سردينيا... برّها الأماني وبحرها الأحلام

جزيرة الطبيعة الساحرة والأفكار السياحية الناجحة

سردينيا... برّها الأماني وبحرها الأحلام
TT

سردينيا... برّها الأماني وبحرها الأحلام

سردينيا... برّها الأماني وبحرها الأحلام

جبلي المنبت والهوى، تشدّك مطارح الطفولة كما تشدّ الجذورُ جذوعَ الشجر. لكن كلما هبّت نسائم الحلم وضاق المدى، تنزع النفس نحو الجزر السابحة في زرقة البحر الذي سُمّي الأبيض، وعلى ضفافه نشأت حضارات ثم اندثرت، وتحت سمائه المعتدلة تفجّر الفكر مَدارس ومعارف، وتراكمت الفنون على سحر الطبيعة الخلّابة نمطاً للعيش لم تبلغه منطقة أخرى في العالم.
من بين مئات الجزر السابحات على صدر البحر المتوسط ثمّة واحدة لها عندي موقع أثير، زمرّدية مياه شواطئها المتهالكة على فضّة الرمال، خضرٌ مراعيها التي تسرح فيها الأغنام والغزلان، شامخات جبالها التي تعشّش النسور في قممها، والحياة فيها هدهدة ناعمة تكرّ الأيام على صدرها سبحة من السعادة والطمأنينة في كنف طبيعة هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
إنها سردينيا، ثاني أكبر الجزر في المتوسط بعد صقلية، يزنّرها ألفا كيلومتر من الشواطئ التي لا تقع العين فيها سوى على الجمال الذي ينداح وافراً بين الأخاديد الصخرية المذهلة في تضاريسها والمحميّات الطبيعية التي تضمّ مئات الأجناس النباتية والحيوانية الفريدة.
البحر سيّدٌ هنا، يتموّج فيروز مياهه الصافية بين ألف طيف وطيف. عبرته كل الحضارات القديمة واستقرّت على سواحله حيث تركت بصمات تحكي مآثر وأساطير، وتفخر بها المتاحف الكثيرة الموزّعة على مدن الجزيرة الرئيسية. لكن يكفي الابتعاد مسافات قصيرة عن الساحل أو خارج المدن، حتى تمتدّ أمام الناظر غابات الصنوبر وكروم الزيتون ومروج النباتات العطرية التي تحمل عبقها النسائم ويستخدمها سكّان الجزيرة كثيراً في تحضير الأطعمة الموصوفة والحلويات التقليدية التي توزّع على المتاجر العالمية.
أكثر من ثلاثة أرباع مساحة سردينيا تكسوها الاحراج المعمّرة، وكلّما توغّلت في الداخل عبر الطرقات المتعرّجة بين الهضاب والجبال تطالعك القرى والدساكر التي تعيدك إلى غابر العصور بعمرانها الحجري القديم، وشوارعها المرصوفة، وهدأة العيش الذي ينساب بين حناياها خارج دائرة الزمن. أما الصناعات الحرفيّة التي يتقنها أهل الجزيرة ويتوارثونها من جيل إلى آخر، فقد بلغت درجة عالية من الجودة والإبداع دفعت بمتاحف عالمية، مثل متحف الفن المعاصر في نيويورك، إلى اقتناء قطع منها تعرضها مع مجموعاتها الدائمة. كما يتوافد فنّانون عالميّون على متحف الحرفيّات في كالياري، تجذبهم مجموعاته الفريدة في تصاميمها وتقنياتها والمواد الطبيعية المستخدمة في صناعتها.
لكن في سردينيا أيضاً ما يُروي الساعين وراء الفخامة في الإقامة إلى جانب النخبة والمشاهير وروّاد المراتع التي يرتادها النجوم وأهل المجتمعات المخمليّة. في عام 1960 وقع الأمير آغا خان في هوى هذه الجزيرة وقرّر إقامة مشروع سياحي فخم على أحد شواطئها، ما لبث أن أصبح محجّة المشاهير ومقصد الأثرياء يتهافتون عليه طوال العام ويرتادون منتجعاته الذائعة الصيت. كما اتخّذ كثيرون منهم مقّراً دائماً لهم في مناطق عدة من سردينيا.
- أهم مناطق الجذب فيها:
بورتو تشيرفو، أو ميناء الغزال، على الساحل الزمرّدي، أو كوستا زميرالدا، هو اليوم من أفخم المنتجعات السياحية في العالم وأكثرها حرصاً على البيئة، ونقطة العبور إلى المحميات الطبيعية المتوسطية في أرخبيل المجدلية، لا ماغدالينا، الذي يضمّ سبع جزر صغيرة تنفرد بأجناس نباتية وحيوانية نادرة وشواطئ لا نظير لها من حيث جمالها ونقائها. في إحداها يرقد رفاة جيوزبّي غاريبالدي البطل القومي الذي وحّد إيطاليا في عام 1861.
