«المقابر الجماعية» في الرقة تكشف صعوبة التعافي بعد الحرب

«الشرق الأوسط» ترصد انتشال 4450 جثة داخل العاصمة السابقة لـ«داعش» المهزوم

حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
TT

«المقابر الجماعية» في الرقة تكشف صعوبة التعافي بعد الحرب

حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)

في أرض زراعية محاطة بأشجار الصنوبر على مشارف مدينة الرقة؛ عثر فريق «الاستجابة الأولية» التابع لـ«مجلس الرقة المدني»، على مقبرة جماعية جديدة في قرية «الفخيخة» تضم رفات ما يصل إلى 3500 جثة، يعتقد أن تكون مجهولة الهوية وتعد الأكبر والأقدم، والتي بقيت شاهدة على تركة تنظيم «داعش» الإرهابي بعد حكم المنطقة قرابة ثلاث سنوات ونصف السنة متتالية بين يناير (كانون الثاني) 2014 وأكتوبر (تشرين الأول) 2017.
في موقع المقبرة غطى أعضاء الفريق - وهم حفارون - أنوفهم وأفواههم بقطعة قماش طبية واقية، بسبب الروائح الكريهة والحشرات المنتشرة في المكان، يلبسون خوذاً برتقالية اللون ولباساً موحداً لونه أزرق داكن، ووسط أشواك جافة عالية وسنابل قمح ذهبية يقوم عمال الفريق بنبش قبر فردي غطي بكتلة إسمنت، وعلى عمق قدمين انتشلوا جثة متحللة لم يتبق منها سوى هيكل عظمي ملفوفة بقطعة قماش رمادية رطبة، قبل وضعها في أكياس بيضاء وزرقاء مخصصة للجثث.

كتب عامل على أحد الأكياس: «أشلاء رجل مجهول» – الفخيخة – 10 - 06 – 2019، وعثر الفريق على بطاقة كانت معلقة بالجثة، كتب في أعلاها لقب المقاتل المكنى بـ«أبو لقمان الماليزي» في إشارة إلى إن المقاتل يتحدر من دولة ماليزيا، دون الكشف عن اسمه الحقيقي، وذُكرت اسم الكتيبة التي كان ملتحقاً بها والكود الشخصي، وهو عبارة عن مجموعة أرقام تجاوزت 11 رقماً. تحتها مباشرة، كتب الرمز المالي وكان مؤلفاً من أرقام وفواصل، كما تم تحديد مكان العمل على شكل أرقام أيضاً، وفي أسفل البطاقة كتبت عبارة: «صالحة لمدة ثلاثة أشهر»، مرقمة بالتاريخ الهجري ويبدو أن المقاتل لم يكمل ثلاثة أشهر في صفوف التنظيم وقتل.
ورغم مرور عام وعشرة أشهر على هزيمة تنظيم «داعش» في الرقة، لا يزال إحصاء الجثث وإخراجها مستمراً مع انتشالها من «مقابر جماعية» أو من تحت الأنقاض والكتل الإسمنتية جراء المعارك العنيفة التي دارت داخل المدينة، التي كانت المعقل الرئيسي للتنظيم المتشدّد في سوريا قبل طردهم في أكتوبر 2017.

