تلك المجلات الأدبية المنقرضة

أولاها صدرت باللغة العربية عام 1907

أغلفة مجلات جزائرية
أغلفة مجلات جزائرية
TT

تلك المجلات الأدبية المنقرضة

أغلفة مجلات جزائرية
أغلفة مجلات جزائرية

صدرت أول مجلة باللغة العربية في الجزائر سنة 1907، وكان عنوانها «الإحياء». وقد أشرفت عليها جان ديريو (1886 - 1914) التي زارت بيروت، والتقت باللبنانية لبيبة هاشم (1880 – 1947) التي أصدرت أول مجلة في مصر بعنوان «فتاة الشرق»، بداية من سنة 1906. وبخلاف مجلة «فتاة الشرق» التي عمرت طويلاً، فإن مجلة «الإحياء» لم تعمر كثيراً، إلا أنه يمكن للباحثين أو المهتمين تصفح أعدادها السبعة المحفوظة في المكتبة الوطنية الباريسية. نقرأ في هذه المجلة الأولى، الموجهة إلى عموم المجتمع، مساهمات أدبية ذات حضور وأهمية تاريخية آنذاك، كالشاعر الجزائري حاج صالح، والكاتب علواني، وغيرهما.
لكن الزمن مرَّ وتغير. جرى كثيراً بسرعة مدوخة، وانقضى، وتطور عميقاً منذئذ. وما فتئ دوره التوثيقي لتاريخ الإبداع يبيّن لنا أن عادات كثيرة في تقاليد قراءة المجلات قد تغيرت، وارتبكت الوسائط التي كانت تستعمل للقراءة من قبل، من الكتاب الورقي إلى المجلة الورقية الشهرية أو الفصلية، وكذا الجريدة الورقية. نكاد نذعن، رغم المكابرة النوستالجية، لأن زمن الورق قد انتهى، أو يكاد، وأن الشاشة والرموز تحل محله، وتكتسح بسرعة جغرافية الورق وملحقاته، من قلم وحبر ومنشفة ومبراة وممحاة ومسطرة.
فإذا كان الكتاب الورقي ما يزال يقاوم بصعوبة زحف الشاشة واللوحة والكتاب الرقمي في بلاد العرب والعربية، فإن المجلة الورقية قد أصبحت أو تكاد من ذكريات الماضي، رغم أن ذلك الزمن لا يبدو بعيداً، ذلك الزمن الذي كان فيه للقارئ في الجزائر أفق انتظار في علاقته بالمجلات العربية التي كانت تصل إلى السوق الجزائرية فيقبل عليها بنهم.
نعم...كان القارئ من بغداد إلى طنجة، مروراً بالجزائر، ينتظر بلهفة صدور مجلة ورقية في بيروت، كمجلة «الآداب» و«الطريق» و«شعر» و«مواقف» و«دراسات» و«الأقلام»، ومجلة «الطليعة الأدبية» و«شؤون عربية» و«المورد» من بغداد، وينتظر «الموقف الأدبي» و«المعرفة» و«الآداب الأجنبية» من دمشق، وينتظر إطلالة «العربي» من الكويت، و«الهلال» و«فصول» و«الطليعة» من القاهرة.
حقاً... كان للقارئ الأدبي منابره كالتي ذكرناها، وللقارئ المهتم بالفنون منابره أيضاً، كـ«الصياد» و«الكواكب» و«الموعد»، وغيرها. وللبلدان المغاربية منابرها من المجلات. ففي تونس، كانت مجلة «فكر» و«قصص» و«الحياة الثقافية»، وفي ليبيا مجلة «الفصول الأربعة»، وفي المغرب ارتبط اسم عبد اللطيف اللعبي بمجلة «أنفاس» التي مثلت منبراً ثقافياً، بل مؤسسة جمعت إليها وعلى صفحاتها أهم الأقلام المغاربية التي تكتب بالفرنسية، ومجلة «الأقلام»... أما في الجزائر فقد كانت مجلة «آمال» التي أسسها وأشرف عليها الكاتب الكبير مالك حداد، وقد استطاعت في نسختها الفرنسية والعربية أن تكون صوت حوار الأجيال الأدبية الجديدة، وإن كانت مجلة «الثقافة»، رغم تقليديتها، ظلت منبراً ينتظره القراء، فتحولت إلى موعد ثقافي مهم في الجزائر.
اليوم، كل هذه المنصات الأدبية رحلت، أو أصبحت من دون موعد، ولا تمثل أي هزة، ولا تشكل أي أفق انتظار لدى القارئ، ولا لدى الكاتب. لقد دفنت مجلة «الثقافة»، رغم محاولات إنعاشها، إذ من المستحيل بعث الروح في الرميم. وأعتقد أن المنبر حين يخون مواعيد قارئه المحب، فإن هذا الأخير يرد بالمثل، فيعرض عن تقليد الانتظار، وينتقل لانشغال أدبي آخر.
حاولت المكتبة الوطنية الجزائرية في الفترة بين 2004 و2007 أن تعيد مجلة «الثقافة» إلى الحياة الثقافية، بعد أن نقلت مسؤوليتها من الوزارة إلى المكتبة الوطنية، ورغم صدور أعداد مهمة وجادة، فإن القارئ كان قد قطع الحبل السري بينه وبين هذا المنبر.