هضاب صخريّة سنّنتها الرياح على مرّ الزمن وأعطتها أشكالاً مدهشة تطلّ على خلجان صغيرة ساحرة مثل «كالا دي فولبي» أو «شاطئ الأمير»، ترسو فيها اليخوت الفخمة قبالة الشطآن التي تعجّ دائماً بالحركة.
- كوستا فيردي
على ساحل الجنوب الغربي من الجزيرة يقع «كوستا فيردي»، الساحل الأخضر، الذي يمتدّ من «كابو بيكورا»، خليج الشاة، حتى المنتجع السياحي الشهير «تورّي دي كورساري»، برج القراصنة. سلسلة لا متناهية من الشطآن النظيفة والكثبان الرملية التي يخطف جمالها الأنفاس، تنتهي عند منبسط واسع من الرمال الذهبية يطلق عليه «صحراء سردينيا». وعلى مسافة قصيرة نحو الداخل توجد هضبة «آركوينتو» وهي أكبر المحميّات الطبيعية التي تسرح فيها قطعان الغزلان السردينية، وعلى أطرافها ترتفع «آرغوس» إحدى أجمل قرى الجزيرة وفيها متحف للخناجر تشتهر بصناعتها.
- مغارة نبتون
قبل مغادرة الساحل لا بد من زيارة «مغارة نبتون» عند رأس «كاشيا» في الشمال الشرقي على مقربة من مدينة « آلغيرو» التاريخية. الوصول إلى المغارة، من البحر أو برّاً بعد نزول منحدر صخري صعب، ينكشف عن مشهد لا ينسى: معبد طبيعي تتدلّى من سقفه رواسب كلسيّة بأشكال عجيبة تنعكس على صفحة مياه ساكنة وصافية الزرقة.
- بلفيديري
الطبيعة الجبلية لهذه الجزيرة تهدي المسافر مشاهد ساحرة مثل قرية «بلفيديري» التي تبدو كأنها تتدلّى من شرفة على البحر الطالعة منه صخور بيض يزيد علو بعضها على مائة متر. أو قرية «كاستيل ساردو» ووسطها التاريخي الذي يعود إلى العصور الوسطى، ويطلّ بجلال مبانيه العريقة على المتوسط.
الباحثون عن الفنادق والمطاعم الفخمة والشمس، والساعون وراء المغامرات الطبيعية، يجدون في سردينيا ضالتهم، كما يجدها هواة «السياحة الزراعية» التي أصبحت منذ سنوات أحد أركان قطاع السياحة في إيطاليا، ودعماً لنهضة الأرياف والمناطق الزراعية التي كان سكّانها قد بدأوا ينزحون بكثافة إلى المدن منذ ثمانينات القرن الماضي. منازل ومبانٍ قديمة جرى ترميمها وتحويلها إلى فنادق عائلية مريحة، بعضها يضاهي الفنادق الفخمة، تتيح للسائح التعرّف على نمط الحياة التقليدي في الجزيرة.
من مزايا هذه «السياحة الزراعية»، فضلاً عن تكلفتها المتدنية مقارنة بالفنادق العادية، أنها تكشف للزائر عن أساليب العيش في الأرياف من أطعمة أصيلة وأعياد ومناسبات لن يجدها في المدن والمنتجعات السياحية. في قرى الداخل مثلاً، بإمكانه أن يشارك في قطاف الزيتون وعصره أواسط الخريف، أو مواكبة طقوس صناعة جبنة الغنم التي تشتهر بها سردينيا. أما في القرى الساحلية فللصيد أعياده الموسمية التي تبدأ بالغطس على السواحل الصخرية في مارس (آذار) وراء بلح البحر، وتنتهي مع أواخر الصيف بصيد سمك التونا حسب الطريقة التقليدية بالشباك العريضة والرماح الطويلة.
- ترياي
في قرية «ترياي» التي تقع على بعد كيلومترات من الساحل الشرقي للجزيرة تقوم مدرسة لتعليم اللغة الإيطالية عن طريق الطهي والتعريف بالثقافة والتقاليد المحلية، والمشاركة في الأعياد الشعبية والفولكلورية التي يوليها أهل الجزيرة عناية خاصة، ويحرصون على توارثها والحفاظ على اصالتها منذ أجيال.
- نوراغي
