوبة في السيطرة عليها».

وقال عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إن «تصرف المرشد السياحي وتبريره ما قام به، وعدم شعوره بالضرر الذي وقع على هرم سقارة، مسيء ومشين للآثار المصرية، ويعاقب عليه القانون، فضلاً عن أثره الحضاري السلبي الذي يمكن أن يصل للعالم من جراء تصرف عنصر يُفترض أن يتصدى لأي سلوك يشوّه الآثار لا أن يقوم هو به، كما أنه يجادل، وينفي علاقة الحجر الذي شوّهه بالأثر، والادعاء بأنه من الأحجار المضافة لهرم أوناس بسقارة».

مرشد سياحي يُشوّه هرم سقارة (يوتيوب)

وعدّ أن «التهاون مع مثل هذه التصرفات يعطي مردوداً سلبياً على الآثار المصرية، والتعامل معها، فضلاً عن نظرة العالم لنا حين نطالب باستعادة آثارنا المنهوبة»، وفق عبد البصير الذي دعا لوقفة قوية من نقابة المرشدين السياحيين بعد توقيف صاحب الواقعة.

في المقابل، كان هناك رصد لأعمال تعدٍّ على قلعة الجندي في سيناء، التي تقع على طريق الحج، وقد كشف عن هذه التعديات الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان في صفحته على «فيسبوك»، وقال إن «أعمال حفر نُفّذت خلسة أدت إلى تدمير حمام بخار بالكامل، كان قد اكتُشف في موسم حفائر 2020 - 2021 بواسطة بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، على الطريق الحربي لصلاح الدين في سيناء المعروف بطريق صدر».

جانب من أعمال التدمير التي رُصدت في الحمام الأثري (صفحة د.عبد الرحيم ريحان على «فيسبوك»)

ونشر ريحان صورة تظهر أرضية الحمام وقت اكتشافه، وتُوضح أن الأرضية كانت سليمة، وبعدد 6 بلاطات أثرية بحالة كاملة كما هو مثبت فى تقرير الحفائر، الذي يُشير إلى أنه ثالث حمام أيوبي متبقٍّ فى سيناء، وصورة أخرى تظهر أرضية الحمام بعد حدوث تعدٍّ عليه من قبل المحيطين بالمنطقة، و«القيام بأعمال حفائر خلسة داخل القلعة بحثاً عن الآثار، وهو ما أدى إلى تدمير أرضية الحمام، مما يمثل كارثة كبرى. والحمام مكون من 3 حجرات وموقد حجري ضخم أسفل الحمام تحت البلاطات التي دُمِّرت، وبه أحواض علوية وحوض توزيع ومغطس».

ووفق الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار المصرية، فإن «ما جرى من تشويه داخل هرم أوناس بسقارة، وتدمير حمام كامل بقلعة الجندي بسيناء، يرجعان لوجود حالة تراخٍ من الأثريين أنفسهم في حماية الآثار»، وطالب في حديث لـ«الشرق الأوسط» بـ«ضرورة تكثيف المراقبة من جانب وزارة السياحة والآثار، فلا يجوز أن تُترك كنوزنا وهي موجودة في مساحات شاسعة عرضة للانتهاك دون حماية»، وأضاف شرف: «أقترح أن ينظم المجلس الأعلى للآثار محاضرات دورية للعاملين في مجال الآثار، إضافة إلى طلبة المدارس، توضح لهم أهمية الآثار وقضية حمايتها والحفاظ عليها وطرق ترميمها»، مؤكداً أن الاهتمام بالوعي الأثري هو حائط الصد الأول للحماية، وأن «وجود الأثر في منطقة بعيدة مثل قلعة الجندي لا يُبرر انتهاكه، ولا التعدي عليه».