3560 مجهول الهوية

في موقع المقبرة انتشرت مئات السواتر الترابية على جانبي قطعة الأرض والتي تقدر مساحتها بنحو 10 هكتارات، تدل على قبور جماعية لأكثر من 700 جثة تم نبشها، ومن المرجح إنها عائدة لعناصر تنظيم «داعش» نفسه.
ومنذ تحرير مدينة الرقة إثر هجوم بري واسع نفذته «قوات سوريا الديمقراطية» العربية - الكردية، وبدعم من تحالف دولي ضمّ 79 دولة غربية وعربية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، كُشف عن تسع مقابر جماعية داخل مدينة الرقة الواقعة شمال سوريا، بما فيها مقبرة «البانورما» التي أخرج منها أكثر من 900 جثة منها، وانتهت الفِرق من العمل منها بداية العام الحالي.
أما مقبرة الفخيخة فبدأ العمل فيها بـ9 يناير الماضي، ولدى حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يقول ياسر الخميس، قائد فريق «الاستجابة الأولية» من موقع المقبرة: «فوجئنا بالعدد الكبير للجثث المدفونة بهذه المقبرة، انتشلنا أكثر من 750 جثة بالقسم الأول فقط، وتم التعرف على 51 جثة سُلمت إلى ذويهم أصولاً بعد مطابقة المواصفات والتحاليل الطبية».
ويقع القسم الثاني من المقبرة بضاحية الفخيخة خلف معسكر الطلائع، بدأ الفريق العمل فيها بالعاشر من الشهر الحالي، ويرجح ياسر الخميس أن يصل العدد الكلي للمقبرة إلى أكثر من 3500 جثة، وبحسب شهادات أهالي الضاحية ممن يسكنون بالقرب منها؛ تعود ضحاياه للإعدامات الميدانية الجماعية التي كان يقوم بها عناصر التنظيم، وأضاف الخميس: «أغلب الذين دفنوا في هذه المقبرة جثث لعناصر التنظيم نفسه، إضافة إلى صحافيين وعمال إغاثة وكل من أعدم في ساحات الرقة».
ومنذ بداية شهر يناير 2018، يقوم الفريق بالعمل والبحث عن المقابر الجماعية في مدينة الرقة وضواحيها، ويتألف الفريق من عمال حفر ومحام وطبيبين شرعيين ومكتب توثيق وإحصاء ومكتب إعلام، ومن بين تسع مقابر جماعية انتشل الفريق 4550 جثة تم التعرف على 900 جثة سُلمت إلى ذويهم أصولاً، وهناك أربع مقابر جماعية ثانية ستعمل عليها الفرق خلال النصف الثاني من العام الحالي، والمقابر المتبقية هي: مقبرة «السحل» و«معيزيله» و«المنصورة» و«الحمرات»، التي تنتظر الكشف عنها ويرجح أن تكون للأشخاص الذين نفذت بحقهم إعدامات ميدانية.
ويسعى الفريق لتحديد هوية كل جثة رغم إمكاناته المتواضعة، ويتابع ياسر الخميس المتحدر من مدينة الرقة ليقول: «لدينا طبيب شرعي يسحب ثلاث عينات من كل جثة، تحفظ في غرفة مخصصة مزودة بسجل يوثق حالة الجثة وطريقة قتله ومكان دفنها»، مشيراً بأن فريق «الاستجابة الأولية» الذي يقوده قام بإنشاء خريطة دقيقة، وهي عبارة عن رسوم هندسية تشير الأسهم والنقاط والتواريخ إلى أماكن الجثث، وقيد كل جثة وعينتها وسجلها، لمساعدة الأهالي للتعرف عليها وإعادة دفنها.
غير أن فاطمة البالغة من العمر (55 سنة) قضت أياماً من الانتظار عند مقبرة الفخيخة الجماعية في مدينة الرقة أملاً بمعرفة مصير زوجها، والذي كان مقاتلاً في صفوف التنظيم فقد أثره بعد انتهاء المعركة هناك، لكنها لم تستسلم للروايات على مقتله؛ إذ حاولت البحث عن طريق أقارب لها، في باقي المناطق التي بقيت خاضعة لسيطرة التنظيم حتى أعلنت قوات التحالف الدولي في نهاية مارس (آذار) الماضي القضاء عسكريا وجغرافيا على خلافته المزعومة.
وبصوت خافت يكاد يفهم وأسئلة كثيرة وعلامات استفهام ارتسمت على وجهها المليء بالتجاعيد، نقلت فاطمة المنحدرة من مدينة حلب إنها وللمرة الثالثة منذ بداية العام الحالي تزور مدينة الرقة للبحث عن زوجها، وقالت: «عندما يعلنون الكشف عن مقبرة جماعية جديدة أتي إلى هنا على أمل وجود جثته أو أي معلومة عن مصيره، منذ سنوات وقلبي مفطور لمعرفة مصيره»، ليتسنى لها دفنه بصورة لائقة ويكون له قبر وشاهد.
وتعد عملية استخراج وتحليل بقايا الهياكل العظمية من المقابر الجماعية عملية معقدة، تتطلب خبرة عالية في جمع المعلومات وقدرة كافية على إجراء الحفريات، ومهارات في التعرف على الجثث وتحديد سبب الوفاة، وهي من بين أبرز التحديات التي تواجه الفرق الميدانية، ووصف ياسر الخميس ملف المقابر الجماعية بـ«المعقد للغاية»، ويزيد: «يومياً يستقبل مكتبنا أهالي الرقة ومن خارج المحافظة يسألون عن مصير أبنائهم»، فمنهم من مات تحت الأنقاض، ومنهم من لقي حتفهم بالألغام أو المفخخات التي زرعها التنظيم: «لكن النسبة الأكبر قتلهم عناصر التنظيم ودفنوا في مقابر جماعية، ونحاول جاهدين الكشف عن مصير كل مفقود»، على حد تعبيره.