وفي سردينيا يمكن للزائر أيضاً أن يسافر إلى الماضي السحيق عبر آلاف المباني الحجرية الغريبة التي تعود إلى العصر البرونزي، والتي لم يكشف سرّها إلى اليوم. تعرف باسم «نوراغي»، وليس معروفاً بعد إن كانت قد بنيت لأغراض دفاعية أم لطقوس العبادة أو لمجرّد السكن. أهم مجمّعاتها هو الذي يوجد في «نوراكسي» على جنوب الساحل الشرقي، وعلى قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.
والسفر إلى الماضي يقودنا أيضاً إلى «مقابر العمالقة» المنتشرة في أنحاء الجزيرة، وأشهرها الموجود في «تيسكالي» الذي ما زال هو أيضاً لغزاً يحيّر المؤرخين وعلماء الآثار.
- بوسا
من هناك نتجّه إلى «بوسا»، الأجمل ربما بين قرى الجزيرة، الرابضة على الساحل الغربي ببيوتها البيضاء المتراكمة فوق بعضها حتى أسوار القصر القديم الذي يطلّ على مراكب الصيّادين المتهادية عند ضفاف نهر «ترنو» الذي ينساب بين المروج الخضراء والبلدات الصغيرة التي كانت في الماضي معقلاً لقطاّع الطرق الذين فرضوا سيطرتهم على بعض أنحاء الجزيرة في مطالع القرن الماضي.
- آلغيرو وكالياري
مدينة «آلغيرو» هي وجهتنا التالية بأسوارها العالية العسليّة اللون، وشوارعها الضيّقة المرصوفة بالحجارة السوداء، وقصورها القوطية التي ما زالت تشهد على مرحلة الازدهار التي عرفتها إبّان خضوع الجزيرة للتاج الإسباني من العصر الوسيط حتى أواخر القرن الثامن عشر.
أما «كالياري» فهي المدينة الأكبر في الجزيرة، وعاصمتها التاريخية التي تعجّ بقصور النبلاء والمباني العريقة التي تشرف عليها قلعة الحصن وتظهر بأجمل حللها ساعة المغيب عندما تتشّح السماء بزرقة بنفسجية تلمع على قببها وقصورها وابراجها. ولعلّ أجمل مشاهد المدينة هو من «كافيه دلّي سبيريتي»، مقهى الأرواح، الذي يشرف على مباني الجامعة والمتاحف والقصور القديمة والشوارع المتشابكة ذات الجدران العالية.
الطبيعة الصافية والغابات الشاسعة التي مرّ عليها الزمن بعيدة عن العمران والأنشطة البشرية هي أيضا من مفاتن الجزيرة الرئيسية. فيها الموئل الطبيعي لأجناس فريدة من الحيوانات، مثل الصقور المهاجرة والسلاحف البحرية «البلهاء»، والحمار الأبيض أزرق العينين الذي يقال إنه سليل مصاهرة حصلت عندما غرقت سفينة فرنسية على سواحل سردينيا حين كانت متجهة إلى الإسكندرية علـى عهد نابوليون، ونجا بحارتها الذين نزلوا إلى الجزيرة مع الدواب التي كانت على متنها.
- أرخبيل المجدليّة
ومن المحميات الطبيعية الشهيرة بجمالها ونقاء مياهها «أرخبيل المجدليّة» التي وصفها عالم البحار الشهير «جاك كوستو» بأنها الأجمل في المتوسط، حيث تتعانق مياه البحر الصافية مع أشكال صخرية رائعة تمتد وراءها زهور بريّة ونباتات عطرية في لوحة مدهشة.
طوال سنوات كانت سمعة سردينيا العالمية مقصورة على «الساحل الزمردي» بصفتها ملتقى لكبار الأثرياء والارستقراطيين والمشاهير، لكن مع مرور الوقت والسياسة السياحية الذكيّة التي اتبعتها سلطات الجزيرة بعدم فتحها من غير ضوابط أمام جحافل السيّاح، والحرص على أصالة التقاليد والعناية بالتراث المحلّي، الطبيعي والتاريخي والغذائي، أصبحت الجزيرة مرادفاً للسياحة المستديمة والراقية على كل المستويات.
- في سردينيا ثلاثة مطارات: «أولبيا»، «كالياري» و«آلغيرو»، تربطها عبر رحلات منتظمة بعدد من المدن الرئيسية في إيطاليا وأوروبا وبعض عواصم أفريقيا الشمالية. وخلال فصل الصيف تنظَّم رحلات خاصة إضافية من معظم العواصم الأوروبية. كما تربطها خطوط النقل البحري بعدد من المرافئ الإيطالية والأوروبية طوال السنة.
ونظراً لصعوبة التنقّل في أنحاء الجزيرة واتساعها، يستحسن استئجار سيارة لدى الوصول، أو السفر مع سيارة خاصة من أحد الموانئ الأوروبية.


