«المقابر الجماعية» في الرقة تكشف صعوبة التعافي بعد الحرب

«الشرق الأوسط» ترصد انتشال 4450 جثة داخل العاصمة السابقة لـ«داعش» المهزوم

حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
TT

«المقابر الجماعية» في الرقة تكشف صعوبة التعافي بعد الحرب

حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)
حفارون من فريق {الاستجابة الأولية} ينبشون قبراً جماعياً في مقبرة البانورما غرب الرقة (الشرق الأوسط)

في أرض زراعية محاطة بأشجار الصنوبر على مشارف مدينة الرقة؛ عثر فريق «الاستجابة الأولية» التابع لـ«مجلس الرقة المدني»، على مقبرة جماعية جديدة في قرية «الفخيخة» تضم رفات ما يصل إلى 3500 جثة، يعتقد أن تكون مجهولة الهوية وتعد الأكبر والأقدم، والتي بقيت شاهدة على تركة تنظيم «داعش» الإرهابي بعد حكم المنطقة قرابة ثلاث سنوات ونصف السنة متتالية بين يناير (كانون الثاني) 2014 وأكتوبر (تشرين الأول) 2017.
في موقع المقبرة غطى أعضاء الفريق - وهم حفارون - أنوفهم وأفواههم بقطعة قماش طبية واقية، بسبب الروائح الكريهة والحشرات المنتشرة في المكان، يلبسون خوذاً برتقالية اللون ولباساً موحداً لونه أزرق داكن، ووسط أشواك جافة عالية وسنابل قمح ذهبية يقوم عمال الفريق بنبش قبر فردي غطي بكتلة إسمنت، وعلى عمق قدمين انتشلوا جثة متحللة لم يتبق منها سوى هيكل عظمي ملفوفة بقطعة قماش رمادية رطبة، قبل وضعها في أكياس بيضاء وزرقاء مخصصة للجثث.

كتب عامل على أحد الأكياس: «أشلاء رجل مجهول» – الفخيخة – 10 - 06 – 2019، وعثر الفريق على بطاقة كانت معلقة بالجثة، كتب في أعلاها لقب المقاتل المكنى بـ«أبو لقمان الماليزي» في إشارة إلى إن المقاتل يتحدر من دولة ماليزيا، دون الكشف عن اسمه الحقيقي، وذُكرت اسم الكتيبة التي كان ملتحقاً بها والكود الشخصي، وهو عبارة عن مجموعة أرقام تجاوزت 11 رقماً. تحتها مباشرة، كتب الرمز المالي وكان مؤلفاً من أرقام وفواصل، كما تم تحديد مكان العمل على شكل أرقام أيضاً، وفي أسفل البطاقة كتبت عبارة: «صالحة لمدة ثلاثة أشهر»، مرقمة بالتاريخ الهجري ويبدو أن المقاتل لم يكمل ثلاثة أشهر في صفوف التنظيم وقتل.
ورغم مرور عام وعشرة أشهر على هزيمة تنظيم «داعش» في الرقة، لا يزال إحصاء الجثث وإخراجها مستمراً مع انتشالها من «مقابر جماعية» أو من تحت الأنقاض والكتل الإسمنتية جراء المعارك العنيفة التي دارت داخل المدينة، التي كانت المعقل الرئيسي للتنظيم المتشدّد في سوريا قبل طردهم في أكتوبر 2017.

