أنقرة تبحث عن مخرج من أزمة «إس 400»

الخارجية التركية انتقدت تحذير قبرص بشأن غاز المتوسط... ومناظرة مرتقبة بين إمام أوغلو ويلدريم

صورة أرشيفية لاستعراض منظومة «إس 400» الروسية في ذكرى معركة ستالينغراد (رويترز)
صورة أرشيفية لاستعراض منظومة «إس 400» الروسية في ذكرى معركة ستالينغراد (رويترز)
TT

أنقرة تبحث عن مخرج من أزمة «إس 400»

صورة أرشيفية لاستعراض منظومة «إس 400» الروسية في ذكرى معركة ستالينغراد (رويترز)
صورة أرشيفية لاستعراض منظومة «إس 400» الروسية في ذكرى معركة ستالينغراد (رويترز)

قال مستشار الصناعات الدفاعية التركية، إسماعيل دمير، إن الولايات المتحدة لم تشكل مجموعة عمل مشتركة لتقييم مخاوفها بشأن شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»، بموجب اقتراح من أنقرة، في الوقت الذي أكد فيه مسؤولون أتراك عدم حدوث تغيير على خطط بلادهم لتسلم المنظومة الروسية.
وقال دمير، أمس، إن المسؤولين الأتراك يجهزون رداً على خطابٍ من وزير الدفاع الأميركي بالوكالة، باتريك شاناهان، المرسل إلى وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الخميس الماضي، الذي أوضح فيه خطوات إقصاء تركيا من برنامج تصنيع وتطوير مقاتلات «إف 35» بحلول 31 يوليو (تموز) المقبل، إذا واصلت قدماً في تنفيذ صفقة «إس 400». وبدأت هذه الإجراءات بوقف استقبال الطيارين الأتراك للتدريب على المقاتلات، التي كان مقرراً حصول تركيا على 100 منها، تسلمت منها اثنتان في يونيو (حزيران) 2018، لكنهما بقيتا في أميركا لتدريب الطيارين الأتراك عليهما.
وتقول واشنطن إن المنظومة الروسية تشكل تهديداً على مقاتلات «إف 35» التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن».
وأكد مسؤولون أتراك عدم وجود تغيير في خطوات أنقرة لاستكمال صفقة شراء صواريخ «إس 400»، حسبما نقلت صحيفة «حرييت ديلي نيوز» التركية عن المسؤولين الذين رفضوا الكشف عن هوياتهم. وأضاف المسؤولون أن «بعض المؤسسات الأميركية لا تريد أن تأخذ بعين الاعتبار القضايا التي اتفق عليها الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والأميركي دونالد ترمب، في السابق، وأن اقتراح تركيا تشكيل لجنة فنية مشتركة مع الولايات المتحدة لبحث مسألة (إس 400) لا يزال مطروحاً».
وتصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، في الشهور الأخيرة، مع اقتراب موعد تسليم روسيا منظومة «إس 400» لأنقرة، التي تعتبرها واشنطن تهديداً لأنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) ومقاتلات «إف 35» الأميركية التي تسعى أنقرة للتزود بها.
في السياق ذاته، كشفت صحيفة «يني شفق» التركية عن وضع السلطات بدائل للمقاتلة الأميركية «إف 35»، عقب تهديد الولايات المتحدة بعدم منحها لأنقرة، منها المقاتلة الروسية «سوخوي 57»، والصينية «جي 31» عقب إرسال شاناهان خطابه إلى نظيره التركي خلوصي أكار.
وقررت السلطات الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، تجميد صفقة بيع 100 مقاتلة «إف 35» إلى تركيا، حيث شاركت الأخيرة في نسبة ما بين 6 إلى 7 في المائة من أجزاء هذه الطائرة.
في غضون ذلك، كشفت تقارير أن إردوغان يكثف البحث عن مخرج من «ورطة» صواريخ «إس 400» الروسية، رغم تأكيده في العلن تمسكه بها. ونقلت مجلة «دير شبيغل» الألمانية عن مصادر «رفيعة» لم تسمها، أن إردوغان يصر في العلن على التمسك بالصفقة مع روسيا، لكنه يبحث باستماتة خلف الأبواب المغلقة عن مخرج من الورطة التي وضع بلاده فيها، مع إظهار واشنطن حسمها في القضية.
وذكرت المصادر أن إردوغان يخشى التراجع بشكل مفاجئ وغير مبرر عن الصفقة، ما ستنتج عنه أزمة حادة في العلاقات مع روسيا التي يحتاجها بشدة في ضوء تعقد الأوضاع في سوريا، لكنه يدرك أيضاً أن التمسك باستكمال الصفقة يعني عزلة دولية لتركيا، ويعرض اقتصادها «المترنح بالأساس» إلى هزة عنيفة جداً، لأن واشنطن لن تتوانى عن فرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على أنقرة، وتهميشها سياسياً وعسكرياً داخل حلف «الناتو».
واعتبرت المصادر أن المخرج الوحيد أمام تركيا الآن بات تشكيل لجنة مشتركة مع واشنطن ودول «الناتو»، لفحص «الثغرات الأمنية» في منظومة الحلف الدفاعية ومقاتلات «إف 35» قبل تسلم المنظومة الروسية. وفي حال اكتشاف ثغرات بالفعل في المنظومتين، وهذا مرجح، سيكون التراجع عن الصفقة مع روسيا مبرراً.
وكان إردوغان كرر حديثه، الأسبوع الماضي، عن المقترح التركي للولايات المتحدة، بتشكيل لجنة مشتركة لمراجعة ملف منظومة الدفاع الجوي في تركيا بشكل عام، ما يعني أنه بدأ السير في هذا الطريق.