مقالات ذات صلة

السعودية توسع نطاق التأشيرة السياحية لتشمل دولاً جديدة

الخليج تشمل التأشيرة السياحية حضور الفعاليات وأداء مناسك العمرة وزيارة المعارض والمؤتمرات (واس)

السعودية توسع نطاق التأشيرة السياحية لتشمل دولاً جديدة

وسّعت السعودية نطاق التأشيرة السياحية الإلكترونية بإضافة أربع دول جديدة إلى قائمة الدول المؤهلة للحصول عليها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سفر وسياحة السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم

فاطمة القحطاني (الرياض)
سفر وسياحة مسار المسيلحة (فيسبوك)

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة.

فيفيان حداد (بيروت)
شؤون إقليمية سفينة سياحية تصل إلى ميناء ليماسول في قبرص بعد إجلاء أشخاص من حيفا بإسرائيل وسط الحرب بين إسرائيل و«حماس» يوم 17 أكتوبر 2023 (رويترز - أرشيفية)

تفتيش سفينة سياحية متجهة إلى إسرائيل بعد تهديد بوجود قنبلة

أعلنت السلطات اليونانية أن تهديداً بوجود قنبلة على متن سفينة سياحية متجهة إلى إسرائيل أدى إلى القيام بعملية أمنية في ميناء جزيرة سيروس اليونانية يوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)

أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

في حصاد أبرز القصص المتعلقة بالسفر، هذا الأسبوع، يسلط تقرير «سي إن إن» الأميركية الضوء على أغرب طائرات الركاب ذات المحركات الأربعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.