أما مصير مجلة «آمال»، فلا يختلف عن سابقتها مجلة «الثقافة»، فمع كل مجيء لوزير جديد للثقافة، يعِد بمنتهى الحماس ببعث الميت من لحده، ولكنه لا يفتأ أن يعود ليتوسد تراب الصمت وحجر الموت الثقافي. ولأن الماضي ليس دائماً جميلاً، وليس دائماً أفضل من الزمن الذي تلاه، كما يذهب إلى ذلك الفيلسوف «ميشال سير»، فإن في جزائر الحاضر توجد مجلات ذات بعد فكري رصين، لا تزال تقاوم لتحافظ على صدورها، ولها قراء، وإن كانوا من النخبة، وأذكّر هنا بمجلة «نقد» التي يشرف عليها الباحث المؤرخ الجامعي البروفسور دحو جربال؛ مجلة في العلوم الإنسانية بشكل عام، إلا أنها تصدر بين الفينة والأخرى ملفات عن الفن التشكيلي، والسينما، والمواطنة، والآداب الشعبية، وإنها مجلة خاصة تمتاز بحسها التنويري الجاد، وبطابعها الثقافي الفكري النضالي. إن الذكاء في تجربة مجلة «نقد» يتمثل في أنها توازي بين الطبع الورقي الكلاسيكي الذي حافظت عليه، والنشر الإلكتروني الذي دخلت تجربته بنجاح، فجميع الأعداد متوفرة بشكل ورقي ورقمي في الوقت نفسه، الأمر الذي جعلها تحقق بقاءها، وتحافظ على استمرارية صدورها.
كما أذكر مجلة «إنسانيات» التي تصدر عن المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية (الكراسك)، وتعد منبراً محترماً جاداً، وله أيضاً كثير من القراء والمتتبعين، في الجزائر وفي الخارج، خصوصاً في المؤسسات المهتمة بالبحث العلمي في هذا المجال. وتصنف مجلة «إنسانيات» من بين أهم المجلات المرجعية عالمياً، التي تؤخذ مقالاتها الجادة بكثير من الاحترام والاهتمام، وهي بدورها كذلك تشتغل على الملفات التي تتناول الثقافة الأدبية والفنية، كما تهتم بشؤون التربية وأمور القراءة وغيرها.
من جهة أخرى، فإن إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر تقدم أرقاماً خيالية لعدد المجلات التي تصدر عن مخابرها، وكلياتها، وأقسامها في كامل الجامعات الجزائرية التي قارب عددها المائة، إذ تذهب بعض الإحصائيات إلى أن عدد المجلات قد فاق الثلاثمائة مجلة، إلا أنها جميعها لا تتجاوز عتبات مكاتب من يصدرونها، بل أصبحت عبارة عن منابر ينشر فيها بعض الأساتذة مقالات للترقية الجامعية، ثم من المستحيل أن نعثر على أي أثر لمجلة جامعية في السوق، مع العلم أن هذه الوزارة نفسها كانت تصدر مجلة من أهم المنابر في سنوات السبعينات والثمانينات، بعنوان «الثورة والثقافة»، وكانت متوفرة في الأكشاك، ويشرف عليها وقتئذ المسرحي الكبير مصطفى كاتب.
ولا يخفى على أحد أن إنشاء مجلة ثقافية هو في حد ذاته مشروع ثقافي فكري مجتمعي ضروري، إلا أنه أضحى أمراً صعباً، بما يحيطه من عقبات التمويل وتبعاته، والانتظامية في تاريخ الصدور واستمراريته، وفي التوزيع، والتكلفة، والقدرة الشرائية للقراء. ولأنه لا يمكننا تصور بلد من دون مجلات دورية في الآداب والفكر والثقافة والفنون، لأنها هي الرابط بين الأسماء القديمة والجديدة، ووسيلة اتصال وتواصل، فلا بد من التعامل مع الثروة التكنولوجية اليوم، لأنني لا أعتبرها سطوة ولا عائقاً في طريق إصدار المجلات، بل هي في صالحها من حيث التكلفة، والتوزيع، وربح الوقت، والانتشار الأوسع.
فبعد أن كانت من قبل تعتمد في المطبعة التقليدية «اللينوتيپ»، والرصاص، والفلاش، والمجهود المادي والعضلي، فإنها تتحول بفضل ثورة التكنولوجيا إلى كائنات رقمية، قادرة على الارتحال بسرعة مذهلة للقاء مئات الآلاف من القراء، متجاوزة الحدود الجغرافية الكلاسيكية، ومتجاوزة الرقابة بكل أنواعها.
تغير الزمن ومعطياته من حولنا، في الجزائر كما في كل الدول المغاربية والعربية، فهل نستطيع أن نلحق به، رغم حمولة التخلف الثقيلة التي نجرجرها خلفنا؟ وهل نقدر أن نغير أسلوب القراءة وسيكولوجية الاستقبال، من نظام ورقي إلى استقبال رقمي، والعمل على الإشهار لهذه المنابر الإلكترونية للمجلات بكثير من الذكاء الجديد الذي يتناسب وهذا الزمن؟ ربما هو مجرد حلم مجنون!
لكن لا بأس... أليس الجنون، كما يراه شوبنهاور، سوى حلم لا ينتهي؟