جثث الأجانب

تقع مدينة الرقة على الضفة الشمالية لنهر الفرات وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كلم، كان يسكنها قبل اندلاع الحراك المناهض لنظام الحكم ربيع 2011؛ نحو 300 ألف نسمة غالبيتهم من العرب السنة إلى جانب أكراد ومسيحيين وتركمان، فرّ معظمهم بعد سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.
وعمدَ التنظيم إلى احتجاز وقتل آلاف الأشخاص خلال سيطرته على المنطقة، ويتهم سكان الرقة عناصر «داعش» بتنفيذ عمليات الإعدامات ودفنهم في مقابر جماعية؛ إذ تقدر السلطات المحلية مقتل وفقدان آلاف الأشخاص خلال معركة استعادة المدينة تم دفن كثيرين منهم على عجل، ومنهم من بقيت جثثهم تحت الأنقاض.
والمقبرة الجماعية عبارة عن مكان يحتوي على جثث عدة تكون غالباً لأشخاص غير معروفي الهوية، دفن صاحبها في قبر لا يحمل شاهداً أو أي إشارة تدل على اسمه أو هويته الحقيقية، بحسب الدكتور محمود حاج حسن (60 سنة) المتحدر من الرقة، والذي يعمل طبيباً شرعياً لدى فريق «الاستجابة الأولية».
يشرح آلية عمله التي تبدأ مع إخراج الجثة، وتمييزها هل هي أشلاء أم جثة كاملة، متحللة أم مجموعة عظام، يحدد جنسها ذكراً أم أنثى، وهل هي عائدة لطفل أم لبالغ، كما تظهر ما إذا كان لمقاتل أم مدني، ويقول: «كما يتم تحديد جنسيته، فالآسيوي مثلاً أو الأوروبي أتعرف عليهم من خلال ملامح الجثة»، توقف لحظات عن الكلام وهو يشاهد عدداً من الجثث المستخرجة حديثاً ليضيف بحسرة: «لم أكن أتوقع حجم الدمار الهائل لمدينتي، وهذه الأعداد الكبيرة من الجثث والأشلاء معظمها مجهولة الهوية».
وأشار الطبيب محمود بأن أغلب جثث المقبرة مجهولة الهوية عائدة لمقاتلي التنظيم يتحدرون من جنسيات غربية وأوروبية، وقال: «أشاهد معها جعبة أو حزاماً ناسفاً وحذاءً عسكرياً، ويكون لباسه ميدانياً تدل على أنها كانت لمقاتل».
وتعتبر حالة التأكد من هوية الجثة وصاحبها عملية في غاية الصعوبة نظراً لغياب وجود تقنيات حديثة، وكثرة العدد حيث تجاوزت أعداد الجثث أكثر من 4500 جثة، ويقوم الأهالي بتسلم رفاة الجثث التي يتعرفون عليها سواء من ملابسهم أو علامات فارقة على أجسادهم، كحال السيدة عاكفة البالغة من العمر (40 سنة) والتي قطعت مسافة 385 كيلومتراً إلى مدية الرقة شمالاً قادمة من العاصمة السورية دمشق، للتأكد من جثث زوجها وابنها وزوجته والذين فضلوا البقاء بالرقة للعيش في كنف الخلافة المزعومة التي أعلن عنها تنظيم «داعش» المتطرف بداية 2014، كما نقلت المرأة المتحدرة من منطقة الحجر الأسود جنوب دمشق.
