التجارب النووية تساهم في اكتشاف الأعمال الفنية المزيفة

زيادة الكربون 14 في الجو أتاح الفرصة لتحديد عمر المادة المستخدمة

TT

التجارب النووية تساهم في اكتشاف الأعمال الفنية المزيفة

كيف يمكنك التعرف على لوحة فنية مزيفة بطريقة عصرية حديثة؟ ربما يكمن الحل في اختبارات الأسلحة النووية التي بدأت منتصف القرن العشرين. فقد ظل العلماء يعملون لسنوات على تطوير طرق وأساليب لتحديد عمر لوحة فنية باستخدام تقنية الكربون المشع والآثار الممتدة للاختبارات. وقد حدد فريق من الباحثين عمر عمل فني باستخدام شريحة من الطلاء، بحجم بذرة خشخاش، بحسب دراسة تم نشرها خلال الأسبوع الماضي في دورية «إجراءات الأكاديمية الوطنية للعلوم». وقال غريغ هودغينز، أستاذ في جامعة «أريزونا» الأميركية، يشرف على معمل مخصص لتحديد عمر الأشياء باستخدام الكربون المشع، ولم يكن مشاركاً في الدراسة: «إنه إنجاز فني مذهل».

- «ذروة التجارب النووية»
تتيح طريقة تحديد عمر الأشياء بالكربون المشع، التي تم التوصل إليها في أربعينيات القرن العشرين، للعلماء معرفة عمر مجموعة متنوعة من المواد، بما فيها الوقود الحفري، ورسوم الكهوف، والمخطوطات الجلدية، من خلال فحص أنواع ذرات الكربون بها. تُعرف ذرات العنصر الواحد مختلفة الكتل، باسم النظائر، وتعد نظائر كربون 12 و13 مستقرة، على عكس كربون 14. تلك النظائر متقاربة لدى الكائنات الحية، لكن بمجرد موت المادة الحية تتحلل ذرات كربون 14، ما يمكّن العلماء من تحديد عمر تلك المادة الحية، حتى إن كانت الوفاة قبل آلاف السنوت، وذلك من خلال حساب النسبة بين نظائر الكربون تلك. مع ذلك، تعرقلت تلك المعادلة منذ نصف قرن مع ظهور التجارب النووية. فالكربون 14 يتكون بشكل طبيعي عندما تتصادم الأشعة الكونية ذات الطاقة الهائلة مع ذرات النيتروجين الموجود في الجو، لكن التجارب النووية القوية، التي يتم إجراؤها فوق الأرض، والتي بدأت منتصف القرن العشرين، أدت إلى زيادة كربون 14 الذي يخرج من النيتروجين الموجود في الجو. وقد ارتفع مستوى الكربون 14 بدرجة كبيرة خلال نحو عقد، ما دفع إلى توقيع معاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية عام 1963. ومن المؤكد أن تلك المستويات قد تضاعفت في الجو الآن.
وقالت لورا هندريكس، باحثة دكتوراه في جامعة زيوريخ في سويسرا، والمؤلفة الرئيسية لهذه الدراسة: «ذروة التجارب النووية طريقة فريدة حقاً»، في إشارة إلى ارتفاع مستوى الكربون 14 في الجو. وأضافت قائلة: «يمكن استخدام تلك الطريقة في كثير من المجالات، فهي رائعة، وإن لم تكن مؤشراً جيداً».
يشبه تأثير التجارب النووية دفع عقارب الساعة إلى الأمام، بحسب هودغينز؛ حيث يوضح قائلاً: «بحسب مصطلحات تحديد عمر الكربون الكوني، يشبه الأمر السفر عبر الزمن إلى المستقبل بنحو 5 آلاف عام. تظهر تلك الزيادة في كربون 14 في أي مادة عاشت أو ماتت بعد عام 1963، بما في ذلك الخشب والألياف، وينطبق ذلك على الدعامات أو قماش الكنفاس المستخدم في أي عمل فني معاصر أو المادة الحية المستخدمة لتثبيت الصبغات في اللوحات الحديثة».