ويعول إردوغان على اللقاء المحتمل مع ترمب، على هامش قمة زعماء مجموعة العشرين في اليابان، أواخر يونيو الحالي، للخروج من الأزمة بأقل الخسائر.
في شأن آخر، انتقدت الخارجية التركية تحذير قبرص من إلقاء القبض على العاملين على سفينة «الفاتح» التركية للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط. وقالت، في بيان، أمس، إنه إذا كان قرار قبرص صحيحاً، فهذا يعد تجاوزاً للحدود، وهو في حكم العدم بالنسبة لأنقرة، والذين يتجرأون على هذه الخطوة، عليهم أن يدركوا ردة فعلنا.
كانت السلطات القبرصية أصدرت تحذيراً للشركات والأفراد الداعمين للأعمال «غير القانونية» لسفينة الحفر التركية، مؤكدة أنهم سوف يواجهون عواقب قد تشمل إصدار مذكرة توقيف دولية بحقهم. كما نددت قبرص، بشدة، بقيام تركيا بعمليات تنقيب عن المواد الهيدروكربونية (النفط والغاز) داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لها (الجرف القاري) التي أعلنت عنها تركيا في 4 مايو (أيار) الماضي. وأشارت إلى أنه يجري بالفعل اتخاذ إجراءات على المستوى القانوني والسياسي والدبلوماسي بهذا الشأن.
وأثارت الخطوات التي تقوم بها تركيا انتقادات شديدة من جانب قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب مصر، التي حذرت أنقرة في حينها من «انعكاس أي إجراءات أحادية على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط».
وقالت السلطات القبرصية، في رسالة التحذير، «ما تقومون به هو عمليات غير قانونية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لجمهورية قبرص، أفعالكم تنتهك القانون الدولي وإجراءات السلامة البحرية، وأنتم ترتكبون جرائم جنائية خطيرة بموجب قوانين جمهورية قبرص».
وأضافت: «أي أفراد وشركات، يعملون، أو يقدمون خدمات، ويساعدون ويلتمسون دعم الأعمال غير القانونية لسفينة التنقيب التركية (الفاتح) ينتهكون حقوق جمهورية قبرص والقانون الدولي وإجراءات السلامة البحرية»، مشددة على أنهم سيواجهون جميع النتائج، وفقاً للقانون الأوروبي والدولي، وستصدر مذكرة اعتقال دولية بحقهم. وتابعت: «نطالب بالتوقف الفوري لأفعالكم غير القانونية».
في شأن آخر، يلتقي وزير العدل التركي عبد الحميد غل، نظيره الأميركي بيل بار، اليوم، في واشنطن، على هامش مشاركته في «اليوم التركي - الأميركي»، وذلك للبحث مجدداً في تسليم فتح الله غولن الذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة انقلاب 15 يوليو 2016، بالإضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين.
كما سيلتقي غل، غداً الأربعاء، أعضاء في الكونغرس الأميركي وممثلي منظمات مجتمع مدني، إضافة إلى عدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية في ندوة يعقدها وقف الميراث التركي بواشنطن، سيتطرق خلالها إلى قضية بقاء غولن في الولايات المتحدة، حيث يقيم في ولاية بنسلفانيا كمنفى اختياري منذ عام 1999. وطالبت تركيا مراراً بتسليم غولن، إلا أن الإدارة الأميركية طالبتها بتقديم أدلة دامغة على ضلوعه في محاولة الانقلاب الفاشلة، مؤكدة أنها قضية تخضع للقضاء، وليست شأناً سياسياً.
إلى ذلك، وافق حزبا «العدالة والتنمية» الحاكم، وحزب «الشعب الجمهوري» المعارض، التركيان، على إقامة مناظرة تلفزيونية بين مرشحيهما لرئاسة بلدية إسطنبول، بن علي يلدريم، وأكرم إمام أوغلو، مساء الأحد المقبل.
وستعقد المناظرة قبل أسبوع واحد من انتخابات الإعادة على منصب رئيس البلدية، الذي سبق أن فاز به مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) الماضي، لكن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم رفض الاعتراف بالنتيجة، وشكك فيها، وقدم سلسلة طعون إلى اللجنة العليا للانتخابات، التي اتخذت قراراً مثيراً للجدل في 6 مايو الماضي، بإلغاء نتيجة الاقتراع على منصب رئيس البلدية فقط، وإعادته في 23 يونيو الحالي، دون إعادة الانتخابات بالكامل في إسطنبول التي شكلت خسارتها ضربة قوية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وحزبه.
كان أكرم إمام أوغلو، الذي أُقصي من منصبه بعد 18 يوماً فقط من تسلمه، عقب سلسلة من إعادات فرز الأصوات في دوائر إسطنبول، وتدقيق الأصوات الباطلة، طلب إجراء المناظرة مع منافسه يلدريم الذي علق قبوله لها على موافقة الحزبين.
وتشير آخر استطلاعات للرأي إلى تفوق أكرم إمام أوغلو، الذي يخوض حملة انتخابية ناجحة، بفارق يتراوح بين نقطة و5 نقاط على يلدريم، وأنه في سبيله لتكرار الفوز بمقعد رئيس البلدية مجدداً، وسط تعاطف واسع من الناخبين الذين يرون أن ما قامت به اللجنة العليا للانتخابات تم تحت الضغط وشكل ضربة للديمقراطية واغتصاباً للمنصب من المرشح الفائز إمام أوغلو.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.