عاكفة هربت من الرقة بداية معركة الرقة صيف 2017، بعد إصرار زوجها وابنه وقرارهما القتال حتى النهاية، وأجبرا زوجة ابنه على البقاء معهما في المنزل، والسيدة التي كانت تلبس عباءة سوداء اللون غطت شعرها بوشاح أبيض بدت عليها علامات التقدم في السن على الرغم أنها ببداية عقدها الرابع، تأكدت من وجود جثث ذويها في مقبرة الفخيخة وقالت: «لقد تعرفت عليهم من خلال الملابس وعلامات في جسد زوجي وابني، أما زوجة ابني فقتلت بالمنزل الذي كانت تقيم فيه بعد تأكيد فرق الانتشال إخراج جثتها من تحت الأنقاض»، وقررت دفنهم في مقبرة الفخيخة، وأضافت بحسرة: «لا أملك المال الكافي لنقلهم إلى دمشق وشراء مقابر هناك وإعادة دفنهم، دفنتهم هنا وأشعر براحة لأنني تأكدت من موتهم».
ويرافق المجموعات الميدانية محامي تكون مهمته في غاية الدقة، يقوم بتسجيل التفاصيل الأساسية حول الجثث التي يتم العثور عليها وذكر أسباب الوفاة المحتملة، والإصابات والجنس ولون الشعر والطول واللباس والعمر التقريبي، حيث كان بالإمكان تحديدها بناءً على تقييم بصري للرفات التي يتم استخراجها دون استخدام أجهزة حديثة ومتطورة.
يتولى المهمة المحامي محمد (45 سنة) المتحدر من مدينة الرقة والذي فقد الكثر من أقربائه خلال المعارك الدائرة في مسقط رأسه، حيث قتل بعضهم بطلقات قناص عناصر التنظيم عندما حاولوا الهرب بعد احتدام المعارك منتصف 2017.
محمد كان يمتلك مكتب محاماة وعمل بشكل تطوعي للدفاع عن المتظاهرين السلميين أمام المحاكم، أما اليوم يعمل مستشاراً قانونياً في فريق الاستجابة ولا يخفي صعوبة مهمته، ليقول: «أتابع ميدانياً إخراج الجثث وتوثيقها وإرسال المعلومات إلى مكتب التوثيق والإحصاء، ثم تكفين الجثة ودفنها في مقبرة قريبة من الموقع على الطريقة الإسلامية».
أثناء وجوده في المقبرة كتب على استمارة خاصة رقم الجثة وتاريخ استخراجها وكل ما هو موجود معها، وأثناء الحديث معه في الموقع الميداني بمقبرة الفخيخة، أخرج الفريق جثة ملفوفة ببطانية رمادية اللون كانت رطبة كونها مدفونة تحت الأرض، ولفت قائلاً: «أسجل بشكل دقيق كل ما يقوله الطبيب الشرعي وكل ما هو موجود مع الجثة».