- روائية وشاعرة جزائرية



«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.


أمين «التعاون الإسلامي»... بين الدبلوماسية اليومية وسحر المواقع التاريخية

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
TT

أمين «التعاون الإسلامي»... بين الدبلوماسية اليومية وسحر المواقع التاريخية

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)
أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)

في التجارب الدبلوماسية التي تتجاوز حدود الوظيفة إلى عمق الحضور الإنساني، تبرز سيرة الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي؛ فمع انتقال السيد حسين طه، إلى مدينة «جدة» غرب السعودية قبل 5 اعوام لممارسة مهامه في مقر المنظمة، وجد بيئة قريبة لكل الثقافات، مما سهَّل التأقلم، لتتحول جدة إلى فضاءٍ يومي مألوف، يبحث فيها عن كل التفاصيل متفاعلاً مع مجتمعها المتنوع، واكتشاف موروثها الثقافي وأطباقها الشعبية.

يروي طه لـ«الشرق الأوسط» عن ولادته في مدينة «أبشة» بجمهورية تشاد، وكيف عاش طفولته في بيئة بسيطة بروابط اجتماعية قوية ومتماسكة بين الجيران، واصفاً تلك الاعوام بالهادئة في كنف الأسرة التي احاطته بحنانها الدافئ وغرست بين جوانحه قيم القناعة.

أمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه (الشرق الأوسط)

الحكاية الأولى

تعلَّم طه أهمية التضامن الاجتماعي والعطاء والصبر والعمل الجاد، وهذه المكتسبات رافقته في مسيرته العلمية والمهنية، خصوصاً أن المدينة التي خرج منها (أبشة) التي تعد مدينة تاريخية مهمة اضطلعت بدور بارز في نشر الإسلام في المنطقة المجاورة.