3560 مجهول الهوية

في موقع المقبرة انتشرت مئات السواتر الترابية على جانبي قطعة الأرض والتي تقدر مساحتها بنحو 10 هكتارات، تدل على قبور جماعية لأكثر من 700 جثة تم نبشها، ومن المرجح إنها عائدة لعناصر تنظيم «داعش» نفسه.
ومنذ تحرير مدينة الرقة إثر هجوم بري واسع نفذته «قوات سوريا الديمقراطية» العربية - الكردية، وبدعم من تحالف دولي ضمّ 79 دولة غربية وعربية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، كُشف عن تسع مقابر جماعية داخل مدينة الرقة الواقعة شمال سوريا، بما فيها مقبرة «البانورما» التي أخرج منها أكثر من 900 جثة منها، وانتهت الفِرق من العمل منها بداية العام الحالي.
أما مقبرة الفخيخة فبدأ العمل فيها بـ9 يناير الماضي، ولدى حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يقول ياسر الخميس، قائد فريق «الاستجابة الأولية» من موقع المقبرة: «فوجئنا بالعدد الكبير للجثث المدفونة بهذه المقبرة، انتشلنا أكثر من 750 جثة بالقسم الأول فقط، وتم التعرف على 51 جثة سُلمت إلى ذويهم أصولاً بعد مطابقة المواصفات والتحاليل الطبية».
ويقع القسم الثاني من المقبرة بضاحية الفخيخة خلف معسكر الطلائع، بدأ الفريق العمل فيها بالعاشر من الشهر الحالي، ويرجح ياسر الخميس أن يصل العدد الكلي للمقبرة إلى أكثر من 3500 جثة، وبحسب شهادات أهالي الضاحية ممن يسكنون بالقرب منها؛ تعود ضحاياه للإعدامات الميدانية الجماعية التي كان يقوم بها عناصر التنظيم، وأضاف الخميس: «أغلب الذين دفنوا في هذه المقبرة جثث لعناصر التنظيم نفسه، إضافة إلى صحافيين وعمال إغاثة وكل من أعدم في ساحات الرقة».
ومنذ بداية شهر يناير 2018، يقوم الفريق بالعمل والبحث عن المقابر الجماعية في مدينة الرقة وضواحيها، ويتألف الفريق من عمال حفر ومحام وطبيبين شرعيين ومكتب توثيق وإحصاء ومكتب إعلام، ومن بين تسع مقابر جماعية انتشل الفريق 4550 جثة تم التعرف على 900 جثة سُلمت إلى ذويهم أصولاً، وهناك أربع مقابر جماعية ثانية ستعمل عليها الفرق خلال النصف الثاني من العام الحالي، والمقابر المتبقية هي: مقبرة «السحل» و«معيزيله» و«المنصورة» و«الحمرات»، التي تنتظر الكشف عنها ويرجح أن تكون للأشخاص الذين نفذت بحقهم إعدامات ميدانية.
ويسعى الفريق لتحديد هوية كل جثة رغم إمكاناته المتواضعة، ويتابع ياسر الخميس المتحدر من مدينة الرقة ليقول: «لدينا طبيب شرعي يسحب ثلاث عينات من كل جثة، تحفظ في غرفة مخصصة مزودة بسجل يوثق حالة الجثة وطريقة قتله ومكان دفنها»، مشيراً بأن فريق «الاستجابة الأولية» الذي يقوده قام بإنشاء خريطة دقيقة، وهي عبارة عن رسوم هندسية تشير الأسهم والنقاط والتواريخ إلى أماكن الجثث، وقيد كل جثة وعينتها وسجلها، لمساعدة الأهالي للتعرف عليها وإعادة دفنها.
غير أن فاطمة البالغة من العمر (55 سنة) قضت أياماً من الانتظار عند مقبرة الفخيخة الجماعية في مدينة الرقة أملاً بمعرفة مصير زوجها، والذي كان مقاتلاً في صفوف التنظيم فقد أثره بعد انتهاء المعركة هناك، لكنها لم تستسلم للروايات على مقتله؛ إذ حاولت البحث عن طريق أقارب لها، في باقي المناطق التي بقيت خاضعة لسيطرة التنظيم حتى أعلنت قوات التحالف الدولي في نهاية مارس (آذار) الماضي القضاء عسكريا وجغرافيا على خلافته المزعومة.
وبصوت خافت يكاد يفهم وأسئلة كثيرة وعلامات استفهام ارتسمت على وجهها المليء بالتجاعيد، نقلت فاطمة المنحدرة من مدينة حلب إنها وللمرة الثالثة منذ بداية العام الحالي تزور مدينة الرقة للبحث عن زوجها، وقالت: «عندما يعلنون الكشف عن مقبرة جماعية جديدة أتي إلى هنا على أمل وجود جثته أو أي معلومة عن مصيره، منذ سنوات وقلبي مفطور لمعرفة مصيره»، ليتسنى لها دفنه بصورة لائقة ويكون له قبر وشاهد.
وتعد عملية استخراج وتحليل بقايا الهياكل العظمية من المقابر الجماعية عملية معقدة، تتطلب خبرة عالية في جمع المعلومات وقدرة كافية على إجراء الحفريات، ومهارات في التعرف على الجثث وتحديد سبب الوفاة، وهي من بين أبرز التحديات التي تواجه الفرق الميدانية، ووصف ياسر الخميس ملف المقابر الجماعية بـ«المعقد للغاية»، ويزيد: «يومياً يستقبل مكتبنا أهالي الرقة ومن خارج المحافظة يسألون عن مصير أبنائهم»، فمنهم من مات تحت الأنقاض، ومنهم من لقي حتفهم بالألغام أو المفخخات التي زرعها التنظيم: «لكن النسبة الأكبر قتلهم عناصر التنظيم ودفنوا في مقابر جماعية، ونحاول جاهدين الكشف عن مصير كل مفقود»، على حد تعبيره.