100 جثة محترقة

يروي عمر (52 سنة) والد الطفلة ملك التي قتلت بشظايا صاروخ أثناء قصف طيران التحالف الدولي على مسقط رأسها بيونيو (حزيران) 2017، كيف بقيت جثتها تحت ركام بيت العائلة الكائن في شارع هشام عبد الملك وسط الرقة، وكان عمرها آنذاك ثمانية أعوام، ولا يزال المنزل منهاراً بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على استعادة المنطقة، لكنهم انتشلوا جثتها ودفنها من جديد.
تسكن العائلة في البيت المواجه لكوم الركام، وعندما يقفون في الشرفة يريان المبنى المنهار الذي أصبح قبراً لها، وكلما ينطق باسمها تملأ الدموع عينيه دون أن يتمالك نفسه ويسود الصمت على المكان، وبكلمات مبعثرة ووجه حزين وعينين اغرورقتا بالدموع، قال عمر: «سيرة ملك تذكرنا بنيران الحرب التي لم تنتهِ بعد، فقدنا قطعة من الروح فكيف ننسى؟!، الله يصبرنا على مصابنا». ومنذ تأسيس فريق «الاستجابة الأولية» بداية 2018 انتشلوا أكثر من 1500 جثة من تحت الأنقاض والركام، وكشفوا مقابر جماعية عدة داخل مدينة الرقة وفي ضواحيها، منها مقبرة ملعب الرشيد وانتشلوا أكثر من 500 جثة، أما في محيط الجامع القديم كان مدفون نحو 80 جثة، وفي مقبرة التاج الواقعة بالقرب من حديقة الحيوانات جنوبي الرقة انتشلت رفات 380 جثة، أما حدائق الرقة فضمت ما يقارب 100 جثة، والرقم نفسه انتشل من منازل عربية، ومن مقبرة البانورما انتشلت أكثر من 900 جثة، والقسم الأول من مقبرة الفخيخة أخرجوا 750 رفات معظمها مجهولة الهوية.
لؤي المتحدر من مدينة الرقة شاب ثلاثيني أنهى دراسة الهندسة المدنية أواخر 2010، وعوضاً من العمل بمجال تخصصه في مجال تخطيط البناء ورسم وتصميم المنازل السكنية، قرر العمل مع فريق «الاستجابة الأولية» وباتت لديه خبرة كافية في توثيق وإحصاء الجثث وتسجيل البيانات على الحاسوب المركزي للفريق، كما يقوم بإدخال المعلومات المرسلة من الفرق الميدانية من المقبرة لتشكيل أوسع قاعدة بيانات على الإطلاق.
وعن عمله يقول لؤي: «قمنا بتصميم استمارة خاصة لهذا الغرض، تشمل بيانات حالة الجثة وعمرها وتحديد الجنس والملابس التي كان يرتديها، وتحديد حالة الوفاة، وأخيراً بيانات دفن الجثة ومكانها والجهة التي قامت بالدفن»، منوهاً بأن معظم الجثث مجهولة الهوية «هي لمقاتلي (داعش) أنفسهم أعدموا رمياً بالرصاص أو قتلوا عمداً، وتم دفنهم دون وجود ذويهم أو أسرهم؛ كونها غير معروفة»، وكشف عن أن الفريق انتشل أكثر من 100 جثة كانت متعفنة أو محترقة ولم يتم التعرف على جنسها أو عمرها.
وأنشأ الفريق مقبرتين لدفن الجثث التي يتم إخراجها من المقابر الجماعية، إحداها مقبرة «تل البيعة» الواقعة شمال شرقي الرقة، التي باتت تعرف باسم مقبرة «تل الشهداء» ودفن فيها معظم الذين انتشلت جثثهم منذ عمل الفريق، أما المقبرة الأخرى، وبعد اكتشاف مقبرة الفخيخة ونظراً لزيادة العدد فقد أنشاها الفريق بالقرب من «تلة الفخيخة».
بعد أن ينتهي الطفل أحمد البالغ من العمر 12 عاماً، صفوفه المدرسية، يتوجّه إلى مقبرة تل البيعة في مدينة الرقة ليبدأ بحفر قبر ورشها بالماء؛ أملاً في أن يحصل من أقرباء الموتى على مقابل مادي يعيل به عائلته. ويبدأ نهار الفتى النحيل باكراً في المدرسة لتقديم الامتحانات ثم يأتي للعمل بالمقبرة ولا ينتهي إلا عند حلول المغرب.
يتجول لساعات حافي القدمين رغم حرارة الطقس بين قبور معظمها من دون شواهد، ويسير فوق الأحجار وقطع الإسمنت وهو يحمل مجرافاً كبيراً ودلواً من الماء، لينظف الأضرحة ويسقي أيضاً العشب والزهور، ويقول: «عندما تأتي عائلة ما لدفن فقيدهم يبحثون عن مكان مناسب لإعادة دفنه، أكون قد حفرت القبر ويدفنونها في مكانها الجديد ويعطونني لقاء ذلك مبلغاً من المال».
أحمد اضطرّ إلى العمل في المقبرة بعدما خسر والده وظيفته ودخله الشهري بسبب الحرب الدائرة في بلده منذ سنوات، في ظل غياب فرص عمل بديلة للحصول على وظيفة مناسبة وغياب مؤسسات الدولة منذ ربيع 2013. وأضاف مبتسماً: «المهم أنني أعمل وأحصل على مال، مستقبلاً سأعمل في مجال آخر غير حفار قبور».