- تجربة الطريقة
ظهرت فكرة التعرف على حالات التزييف من خلال تحديد عمر مادة التثبيت المستخدمة في تلوين اللوحات، كما فعلت هندريكس وزملاؤها، في الدراسة عام 1972. وفي عام 2015 استخدم خبراء في إيطاليا أليافاً من قماش الكنفاس المستخدم في الرسم في اكتشاف زيف لوحة منسوبة إلى الفنان الفرنسي فرناند ليجيه ومملوكة لمؤسسة «سولومون غاغينهايم». مع ذلك، لطالما كانت هناك وسائل للتحايل على تلك الطريقة وتفاديها؛ حيث يعيد المزيفون استخدام قماش الكنفاس القديم، لإحكام عملية التزييف، ما يبطل فعالية اختبار ألياف ذلك القماش. وكانت هناك حاجة على مدى التاريخ إلى إجراء عمليات تحليل مثلما فعل العلماء في نهاية الثمانينات، عندما اكتشفوا زيف كفن تورينو، الذي كان يتم نسبه إلى المسيح؛ حيث استخدموا عينات بحجم طابع البريد لإجراء اختبارات الكربون المشع.
كانت العينات، التي استخدمها الفريق في الدراسة، والتي تم نشرها في 3 يونيو (حزيران)، صغيرة جداً. وقد مكّن التقدم التكنولوجي الباحثين من تحليل عينات بحجم شعيرات دقيقة من ألياف قماش الكنفاس، لا يزيد طولها عن بضع مليمترات وعينة من الطلاء لا يزيد حجمها على نصف مليمتر مكعب.
تم أخذ تلك العينات من عمليات تزييف معروفة، من بينها لوحة تصور مشهد قرية تعود إلى القرن التاسع عشر، تم الزعم أنها تعود إلى عام 1866. لكن في الواقع تم رسم تلك اللوحة في ثمانينات القرن العشرين على أيدي روبرت تروتر، فنان تم سجنه لاحقاً وفرض غرامة عليه لبيعه عشرات من تلك اللوحات المزيفة. وأصدر قاضٍ حكماً بتسليم بعض تلك اللوحات إلى خبراء، من أجل دراسة الطرق التي يستخدمها المزوّرون. وقام الفريق بتنظيف العينات، بوضعها في مادة مذيبة وحمض لإزالة الملوثات والطلاء، ثم تسخين العينات إلى 1.750 درجة فهرنهايت، من أجل إطلاق ثاني أكسيد الكربون، على حدّ قول هندريكس. ويتم بعد ذلك جمع الغاز ووضعه في مسرع جسيمات حيث يمكن تصنيف ذرات الكربون الموجودة في العينة والمقارنة بينها.
لم تكن نتائج ألياف القماش قاطعة أو واضحة، وقام تروتر بإعادة تدوير القماش القديم المستخدم في اللوحات المزيفة، وتمكنت هيندريكس بالتعاون مع زملائها من معرفة أن تلك الألياف يعود تاريخها إلى الفترة بين نهاية القرن السابع عشر ومنتصف القرن التاسع عشر. مع ذلك، كانت تروي مادة التثبيت في اللوحة قصة أخرى؛ حيث كانت حديثة وقت رسم اللوحة. بحسب تحليل فريق هيندريكس، احتوى الزيت المستخدم كمادة تثبيت في لوحة تروتر على كمية كبيرة من الكربون 14. وكان مصدره من بذور تم حصادها خلال الفترة من 1958 حتى 1961، أو من 1983 حتى 1989، أي بعد التاريخ الزائف الذي ذكره تروتر.

- ليس هو الحل المباشر السهل
رغم أن تلك الطريقة الموضحة في الدراسة نافعة ومفيدة في اكتشاف عمليات تزييف الأعمال الفنية، هناك حدود تحكمها وتقيدها. ويقول هودغينز: «إنه تقدم مهم، لكنه ليس حلاً سهلاً ومباشراً»، فاستخدام الكربون المشع في تحديد عمر الأشياء مدمر بطبيعته. وفي الوقت الذي أوضح فيه الفريق القائم على الدراسة إمكانية إجراء التحليل باستخدام عينات صغيرة، لا يزالون بحاجة إلى إزالة المواد من اللوحة. إلى جانب ذلك، ربما تكون عملية تنظيف العينة من الملوثات المحتملة صعبة. كذلك يبدو أن نفع الاسترشاد بذروة التجارب النووية في تراجع أيضاً، نظراً لبدء عودة الكربون 14 الموجود في الجو إلى مستوياته قبل التجارب النووية بعد امتصاص المحيط له، ومن المتوقع أن ينخفض مستواه بدرجة أكبر، مع استمرار انبعاثات الوقود الحفري وتأثيرها عليه. نتيجة لذلك، من المرجح أن يؤدي استخدام تلك الطريقة في المستقبل إلى نتائج متباينة قبل وبعد فترة التجارب النووية.
كذلك من المرجح أن يظل لتلك الطريقة بعض القيمة، لكن سيكون من الضروري استخدامها، إلى جانب طرق أخرى للتحقق من عمر المادة، على حد قول خبراء. وتقول هندريكس: «ربما تظل تلك الطريقة مفيدة، لكنها ستزداد صعوبة. سيكون الأمر بمثابة أحجية يتم تجميع أجزائها».
- خدمة «نيويورك تايمز»



مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)

وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي سيراً على الأقدام إلى منزل والدته في مدينة هال، شمال شرقي إنجلترا، يوم الاثنين، مختتماً رحلة ملحمية حول العالم كان قد بدأها في أميركا الجنوبية قبل 28 عاماً، وتحديداً في عام 1998، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كان بوشبي في التاسعة والعشرين من عمره حين انطلق في رحلته، وهو اليوم في السابعة والخمسين.