تأثير الأسرة التي غرست حب الوالدين واحترامهما والتشبث بالقيم الإسلامية كان واضحاً في حديث الأمين العام: «تعلمت التواضع واحترام الكبار، وقيمة العلم وخدمة المجتمع وحب الوطن، وهي مبادئ أعدها أساساً وقاعدة صلبة لعمل قيادي ناجح، خصوصاً في العمل الدبلوماسي»، لافتاً إلى أنه حرص على تربية ابنائه الـ6 على فضائل الإسلام السمحة.

حب وترحيب

يقول طه إن انطباعه الأول عند وصوله إلى السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لتولي مهامه كان إيجابياً، إذ لمس حفاوة الاستقبال ودفء الترحيب من كبار مسؤولي المملكة والأمانة العامة للمنظمة وموظفيها، مضيفاً أن هذا الوجود لم يكن الأول، إذ سبق ذلك بسنوات العمل في سفارة جمهورية تشاد عام 1991 مستشاراً أول للسفارة، واصفاً سنواته الأولى بأنها الأجمل التي قضاها في حياته، فالمملكة بحقٍّ حاضنة لكل الشعوب بتنوعها.

التقاليد السعودية

يرى طه أن التأقلم مع العادات والتقاليد في المملكة كان سلساً ولم يشكل أي عائق إطلاقاً «العادات السعودية نابعة في مجملها من قيمنا الإسلامية المشتركة، والمجتمع السعودي يعتز بتقاليده المتنوعة بتنوع مناطق ومحافظات المملكة الثرية بتراثها الأصيل، وفي الوقت نفسه الشعب السعودي الأصيل منفتح ويتفاعل بإيجابية وشغوف للتعلم، لذلك كان الاندماج بالنسبة لي أمراً طبيعياً».

البرنامج اليومي

يُنظم طه وقته في رمضان؛ فخلال النهار يمارس عمله في الأمانة العامة من خلال برنامج يومي لاستقبالات السفراء ومندوبي الدول ومتابعة عمل المنظمة وأنشطتها، وبعدها يقتنص الأمين العام وقتاً لقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، بعدها تجتمع العائلة على مائدة الإفطار، ومن ثم صلاة التراويح، واللقاءات الاجتماعية.

وقال إنه يحرص على أداء الأنشطة الخيرية، وإفطار الصائمين خلال هذا الشهر الكريم، وتوزيع الطعام ووجبات الإفطار على المستحقين، فيما تقوم المنظمة بتنظيم لقاء رمضاني خلال شهر رمضان في مدينة جدة، ويشكل هذا اللقاء الرمضاني فرصة سنوية لتعزيز التقارب بين المنظمة وبيئتها الحاضنة في جدة.

الجريش والسليق

عن المائدة الرمضانية في بيته يقول: «من الأطباق التي لا تغيب عن المائدة الرمضانية في بيتي العصيدة، والشوربة، ومشروب الكركديه». ويعد طبق الجريش السعودي من أهم الأطباق التي تكون دائماً حاضرة على مائدة الإفطار؛ «أضفناه إلى المائدة بعد استقرارنا في جدة، إضافة إلى بعض الأطباق الحجازية ومنها المنتو، والسليق، إلى جانب أطباق تقليدية تشادية وأخرى خفيفة تراعي روح الشهر».

جدة التاريخية

زار طه جدة التاريخية، ووصفها بأنها تجربة ثرية تعكس عمق التاريخ وعراقة التراث والحضارة، كما زار الرياض، والمدينة المنورة وعلَّق بأن لكل مدينة طابعها الخاص وطرازها المعماري المميز.

ويجد الامين العام راحته في المشي والقراءة، والجلوس الهادئ مع العائلة والأصدقاء، كذلك زيارة شاطئ البحر، بخاصة خلال إجازة نهاية الأسبوع.

Your Premium trial has ended