«إمام عبد الفتاح إمام» و«عزت قرني» يغادران مقعد الفلسفة

أثريا المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات وتتلمذ عليهما عشرات الباحثين

إمام عبد الفتاح إمام
إمام عبد الفتاح إمام
TT

«إمام عبد الفتاح إمام» و«عزت قرني» يغادران مقعد الفلسفة

إمام عبد الفتاح إمام
إمام عبد الفتاح إمام

كلاهما أحب الفلسفة واتخذها طريقاً لمحبة الحياة، وعمق حبه لها بالبحث المنهجي والدرس الأكاديمي لتاريخها ومذاهبها ومدارسها الفكرية، بداية من عصورها الكلاسيكية الأولى إلى ما وصلت إليه في عالمنا الراهن. كان شغلهما الشاغل أن ترتبط الفلسفة بالمجتمع، بقضاياه الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأن تكون مرآة يتطلع من خلالها إلى معنى الخير والحرية والجمال والحقيقة.
يومان وست سنوات، شكلت الفارق اللفظي بين رحلتيهما في أروقة الفلسفة والحياة، فما كدنا نلمم أحزاننا يوم الاثنين الماضي على رحيل الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة والمفكر الموسوعي، ورئيس لجنتها بالمجلس الأعلى للثقافة، إثر حادث سيارة عن عمر يناهز 79 عاماً، حتى تضاعفت أحزاننا، فبعد نحو 48 ساعة فوجئنا بغياب الدكتور إمام عبد الفتاح إمام، شيخ أساتذة الفلسفة والمترجم المصري الكبير، عن عمر ناهز 85 عاماً.
برحيل هذين العلمين خسرت الحياة الثقافية العربية جهود اثنين من العلماء المفكرين شكلا مثالاً يحتذى لطلابهما المهمومين بالبحث الفكري العلمي، كما أضافا للمكتبة العربية عشرات المؤلفات في الفكر الفلسفي، وتركا بصمة في مجال الترجمة خاصة لأعلام الفلسفة ومذاهبهم ونظرياتهم الراسخة.
أكاديمياً بدأ الراحلان جهودهما العلمية من تربة الفلسفة المثالية، ومن نقطتين، بينهما الكثير من التشابه والتباين أيضاً، إحداهما تمثل عتبة البدايات والأخرى تمثل، قوس النهاية.
مثلت فلسفة أفلاطون نقطة البدء في منهج عزت قرني الأكاديمي، فكانت أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من جامعة السوربون بفرنسا عام 1972 بعنوان «الدوكسا في نظرية المعرفة الأفلاطونية». وفيها فند فلسفة أفلاطون وفق مبدأ التدرج والانتقال بالمفاهيم والرؤى المعرفية من مستوى (الدوكسا) والتي تمثل آيديولوجية الرأي العام الشائعة، إلى مستوى أكاديمي علمي يتحرى الضبط المعرفي والمنهجي، وإعمال العقل في الرصد والتحليل والتقييم.
رفد قرني دراسته الأكاديمية بتعلم اللغة اليونانية القديمة ومعرفة المصادر الأم، ونقل إلى العربية عدداً من محاورات الفيلسوف اليوناني أفلاطون، أضاءها بمقدمات كاشفة للنص الأفلاطوني وسياقه التاريخي، وما انطوى عليه من تطوير في الرؤية والتطبيق... من بين هذه المحاورات: «فيدون» أو خلود النفس، «محاورة أوطيفرون» أو في التقوى، «محاورة السيفطائي»، أو في الوجود.
ومثلما انطلق قرني أكاديمياً من أفلاطون وفلسفته المثالية، والتي تجعل من الحق حقيقة العالم العقلي، بينما العالم المحسوس لا يعدو كونه أشبه بالظلال، اتخذ إمام عبد الفتاح إمام من مثالية هيجل المطلقة مداراً لبحثه الأكاديمي، وحصل على الدكتوراه عام 1972. وكان موضوع أطروحته «تطور الجدل بعد هيجل»، وهو العام نفسه الذي حصل فيه قرني على الدكتوراه من جامعة السوربون، بينما حصل عليها إمام من كلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة.
لا تخلو هذه المصادفة بين الأستاذين من دلالات ومفارقات، فعلى عكس مثالية أفلاطون تنهض مثالية هيجل المطلقة على التماثل بين الفكر والواقع في جدلية لا انفصام فيها، حيث يرى أن «كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي» وأن العقل عبر تطوره الخاص به يعبر عن تطور الواقع. أيضاً انشغل إمام بهيجل فتعلم الألمانية، ونقل إلى العربية كل تراثه، كما تابع أثره في أفكار ونظريات الفلاسفة اللاحقين عليه، وأصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة من أبرزها «المنهج الجدلي عند هيجل»، «تطور هيجل الروحي»، «دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل»، «مدخل إلى الفلسفة»، «أفكار ومواقف»، «تطور الجدل بعد هيجل» (3 أجزاء)،
ولد إمام عبد الفتاح إمام بمحافظة الشرقية، شمال شرقي القاهرة عام 1934 لوالد من علماء الأزهر الشريف، وخلال رحلته الوظيفية عمل بأغلب جامعات مصر، وجامعة الكويت، وطرابلس، وجامعة سبها بليبيا، كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها، وهو أبرز تلاميذ زكي نجيب محمود، وأهم الباحثين في فكره وفلسفته.
عمل إمام قبل رحيله أستاذاً غير متفرغ بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وهو عضو الجمعية الهيجلية بكندا... وفي سياق العام أشرف على سلسلة «أقدم لك» بالمجلس الأعلى للثقافة، وصدر منها ما يقرب من سبعين عدداً، كما أشرف على ترجمة موسوعة «كوبلستون» في تاريخ الفلسفة الغربية. ومن مؤلفاته أيضاً: «الديمقراطية والوعي السياسي»، «كيركجور رائد الوجودية»، «هوبز فيلسوف العقلانية»، «الطاغية»، «الأخلاق والسياسة»، «معجم ديانات وأساطير العالم»، «سلسلــة الفيلسـوف والمـرأة»، وهي سلسلة اعتنى فيها بالبحث عن العقل المؤنث في تاريخ الفلسفة، وقدرة المرأة بما تمتلكه من عقل أنثوي متعدد المعاني والتأويل على استهواء العقل الذكوري والجدل البناء معه حول أسرار الكون والطبيعة والحياة.
لم تخل إسهامات إمام الفكرية، من نظرة خاصة إلى فلسفة الأخلاق، وربطها بطبيعة المجتمع وتطوره، فكان يرى أنه كلما اشتدت وطأة الظلم والطغيان السياسي، انحطت كرامة الفرد، وافتقد إنسانيته وحقوقه الكاملة في مجتمعه.
تحت هذه المظلة، يهدي إمام كتابه الشهير «الطاغية... دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي» رابطاً بين طبائع الاستبداد والحرية وكيف تشكل علاقة الإنسان بالوجود من حوله قائلا: إلى الذين يشعرون أن الحرية هي ماهية الإنسان، إذا فقدها، فقد وجوده معها».
ويشبه إمام الشعب المنزوع حقه في الديمقراطية بالمسخ، لافتاً إلى أنه «في النظام السياسي السيئ يتم تحويل الشعب إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر العجز والدونية واللاجدوى!»، مؤكد أن «الديمقراطية الناقصة أو العرجاء خير ألف مرة من حكم الطغيان». على الضفة نفسها ربط عزت قرني الفلسفة بالوجود الشرعي للمجتمعات، وانصب جانب مهم من مشروعه الفكري في البحث عن ركائز وسمات خاصة لفلسفة مصرية وعربية جديدة تكتب باللغة العربية، وتنفض أيديها من غبار التأثر بالمنجز الغربي.
وهو المشروع الذي وصفة بالرسالة، قائلاً في إحدى حواراته: «إن رسالتي الفكرية الهادفة إلى بلورة رؤية فلسفية جديدة خاصة بالثقافة العربية نابعة من مواقفنا وتصوراتنا ومشاكلنا الحالية لتقدم بطريقة حرفية تفصيلية، كما أننا مطالبون بالتعريف بإنجازات الحضارة الإسلامية التي شوهتها الحركات المتطرفة في زمن طغت وغلبت فيه العلوم التطبيقية وتحولت أغلب العلوم الإنسانية إلى علوم حية».
وفي إحدى ندواته بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر بأن السلطة الدينية تحارب الفلسفة وترفض تدريسها فما سبب ذلك برأيك؟
وفي حوار شيق معه ومفتوح بإحدى ندواته بالمجلس الأعلى للثقافة يطرح عزت قرني نظرة شاملة وعميقة لما يسمى بتطوير الخطاب الديني، وإنقاذ مقوماتنا الثقافية الذاتية لتصبح حجر الأساس لفلسفتنا الخاصة بنا قائلاً: «أنا أفضل تسمية ثقافتنا الجديدة باسم (الأصوليات) لكي نبتعد عن الاسم (الإفرنجي) ونتخلص من التأثير الأجنبي عليها، لأن الفلسفة هي علم الأصول كما قال العلماء، وبالنظر إلى الحضارة الإسلامية نجد أنهما قد أنتجت اتجاهات مهمة في ميادين العلم، ولكن يرجع أساسها وأصلها إلى التوحيد، ولا بد لنا أيضاً من إعادة تكوين علم أصول الدين ليحمل أساساً نظرة إسلامية مستقبلية، فعلم أصول الدين القديم أصبح تاريخياً».
ولد عزت قرني في محافظة الجيزة بمصر في 15 يناير (كانون الثاني) 1940. وتخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1960. وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة عام 1975، وعلى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976. وهو عضو في الجمعية الفلسفية المصرية والجمعية التاريخية المصرية وجمعية محبي الفنون الجميلة بالقاهرة. وعمل لفترة في جامعة الكويت.
ترك عزت قرني العديد من الأعمال المهمة فترجم للعربية على سبيل المثال كتاب «أرسطو» لألفريد تايلور، وكتاب الفلسفة المعاصرة في أوروبا، تأليف إ.م.بوشنسكي. ومن أبرز مؤلفاته «الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون»؛ «الفكر الجديد في أزمة الفكر العربي المعاصر»؛ «العدالة والحرية في فجر النهضة العربية»، «مستقبل الفلسفة في مصر»؛ «في الفكر المصري الحديث»؛ «فعل الإبداع الفني مع نجيب محفوظ»، «تأسيس الحرية»، «طبيعة الحرية؛ «الذات ونطريه الفعل»، «غايات الإنسان وفكرة الخير»، «نظرية الشر».
اتسم عزت قرني بالتواضع الجم، وكان يتمتع بشخصية جذابة وقوية، منفتحة بحيوية على كل الآراء والأفكار، وأذكر أنه في كلية الآداب بجامعة عين شمس حيث حظيت بدراسة الفلسفة اليونانية على يديه وأيضاً جانب من فلسفة علم الجمال، كان ما إن تدلف قدماه إلى مدرج المحاضرات، حتى يخيم السكون والصمت على المكان، وكأنه محراب علم. لم أكن أشعر أنه يدرس لنا الفلسفة فحسب، وإنما كان يفتح أعيننا وحواسنا على مكانة الفلسفة في المجتمع، وأنه لكل مجتمع وتجمع فلسفته الخاصة، لأن المعنى الحقيقي للفلسفة هو رؤية الكون والإنسان في إطار من العلاقة الحية المتجددة فيما بينهما.
يبقى أن أشير إلى أنه من الإضافات المهمة في مشروع عزت قرني الفلسفي، ربطه ببين فلسفة الفن والفلسفة بشكل عام، وقد تجلى هذا على نحو لافت في كتابة الموسوعي «أصول الفن» الذي صدر عن هيئة الكتاب المصرية عام 2016، حيث طرح فيه رؤى وأفكار في غاية الأهمية، خاصة فيما يتعلق بتعريف الشكل أو نظرية التعبير الفني، متتبعاً تجلياتها في شتى دروب الفن: من الرقص والغناء، والموسيقى، إلى المسرح والقصة والسينما، مروراً بالفنون التشكيلية. وقد أشار في مقدمته للكتاب أنه الأول من أربعة أو خمسة كتب، هيئة الكتاب، وفي نعيها له، ذكرت هيئة الكتاب أن هناك كتابين من هذه الكتب تحت الطبع بعنوان «الجميل والجمال»، و«غايات الإنسان».
إنهما عالمان جليلان أخلصا للعلم والحقيقة، فصارا مثالين يحتذيان على يقظة الضمير والشعور الوطني النبيل.



أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.


«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
TT

«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)

توّج مهرجان البحرين السينمائي الفنانة المصرية يسرا بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» خلال حفل افتتاح دورته السادسة، الذي أقيم الخميس، بحضور وزير الإعلام البحريني الدكتور رمزان بن عبد الله النعيمي، وعدد من الشخصيات الفنية البحرينية ونجوم السينما العربية.

وظهرت الفنانة يسرا بإطلالة لافتة، وقالت خلال تسلمها الجائزة: «لقد مضى على حياتي الفنية 50 سنة من عمري وأنا أحب الفن وأقدره، والحب الذي بيني وبينكم وبين كل الناس في جميع أنحاء العالم كان وراءه الفن». وأضافت: «أشكركم لأنكم تمنحونني جائزة على مدى الحياة، وقد شرفت أنني تعاملت مع أهم المخرجين والفنانين في تاريخ الفن المصري والعربي، وحقيقة لم أشعر بمُضي هذه السنوات، لكنني أؤكد لكم أنني أعيش بمحبتكم ومساندتكم».

وعبّرت يسرا عن سعادتها بالتكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بسعادة كبيرة لهذا التكريم وتزداد سعادتي أن يحظى الفن في الوطن العربي بتقدير كبير، وأن تكون قيمته كبيرة لدى الجمهور، وأشكر مهرجان وجمهور البحرين، وأقدر كثيراً الرقي والذوق الذي يتعاملون به».