اجتاز بوشبي مساحات من الجليد المتحرك عبر مضيق بيرينغ، وسبح عبر بحر قزوين والقناة الإنجليزية (بحر المانش). لكن الجزء الأكبر من رحلته كان برياً؛ إذ قادته قدماه عبر أدغال خطرة، وغابات مطيرة، وصحارٍ، ومناطق تندرا متجمدة، في ظل ظروف مناخية متنوعة للغاية.

حشد من المهنئين يحيط بالمغامر البريطاني كارل بوشبي خلال توجهه إلى منزل والدته في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة امتدت نحو 50 ألف كيلومتر (أ.ف.ب)

فيما يلي نظرة إلى مغامرة بوشبي بالأرقام:

75 مليون خطوة

لو كانت أجهزة تتبّع اللياقة البدنية موجودة عندما بدأ بوشبي رحلته، فمن المرجّح أنها لم تكن لتتمكّن من مواكبة العدد التراكمي لخطواته.

50 ألف كيلومتر

تعادل المسافة الإجمالية التي قطعها، والبالغة نحو 50 ألف كيلومتر، خوض 10 آلاف سباق جري على الطرق، طول كل منها خمسة كيلومترات.

10229 يوماً

قدّر بوشبي في البداية أنه يستطيع قطع المسافة خلال خمس سنوات.

قال إنه لاحقاً «كان يظن أنها ستستغرق 12 عاماً أو أكثر... لكننا لم نتخيّل قط، حتى في أبعد تصوّراتنا، أنها ستستغرق (الرحلة) 28 عاماً».

وهذا يعادل 10229 يوماً.

كارل بوشبي يتحدث خلال استقبال رسمي في ساحة الملكة فيكتوريا بمدينة هال البريطانية عقب عودته الاثنين من رحلة بدأت في تشيلي قبل 28 عاماً (د.ب.أ)

31 يوماً

عندما سدّت النزاعات الجيوسياسية طريقه عبر روسيا وإيران، قرّر بوشبي عبور بحر قزوين سباحة، وهو أكبر مسطح مائي داخلي في العالم.

وخلال العبور الذي استغرق 31 يوماً، استخدم أسلوباً يطلق عليه اسم «فلوتيمينغ»، يجمع بين الطفو والسباحة. وكان يرتدي سترة طفو وبدلة غوص، ويدفع نفسه إلى الخلف بتحريك ذراعيه في الماء.

30 دولة

انطلق من تشيلي وأنهى رحلته في المملكة المتحدة، ودخل أو مرّ عبر 30 دولة قبل عودته إلى منزله.

10 أعوام

لم يستغرق عبور أي دولة وقتاً أطول مما استغرقه اجتياز روسيا، حيث امتدّت رحلته لنحو عقد.

فقد احتجز وواجه الترحيل بتهمة الدخول بصورة غير قانونية بعد عبوره مضيق بيرينغ عام 2006، ولم يسمح الطقس القاسي بالسفر إلا لبضعة أشهر كل عام، فيما أجبرته التأخيرات البيروقراطية مراراً على مغادرة البلاد.

وبعدما رفضت روسيا منحه تأشيرة عام 2012، أمضى عاماً يمشي مسافة 3500 ميل، أي نحو 5600 كيلومتر، من لوس أنجليس إلى السفارة الروسية في واشنطن احتجاجاً على القرار. وقد زوّدته السفارة بعد ذلك بالأوراق اللازمة.

المغامر البريطاني كارل بوشبي يتحدث إلى مؤيديه خلال إتمام المرحلة الأخيرة من رحلة المشي التي استمرت 28 عاماً في هال ببريطانيا يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أربع قارات

قادت الرحلة بوشبي عبر أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية وآسيا وأوروبا؛ أي أربع قارات من أصل قارات العالم السبع.

قصتا حب

وقع في الحب مرتين، وانكسر قلبه في المرتين. فقد جمعته علاقتان طويلتان بامرأة من كولومبيا وأخرى من اليابان، لكن أياً منهما لم تصمد أمام الضغوط التي فرضتها رحلته.

أحذية «كثيرة»

يقدّر بوشبي أنه أبلى 10 أزواج من الأحذية في الأميركتين قبل أن يتوقف عن العدّ. وكان ذلك قبل 20 عاماً.


«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.