جثث الأجانب

تقع مدينة الرقة على الضفة الشمالية لنهر الفرات وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كلم، كان يسكنها قبل اندلاع الحراك المناهض لنظام الحكم ربيع 2011؛ نحو 300 ألف نسمة غالبيتهم من العرب السنة إلى جانب أكراد ومسيحيين وتركمان، فرّ معظمهم بعد سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.
وعمدَ التنظيم إلى احتجاز وقتل آلاف الأشخاص خلال سيطرته على المنطقة، ويتهم سكان الرقة عناصر «داعش» بتنفيذ عمليات الإعدامات ودفنهم في مقابر جماعية؛ إذ تقدر السلطات المحلية مقتل وفقدان آلاف الأشخاص خلال معركة استعادة المدينة تم دفن كثيرين منهم على عجل، ومنهم من بقيت جثثهم تحت الأنقاض.
والمقبرة الجماعية عبارة عن مكان يحتوي على جثث عدة تكون غالباً لأشخاص غير معروفي الهوية، دفن صاحبها في قبر لا يحمل شاهداً أو أي إشارة تدل على اسمه أو هويته الحقيقية، بحسب الدكتور محمود حاج حسن (60 سنة) المتحدر من الرقة، والذي يعمل طبيباً شرعياً لدى فريق «الاستجابة الأولية».
يشرح آلية عمله التي تبدأ مع إخراج الجثة، وتمييزها هل هي أشلاء أم جثة كاملة، متحللة أم مجموعة عظام، يحدد جنسها ذكراً أم أنثى، وهل هي عائدة لطفل أم لبالغ، كما تظهر ما إذا كان لمقاتل أم مدني، ويقول: «كما يتم تحديد جنسيته، فالآسيوي مثلاً أو الأوروبي أتعرف عليهم من خلال ملامح الجثة»، توقف لحظات عن الكلام وهو يشاهد عدداً من الجثث المستخرجة حديثاً ليضيف بحسرة: «لم أكن أتوقع حجم الدمار الهائل لمدينتي، وهذه الأعداد الكبيرة من الجثث والأشلاء معظمها مجهولة الهوية».
وأشار الطبيب محمود بأن أغلب جثث المقبرة مجهولة الهوية عائدة لمقاتلي التنظيم يتحدرون من جنسيات غربية وأوروبية، وقال: «أشاهد معها جعبة أو حزاماً ناسفاً وحذاءً عسكرياً، ويكون لباسه ميدانياً تدل على أنها كانت لمقاتل».
وتعتبر حالة التأكد من هوية الجثة وصاحبها عملية في غاية الصعوبة نظراً لغياب وجود تقنيات حديثة، وكثرة العدد حيث تجاوزت أعداد الجثث أكثر من 4500 جثة، ويقوم الأهالي بتسلم رفاة الجثث التي يتعرفون عليها سواء من ملابسهم أو علامات فارقة على أجسادهم، كحال السيدة عاكفة البالغة من العمر (40 سنة) والتي قطعت مسافة 385 كيلومتراً إلى مدية الرقة شمالاً قادمة من العاصمة السورية دمشق، للتأكد من جثث زوجها وابنها وزوجته والذين فضلوا البقاء بالرقة للعيش في كنف الخلافة المزعومة التي أعلن عنها تنظيم «داعش» المتطرف بداية 2014، كما نقلت المرأة المتحدرة من منطقة الحجر الأسود جنوب دمشق.