حملة للكشف عن المختطفين

كان تنظيم «داعش» قد أعلن في يناير 2014 السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق المجاور عادلت مساحتها بريطانيا في ذروة قوته منتصف 2015، وعمدَ عناصره إلى بثّ الشعور بالرعب من خلال نشر صور وأفلام مروعة لعمليات القتل التي نفذها عناصره، مثل مشاهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً بشهر فبراير (شباط) 2015، وتعليق رؤوس جثث مئات الجنود السوريين - أشباه عراة – في دوار النعيم وسط الرقة والذين أُسِروا في مطار الطبقة العسكري بيوليو (تموز) 2014، إلى جانب تصفية وقتل عشرات المواطنين الأجانب من صحافيين وعاملين في منظمات إغاثة.
وتحت عنوان «اكشفوا مصير ضحايا (داعش) المفقودين»، أطلقت الكثير من الأسر حملة بدعم من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، للكشف عن مصير أبنائهم الذين فُقدوا وكانوا محتجزين لدى تنظيم «داعش» عندما كان يسيطر على أجزاء واسعة من سوريا، وهذه العائلات لا تزال تحاول الاستعلام عن مصير ذويهم.
يدير الحملة الناشط خليل الحاج صالح المتحدر من مدينة الرقة، فقد شقيقه فراس الحاج صالح منذ 6 سنوات، اختطفه عناصر التنظيم ولا يعلمون مصيره حتى تاريخه، وعن آلية الحملة وأهدافها يقول: «آلية العمل تعتمد الضغط على الإعلام والمسار القانوني بمساعدة محامين سوريين وأجانب، إضافة إلى المشورة التي تقدمها منظمات حقوقية دولية للحصول على معلومات من قوات التحالف الدولي للمساعدة بالكشف عن مصير المختطفين».
وأعربت برايانكا موتابارثي، مديرة قسم الطوارئ في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، عن آسفها لبقاء العائلات الذين قتلوا أو اختطفوا على يد تنظيم «داعش» دون تحديد مصير أحبائها، وطالبت أن تصل إلى العدالة في تلك الجرائم، منوهة إلى الحفاظ على الأدلة من هذه المقابر الجماعية التي تعتبر جزءاً أساسياً من القضية، وأضافت: «تقوم المجموعات المحلية بكل ما يمكنها فعله، لكنها تحتاج إلى دعم لتنفيذ أعمالها الصعبة والخطرة بطريقة تدعم حق العائلات في الحصول على معلومات دقيقة عن القتلى».
بدوره، يرى المحامي أنور البني، مدير «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية»، أن المقابر الجماعية التي عثر عليها في مدينة الرقة وتضم آلاف الجثث، «يجب على دول التحالف تقديم السبل اللازمة لكشف هويات أصحاب الجثث مثل تزويدهم بالأطباء الشرعيين والخبراء والاختصاصيين في هذا المجال»، وقال: «إن إحصائية المحتجزين لدى التنظيم بلغت 7600، بينهم نحو ألفي شخص موثقين بالاسم».
من ناحيتها، طالبت برايانكا موتابارثي «المنظمات الدولية التي لديها خبرة بالطب الشرعي بتوفير الدعم الفني، وإرسال خبراء لدعم عمليات تحديد الهوية واستخراج الجثث، وينبغي على السلطات المحلية تسهيل العملية قدر الإمكان».
ومُني تنظيم «داعش» بخسائر ميدانية كبرى خلال العامين الأخيرين، على وقع هجمات شنّتها أطراف عدة، أبرزها «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وتكبد أكبر هزائمه العسكرية صيف عام 2017 عندما فقد السيطرة على مدينة الموصل بالعراق ومدينة الرقة في سوريا، أبرز معاقله سابقاً.
ولم ينتهِ خطر تنظيم «داعش» المتطرف، حيث شنّ اعتداءات عدة في مدينة الرقة بعد طرده منها، وهي التي لا تزال آثار المعارك العنيفة من دمار وفوضى تطغى عليها رغم عودة عشرات آلاف السكان إليها، ولا يعني البتة حسم المعركة في بلدة الباغوز في مارس الماضي انتهاء خطر التنظيم، في ظل قدرته على تحريك خلايا نائمة في المناطق الخارجة عن سيطرته واستمرار وجوده في البادية السورية المترامية الأطراف، فعناصر «داعش» يبسطون السيطرة على جيب صحراوي إلى الغرب من نهر الفرات، تحيط به القوات النظامية الموالية للأسد، وميليشيات إيرانية والحشد الشعبي من الجهة العراقية.



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني