هل بلغت دورة النمو الأميركي نهايتها واقترب شبح الركود العالمي؟

قمة مجموعة الـ 20 في دورتها الـ 13 بالأرجنتين العام الماضي (أرشيف – أ. ب)
قمة مجموعة الـ 20 في دورتها الـ 13 بالأرجنتين العام الماضي (أرشيف – أ. ب)
TT

هل بلغت دورة النمو الأميركي نهايتها واقترب شبح الركود العالمي؟

قمة مجموعة الـ 20 في دورتها الـ 13 بالأرجنتين العام الماضي (أرشيف – أ. ب)
قمة مجموعة الـ 20 في دورتها الـ 13 بالأرجنتين العام الماضي (أرشيف – أ. ب)

يتوقع الخبراء أن يستمر نمو الاقتصاد العالمي في العام الحالي، لكنهم يحذرون من أن الأوضاع تتغيّر في اتجاه سلبي وتمهّد لحصول ركود عام 2020، أو ربما 2021. ولا شك في أن هذا الموضوع سيكون مدار بحث في قمة العشرين التي تعقد دورتها الرابعة عشرة في اليابان قريباً، وسواها من المنابر واللقاءات المعنية بالاقتصاد.
ويشير الخبراء في المقام الأول إلى أن حزم التحفيز العالمية للاقتصاد تقترب من نهايتها، والضغوط التضخمية تتعاظم، بالإضافة إلى أن النزاعات التجارية المتفاقمة تلقي بأعباء كثيرة على دول عدة أساسية في الاقتصاد العالمي ومساراته.
ويعتبر الاقتصاد الأميركي الذي يعيش مرحلة إيجابية منذ سنوات مع نمو متواصل وتراجع مستمر للبطالة مبعث القلق الأكبر. إذ إن قادة الأعمال في الولايات المتحدة يتفقون مع عدد كبير من الخبراء على أن بلادهم يحتمل أن تدخل مرحلة ركود بحلول نهاية عام 2020 لأسباب عدة تأتي في صدارتها السياسة التجارية الحمائية. والاستنتاج نفسه خلص إليه تقرير صدر حديثاً عن الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال بناءً على مسح تضمّن ردود 53 من الخبراء الاقتصاديين. وقال الخبير الأميركي في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» غريغوري داكو إن معظم المشاركين في المسح أبدوا خشية من التداعيات السلبية للحروب التجارية، وأبرزها النزاع المتفاقم بين الولايات المتحدة والصين، ونُذُر حربين تجاريتين بين الأولى وكل من الهند والمكسيك، بالإضافة إلى الخلاف المستمر لواشنطن مع الاتحاد الأوروبي.
وإذ اعتبر الخبراء الأميركيون أن خطر حدوث ركود وشيك في الولايات المتحدة لا يزال ضئيلاً، حذّروا من أنه سيرتفع بسرعة في العام المقبل، خصوصاً في النصف الثاني منه ليبلغ في أواخره 60 في المائة. وورد في التقرير أن متوسط التوقعات لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام 2020 بلغ 1.9 في المائة، بتراجع كبير عن نمو الاقتصاد 3.1 في المائة خلال الربع الأول من العام 2019.
والأرجح أن الولايات المتحدة بلغت المراحل الأخيرة من مسلسل النمو الذي بدأ عام 2009. ولا شك في أن إجراءات مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) والكونغرس وإدارة الرئيس السابق باراك أوباما ساهمت في انتشال البلاد من الركود، واستمر الاتجاه التصاعدي في عهد الرئيس دونالد ترمب.
ولئن يعتبر أكثر الخبراء أن النزاعات التجارية هي المصدر الأول للخطر على الاقتصاد الأميركي وبالتالي العالمي، فإن ذلك لا يلغي وجود عوامل سلبية أخرى. وفي هذا السياق، تداولت مواقع إلكترونية عالمية عدة في الأيام الأخيرة مقالاً تحليلياً للخبير الاقتصادي والأكاديمي الأميركي نورييل روبيني الذي عمل في الإدارة خلال عهد الرئيس بيل كلينتون. وحذّر الخبير، المعروف عموماً بميله إلى التشاؤم، من حصول ركود عام 2020 بمجرد وقوع صدمة ما، حتى لو تحرّكت البنوك المركزية للتصدّي لها بسرعة. ولفت خصوصاً إلى تقلبات أسواق الأسهم الأميركية، وأخطار مرتبطة بارتفاع أشكال الديون الجديدة، بما في ذلك في العديد من الأسواق الناشئة حيث يحصل الكثير من الاقتراض بعملات أجنبية.
ويتخوّف روبيني كثيراً من التوترات القائمة بين بكين وواشنطن، خصوصاً إذا أدّت إلى إقفال الأولى أسواقها في وجه شركات متعددة الجنسية كانت في الأصل أميركية أو تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها. ففي هذه الحالة ستكون الارتدادات السلبية عالمية نظراً إلى اتّساع رقعة انتشار هذه الشركات العملاقة، الأمر الذي سيؤدي إلى أزمة قد تتحوّل إلى ركود بسبب حجم الديون الخاصة والديون الحكومية حول العالم.

4 أسباب أميركية
من جهتها، حذّرت شيلا بير التي كانت رئيسة الوكالة الفدرالية الأميركية لضمان الودائع إبان حصول الأزمة المالية عام 2008، من الغيوم الرمادية المتلبّدة في سماء الاقتصاد الأميركي الذي لا حاجة إلى القول إن أي أزمة كبيرة فيه ستجرّ العالم إلى أزمة. وتحدّثت عن أربعة بواعث رئيسية للقلق: خفض مستوى رؤوس الأموال الإلزامية للبنوك، تعاظم الديون الخاصة، العجز الكبير في الميزانية الفيدرالية، والحجم الضخم للقروض الطلابية.
في ما يتعلّق بالسبب الأول، قالت بير لمجلة «بارون» الأميركية إن تخفيف القيود على رؤوس الأموال الإلزامية للبنوك يحرمها الوسيلة الضرورية لاستيعاب أي هزّة، تماماً كما حصل في 2008 و 2009. وفي هذا السياق، خلصت ذراع بحثية تابعة لوزارة الخزانة الأميركية إلى أن النظام المالي سيكون في خطر كبير إذا تعثر أحد البنوك الكبرى، رغم الإصلاحات التي اعتُمدت بعد أزمة 2008. وكذلك، يعتقد كينيث روغوف أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد أن البنوك المركزية الأساسية في أنحاء العالم غير مهيأة للتعامل مع أزمة مصرفية جديدة.
عن السببين الثاني والثالث، رأت بير أن شيئاً لم يتغير منذ العام 2008، فالأميركيون ينفقون بالاعتماد على الاقتراض، خصوصاً بواسطة بطاقات الائتمان، فيما الإنفاق الفدرالي يتعاظم مع أن الوضع المالي للخزينة العامة ليس سليماً. وبالتالي، سيكون القطاعان الخاص والعام عاجزين عن امتصاص أي صدمة كبيرة.
أما السبب الرابع فقد يتعجب له البعض للوهلة الأولى، لكن العجب يبطل متى علمنا أن حجم القروض الطلابية في الولايات المتحدة يبلغ 1.3 تريليون دولار. والمشكلة أن التعثر المحتمل لن تدفع ثمنه المؤسسات التعليمية بل الحكومة الفدرالية، تماماً كما حصل مع أزمة القروض السكنية التي استتبعت سقوط حجارة الدومينو في أزمة عام 2008.
في الإطار نفسه، رأت دراسة أجراها خبراء معهد أندرسون للإدارة في جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس، أن القفزة التي تحققت في ظلّ السياسات المالية التوسعية لإدارة ترمب ستنتهي قريباً وتنهي معها نمواً بدأ قبلها واستمر عقداً. وتوّقعت أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.7 في المائة عام 2019 وإلى مستوى قريب من الركود يبلغ 1.1 في المائة عام 2020.
وكتب الخبير الاقتصادي ديفيد شولمان في دراسة المعهد: «قبل سنة، كنا نتطلّع إلى نمو اقتصادي عالمي متزامن، أما اليوم فقد بدأ تباطؤ عالمي متزامن». ولفت إلى أن ركوداً يحصل أواخر العام المقبل سيشكل بطبيعة الحال ضربة لفرص إعادة انتخاب دونالد ترمب لولاية رئاسية ثانية. وأضاف: «بالنسبة إلى التباطؤ العالمي، يتفاقم الضعف بسبب السياسات الحمائية التي تعتمدها إدارة ترمب والشكوك المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وسينتقل الضعف العالمي إلى الاقتصاد الأميركي من خلال بيئة تصدير أقل قوة وانخفاض أرباح الشركات».
وعلى الجانب الإيجابي، تتوقع دراسة معهد أندرسون أن يعدّل الاحتياط الفدرالي سياسته خلال العام المقبل بحيث يلطّف آثار الأزمة إذا وقعت، وبحيث يحافظ الاقتصاد الأميركي على مستوى مقبول من النمو عند حدود 2 في المائة عام 2021. وإذا حصل ذلك، يمكن الحديث عندها عن انكماش أو تباطؤ لا عن ركود حقيقي.
خلاصة القول إن دورة الانتعاش التي قادها صعود الاقتصاد الأميركي لا يمكن أن تستمر، فهي متواصلة منذ 38 فصلاً، علماً أن أكبر دورة من هذا النوع في الولايات المتحدة استمرت 40 فصلاً، أي عشر سنوات. ويؤمل أن يكون مسؤولو الدول الكبرى التي تقود سفينة الاقتصاد في مستوى المسؤولية لتمر دورة الهبوط المتوقعة بسلام وبأقل الأضرار الممكنة، خصوصاً أن آثار أزمة 2008 – 2009 لا تزال ماثلة في الأذهان.


مقالات ذات صلة

غوتيريش يدعو «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في «هرمز»

العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز) p-circle

غوتيريش يدعو «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في «هرمز»

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الاثنين)، «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفق ما صرح المتحدث باسمه للصحافيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد قارب يبحر بمياه مضيق هرمز قبالة «خصب» في شبه جزيرة مسندم الشمالية بسلطنة عمان (أ.ف.ب)

«بنك سيتي»: الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص صدمة في أسعار النفط

قال «بنك سيتي» إن الاقتصاد العالمي بات في وضع أفضل من السابق لامتصاص صدمة بأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

كيف يمكن تطبيق «حصار هرمز» تقنياً؟

تبرز تساؤلات حيوية حول الكيفية التي يمكن بها للبحرية الأميركية تنفيذ حصار عسكري في واحد من أضيق وأكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلات نفط في محطة خورفكان للحاويات (أ.ف.ب)

ما تأثير «حصار هرمز» على تدفقات النفط؟

بعد إعلان الرئيس الأميركي فرض حصار على مضيق هرمز، تطرح تساؤلات حول مدى تأثير ذلك على تدفقات النفط والدول المتضررة من هذا القرار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات النفط وسفن الشحن تصطف في مضيق هرمز (رويترز)

تأهب عند «هرمز»: ناقلات النفط تغير مسارها قبيل الحصار الأميركي

بدأت ناقلات النفط العالمية بالابتعاد عن مضيق هرمز وتغيير مساراتها بشكل استباقي قبيل ساعات من بدء سريان الحصار البحري.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.