عاكفة هربت من الرقة بداية معركة الرقة صيف 2017، بعد إصرار زوجها وابنه وقرارهما القتال حتى النهاية، وأجبرا زوجة ابنه على البقاء معهما في المنزل، والسيدة التي كانت تلبس عباءة سوداء اللون غطت شعرها بوشاح أبيض بدت عليها علامات التقدم في السن على الرغم أنها ببداية عقدها الرابع، تأكدت من وجود جثث ذويها في مقبرة الفخيخة وقالت: «لقد تعرفت عليهم من خلال الملابس وعلامات في جسد زوجي وابني، أما زوجة ابني فقتلت بالمنزل الذي كانت تقيم فيه بعد تأكيد فرق الانتشال إخراج جثتها من تحت الأنقاض»، وقررت دفنهم في مقبرة الفخيخة، وأضافت بحسرة: «لا أملك المال الكافي لنقلهم إلى دمشق وشراء مقابر هناك وإعادة دفنهم، دفنتهم هنا وأشعر براحة لأنني تأكدت من موتهم».
ويرافق المجموعات الميدانية محامي تكون مهمته في غاية الدقة، يقوم بتسجيل التفاصيل الأساسية حول الجثث التي يتم العثور عليها وذكر أسباب الوفاة المحتملة، والإصابات والجنس ولون الشعر والطول واللباس والعمر التقريبي، حيث كان بالإمكان تحديدها بناءً على تقييم بصري للرفات التي يتم استخراجها دون استخدام أجهزة حديثة ومتطورة.
يتولى المهمة المحامي محمد (45 سنة) المتحدر من مدينة الرقة والذي فقد الكثر من أقربائه خلال المعارك الدائرة في مسقط رأسه، حيث قتل بعضهم بطلقات قناص عناصر التنظيم عندما حاولوا الهرب بعد احتدام المعارك منتصف 2017.
محمد كان يمتلك مكتب محاماة وعمل بشكل تطوعي للدفاع عن المتظاهرين السلميين أمام المحاكم، أما اليوم يعمل مستشاراً قانونياً في فريق الاستجابة ولا يخفي صعوبة مهمته، ليقول: «أتابع ميدانياً إخراج الجثث وتوثيقها وإرسال المعلومات إلى مكتب التوثيق والإحصاء، ثم تكفين الجثة ودفنها في مقبرة قريبة من الموقع على الطريقة الإسلامية».
أثناء وجوده في المقبرة كتب على استمارة خاصة رقم الجثة وتاريخ استخراجها وكل ما هو موجود معها، وأثناء الحديث معه في الموقع الميداني بمقبرة الفخيخة، أخرج الفريق جثة ملفوفة ببطانية رمادية اللون كانت رطبة كونها مدفونة تحت الأرض، ولفت قائلاً: «أسجل بشكل دقيق كل ما يقوله الطبيب الشرعي وكل ما هو موجود مع الجثة».