ويأتي تكريم «البحرين السينمائي» ليسرا، بحسب المهرجان، احتفاء بمسيرة فنية ممتدة رسّخت حضورها في السينما العربية، وجعلتها واحدة من أبرز نجمات الشاشة على مدى عقود، وتقديراً لأعمالها الفنية التي اتسمت بالتنوع والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، واستمراراً لحضورها الفني على مدى أجيال متعددة، وطرحها أفلاماً لامست قضايا المجتمع والإنسان.

كما شهد حفل الافتتاح تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي، ومنحه جائزة «الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية» تقديراً لدوره في تأسيس «نادي البحرين للسينما» قبل أكثر من نصف قرن، ما وفّر مساحة للحوار عبر أجيال تفاعلت مع الفن السابع، وهو النادي الذي يقيم مهرجان البحرين السينمائي سنوياً.

تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي (وكالة أنباء البحرين - بنا)

وتشهد الدورة السادسة التي تقام خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مشاركة نحو 90 فيلماً، تُعرض عبر عدد من المسابقات، تختص إحداها بالأفلام البحرينية، وأخرى بالأفلام الوثائقية، إلى جانب مسابقة أفلام الطلبة ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة التي تشهد مشاركات عربية، من بينها الفيلم المصري «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، والفيلم اللبناني «لآخر رقصة» للمخرجة نور عقيقي، والفلسطيني «منع أمني» للمخرج تامر شوامرة، والسوري «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، والمغربي «حدائق الجنة» للمخرجة صونيا الطراب.

وعَد الناقد السينمائي البحريني أسامة الماجد تكريم يسرا «هو تكريم لؤلؤة السينما العربية» وفق وصفه، مؤكداً أنها استحقت هذا الاحتفاء نظير ما قدّمته من أعمال خالدة وأدوار ما زالت عالقة في أذهان المشاهد العربي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هي فنانة تمتلك حضوراً خاصاً وقدرة على منح شخصياتها حياة تبقى معنا طويلاً، وتكريمها تقديراً لمسيرة ثرية بالعطاء والإبداع».

كا عَد تكريم البحريني نادر المسقطي وفاءً مستحقاً لأحد رموز الإبداع والثقافة السينمائية وأحد الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس الوعي بالفن السابع وترسيخ حضوره، عاداً أنه أمر مهم أن يحتفي المهرجان بمن وضعوا اللبنات الأولى لهذه المسيرة.

وأشار إلي أن «البحرين السينمائي» يواصل ترسيخ مكانته بخطوات واثقة، وأن كل دورة تحقق تقدماً ملموساً عن سابقتها، سواء في عدد الأفلام المشاركة وجودتها، أو في تنوع الفعاليات واتساع آفاق اللقاء بين المبدعين.

ويرى الماجد أن «الورش التي يقيمها المهرجان تمنحه قيمة معرفية مهمة، وتفتح أمام الشباب مجالاً للتعلم والحوار والاحتكاك بأصحاب الخبرة، وتجعله مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التجارب وتطوير أدوات صناعة الفيلم، وأن المهرجان يحضر بقوة على خريطة المهرجانات السينمائية العربية».

حضور عربي لافت في افتتاح «البحرين السينمائي» (وكالة أنباء البحرين - بنا)

فيما يرى الناقد المصري خالد محمود أن تكريم يسرا بمهرجان البحرين بمثابة حصاد لمشوار سينمائي قطعته بإصرار ونجاح، ومسيرة استثنائية لفنانة تركت أثراً في السينما المصرية والعربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «يسرا قدّمت أدواراً أثقلت تجربتها مع كبار مخرجي وفناني السينما المصرية بأعمال مهمة، على غرار أفلامها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، ومع الفنان الكبير عادل إمام، الذي شاركته البطولة في أفلام عديدة سياسية وكوميدية»، مؤكداً أنها «لا تزال تواصل حضورها الفني بنفس الإصرار والحماس».

وبدأت يسرا مسيرتها الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر أدوار البطولة في أفلام «فتاة تبحث عن الحب»، و«قصر في الهواء» و«شباب يرقص فوق النار»، ولقبت في ذلك الوقت بـ«نجمة أفلام العلب»، بعد أن ظلّت أفلامها حبيسة العلب بعد تصويرها لعدة سنوات، لتنطلق مسيرتها بعد ذلك بأدوار لافتة، من بينها «الإنسان يعيش مرة واحدة» أمام الفنان عادل إمام، وإخراج سيمون صالح، و«لا تسألني من أنا» أمام الفنانة الراحلة شادية وإخراج أشرف فهمي، و«الصعاليك» إخراج داوود عبد السيد، وتواصلت أفلامها مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر»، و«إسكندرية نيويورك».