100 جثة محترقة

يروي عمر (52 سنة) والد الطفلة ملك التي قتلت بشظايا صاروخ أثناء قصف طيران التحالف الدولي على مسقط رأسها بيونيو (حزيران) 2017، كيف بقيت جثتها تحت ركام بيت العائلة الكائن في شارع هشام عبد الملك وسط الرقة، وكان عمرها آنذاك ثمانية أعوام، ولا يزال المنزل منهاراً بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على استعادة المنطقة، لكنهم انتشلوا جثتها ودفنها من جديد.
تسكن العائلة في البيت المواجه لكوم الركام، وعندما يقفون في الشرفة يريان المبنى المنهار الذي أصبح قبراً لها، وكلما ينطق باسمها تملأ الدموع عينيه دون أن يتمالك نفسه ويسود الصمت على المكان، وبكلمات مبعثرة ووجه حزين وعينين اغرورقتا بالدموع، قال عمر: «سيرة ملك تذكرنا بنيران الحرب التي لم تنتهِ بعد، فقدنا قطعة من الروح فكيف ننسى؟!، الله يصبرنا على مصابنا». ومنذ تأسيس فريق «الاستجابة الأولية» بداية 2018 انتشلوا أكثر من 1500 جثة من تحت الأنقاض والركام، وكشفوا مقابر جماعية عدة داخل مدينة الرقة وفي ضواحيها، منها مقبرة ملعب الرشيد وانتشلوا أكثر من 500 جثة، أما في محيط الجامع القديم كان مدفون نحو 80 جثة، وفي مقبرة التاج الواقعة بالقرب من حديقة الحيوانات جنوبي الرقة انتشلت رفات 380 جثة، أما حدائق الرقة فضمت ما يقارب 100 جثة، والرقم نفسه انتشل من منازل عربية، ومن مقبرة البانورما انتشلت أكثر من 900 جثة، والقسم الأول من مقبرة الفخيخة أخرجوا 750 رفات معظمها مجهولة الهوية.
لؤي المتحدر من مدينة الرقة شاب ثلاثيني أنهى دراسة الهندسة المدنية أواخر 2010، وعوضاً من العمل بمجال تخصصه في مجال تخطيط البناء ورسم وتصميم المنازل السكنية، قرر العمل مع فريق «الاستجابة الأولية» وباتت لديه خبرة كافية في توثيق وإحصاء الجثث وتسجيل البيانات على الحاسوب المركزي للفريق، كما يقوم بإدخال المعلومات المرسلة من الفرق الميدانية من المقبرة لتشكيل أوسع قاعدة بيانات على الإطلاق.
وعن عمله يقول لؤي: «قمنا بتصميم استمارة خاصة لهذا الغرض، تشمل بيانات حالة الجثة وعمرها وتحديد الجنس والملابس التي كان يرتديها، وتحديد حالة الوفاة، وأخيراً بيانات دفن الجثة ومكانها والجهة التي قامت بالدفن»، منوهاً بأن معظم الجثث مجهولة الهوية «هي لمقاتلي (داعش) أنفسهم أعدموا رمياً بالرصاص أو قتلوا عمداً، وتم دفنهم دون وجود ذويهم أو أسرهم؛ كونها غير معروفة»، وكشف عن أن الفريق انتشل أكثر من 100 جثة كانت متعفنة أو محترقة ولم يتم التعرف على جنسها أو عمرها.
وأنشأ الفريق مقبرتين لدفن الجثث التي يتم إخراجها من المقابر الجماعية، إحداها مقبرة «تل البيعة» الواقعة شمال شرقي الرقة، التي باتت تعرف باسم مقبرة «تل الشهداء» ودفن فيها معظم الذين انتشلت جثثهم منذ عمل الفريق، أما المقبرة الأخرى، وبعد اكتشاف مقبرة الفخيخة ونظراً لزيادة العدد فقد أنشاها الفريق بالقرب من «تلة الفخيخة».
بعد أن ينتهي الطفل أحمد البالغ من العمر 12 عاماً، صفوفه المدرسية، يتوجّه إلى مقبرة تل البيعة في مدينة الرقة ليبدأ بحفر قبر ورشها بالماء؛ أملاً في أن يحصل من أقرباء الموتى على مقابل مادي يعيل به عائلته. ويبدأ نهار الفتى النحيل باكراً في المدرسة لتقديم الامتحانات ثم يأتي للعمل بالمقبرة ولا ينتهي إلا عند حلول المغرب.
يتجول لساعات حافي القدمين رغم حرارة الطقس بين قبور معظمها من دون شواهد، ويسير فوق الأحجار وقطع الإسمنت وهو يحمل مجرافاً كبيراً ودلواً من الماء، لينظف الأضرحة ويسقي أيضاً العشب والزهور، ويقول: «عندما تأتي عائلة ما لدفن فقيدهم يبحثون عن مكان مناسب لإعادة دفنه، أكون قد حفرت القبر ويدفنونها في مكانها الجديد ويعطونني لقاء ذلك مبلغاً من المال».
أحمد اضطرّ إلى العمل في المقبرة بعدما خسر والده وظيفته ودخله الشهري بسبب الحرب الدائرة في بلده منذ سنوات، في ظل غياب فرص عمل بديلة للحصول على وظيفة مناسبة وغياب مؤسسات الدولة منذ ربيع 2013. وأضاف مبتسماً: «المهم أنني أعمل وأحصل على مال، مستقبلاً سأعمل في مجال آخر غير حفار قبور».

حملة للكشف عن المختطفين

كان تنظيم «داعش» قد أعلن في يناير 2014 السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق المجاور عادلت مساحتها بريطانيا في ذروة قوته منتصف 2015، وعمدَ عناصره إلى بثّ الشعور بالرعب من خلال نشر صور وأفلام مروعة لعمليات القتل التي نفذها عناصره، مثل مشاهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً بشهر فبراير (شباط) 2015، وتعليق رؤوس جثث مئات الجنود السوريين - أشباه عراة – في دوار النعيم وسط الرقة والذين أُسِروا في مطار الطبقة العسكري بيوليو (تموز) 2014، إلى جانب تصفية وقتل عشرات المواطنين الأجانب من صحافيين وعاملين في منظمات إغاثة.
وتحت عنوان «اكشفوا مصير ضحايا (داعش) المفقودين»، أطلقت الكثير من الأسر حملة بدعم من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، للكشف عن مصير أبنائهم الذين فُقدوا وكانوا محتجزين لدى تنظيم «داعش» عندما كان يسيطر على أجزاء واسعة من سوريا، وهذه العائلات لا تزال تحاول الاستعلام عن مصير ذويهم.
يدير الحملة الناشط خليل الحاج صالح المتحدر من مدينة الرقة، فقد شقيقه فراس الحاج صالح منذ 6 سنوات، اختطفه عناصر التنظيم ولا يعلمون مصيره حتى تاريخه، وعن آلية الحملة وأهدافها يقول: «آلية العمل تعتمد الضغط على الإعلام والمسار القانوني بمساعدة محامين سوريين وأجانب، إضافة إلى المشورة التي تقدمها منظمات حقوقية دولية للحصول على معلومات من قوات التحالف الدولي للمساعدة بالكشف عن مصير المختطفين».
وأعربت برايانكا موتابارثي، مديرة قسم الطوارئ في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، عن آسفها لبقاء العائلات الذين قتلوا أو اختطفوا على يد تنظيم «داعش» دون تحديد مصير أحبائها، وطالبت أن تصل إلى العدالة في تلك الجرائم، منوهة إلى الحفاظ على الأدلة من هذه المقابر الجماعية التي تعتبر جزءاً أساسياً من القضية، وأضافت: «تقوم المجموعات المحلية بكل ما يمكنها فعله، لكنها تحتاج إلى دعم لتنفيذ أعمالها الصعبة والخطرة بطريقة تدعم حق العائلات في الحصول على معلومات دقيقة عن القتلى».
بدوره، يرى المحامي أنور البني، مدير «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية»، أن المقابر الجماعية التي عثر عليها في مدينة الرقة وتضم آلاف الجثث، «يجب على دول التحالف تقديم السبل اللازمة لكشف هويات أصحاب الجثث مثل تزويدهم بالأطباء الشرعيين والخبراء والاختصاصيين في هذا المجال»، وقال: «إن إحصائية المحتجزين لدى التنظيم بلغت 7600، بينهم نحو ألفي شخص موثقين بالاسم».
من ناحيتها، طالبت برايانكا موتابارثي «المنظمات الدولية التي لديها خبرة بالطب الشرعي بتوفير الدعم الفني، وإرسال خبراء لدعم عمليات تحديد الهوية واستخراج الجثث، وينبغي على السلطات المحلية تسهيل العملية قدر الإمكان».
ومُني تنظيم «داعش» بخسائر ميدانية كبرى خلال العامين الأخيرين، على وقع هجمات شنّتها أطراف عدة، أبرزها «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وتكبد أكبر هزائمه العسكرية صيف عام 2017 عندما فقد السيطرة على مدينة الموصل بالعراق ومدينة الرقة في سوريا، أبرز معاقله سابقاً.
ولم ينتهِ خطر تنظيم «داعش» المتطرف، حيث شنّ اعتداءات عدة في مدينة الرقة بعد طرده منها، وهي التي لا تزال آثار المعارك العنيفة من دمار وفوضى تطغى عليها رغم عودة عشرات آلاف السكان إليها، ولا يعني البتة حسم المعركة في بلدة الباغوز في مارس الماضي انتهاء خطر التنظيم، في ظل قدرته على تحريك خلايا نائمة في المناطق الخارجة عن سيطرته واستمرار وجوده في البادية السورية المترامية الأطراف، فعناصر «داعش» يبسطون السيطرة على جيب صحراوي إلى الغرب من نهر الفرات، تحيط به القوات النظامية الموالية للأسد، وميليشيات إيرانية والحشد الشعبي من الجهة العراقية.



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».