«الهروب من جزيرة أوستيكا» تنتصر للحب في زمن القهر

«الهروب من جزيرة أوستيكا» تنتصر للحب في زمن القهر

رواية صالح السنوسي تستحضر نضال الليبيين ضد الاستعمار الإيطالي
الثلاثاء - 8 شوال 1440 هـ - 11 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14805]
جمعة بوكليب
حين ظهرت روايته الأولى «متى يفيض الوادي» عام 1979، مسلسلة، في دورية «الفصول الأربعة»، الصادرة عن اتحاد الكتّاب الليبيين، فاجأت الساحة الثقافية الليبية. لم يكن أحد يعرف مؤلفها صالح السنوسي، أو سمع باسمه من قبل. كان صالح وقتذاك يحضر رسالة دكتوراه في باريس، متخصصاً في العلوم السياسية. كانت روايته الأولى لافتة، وظهرت في فترة مبكرة من بدايات انبثاق الرواية الليبية، ولم يكن صعباً التنبؤ بأن صالح السنوسي سيكون من ضمن أهم أعمدة السرد الروائي الليبي، ووضع اسم ليبيا على خريطة الإبداع العربي مع كتاب من أمثال إبراهيم الكوني، والمرحوم أحمد إبراهيم الفقيه.
صدرت له بعدها خمس روايات أخرى، وهذه الأخيرة «الهروب من جزيرة أوستيكا» السادسة، صدرت، مؤخراً، عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، إضافة إلى أربعة كتب أخرى في مجال الدراسات السياسية.
طوال مسيرته الإبداعية، حافظ صالح السنوسي على مواصلة بناء عوالم روائية، متميزة، ومختلفة، يربطها سلك غير مرئي، يشدها موضوعاتها، اقتراباً وابتعاداً، ببعضها البعض، وإلى التاريخ.
الرواية السابقة لهذه «يوميات زمن الحشر» تتعرض لأخطر مرحلة في التاريخ الوطني الطلابي، ونعني بذلك ما اصطلح على تسميته بـ«أحداث 7 أبريل (نيسان) 1976»، التي تمكن فيها النظام من القضاء على الحركة الطلابية الوطنية النضالية في الجامعات والمؤسسات التعليمية.
«الهروب من جزيرة أوستيكا»، رواية صغيرة الحجم، 142 صفحة، من القطع الصغير. وهي تستحضر فترة من فترات التاريخ الليبي النضالي ضد الاستعمار الإيطالي، وقيام إدارته الاستعمارية بترحيل العديد من المجاهدين الليبيين وأنصارهم قسراً إلى المنفى في جزيرة أوستيكا. وقام مركز الدراسات الليبية بنشر دراسات توثق لتلك الفترة، مرفوقة بأسماء كل المرحلين قسراً. وصالح السنوسي أول من سعى لاستشكافها روائياً. هذا من جهة. من جهة أخرى، يلتفت الروائي صالح السنوسي إلى هذه الفترة، ويختارها، قصداً، لتكون مسرحاً تتحرك عليه شخوص روايته، وأحداثها، في زمن ترحل فيه قوارب المهربين محملة بالمئات من المهاجرين لعبور البحر في طريقها إلى أوروبا، عبر تلك الجزيرة وغيرها من الجزر الأخرى. جزيرة «أوستيكا» المنفى الاستعماري القسري للمجاهدين الليبيين في بدايات القرن الماضي تصير في الألفية الثالثة حلماً لمهاجرين تجشموا عناء قطع الصحراء الكبرى، ليصلوا الساحل الليبي، آملين أن يصلوها أو يغرقوا ويموتون وهم يحاولون ذلك. وهي مفارقة. هذه ملاحظة أولى.
والملاحظة الثانية، أن السنوسي يهيئ قارئه تدريجياً لأحداث الرواية، وتطوراتها، من خلال مجموعة من المساجين الليبيين الذين حكمتهم محاكم عسكرية إيطالية، وأرسلت بهم إلى جزيرة أوستيكا، ليقضوا عقوباتهم، أو ليموتوا في سجن تلك الجزيرة، الصخرية، المخصص لعتاة المجرمين. ومقابل تلك الأجواء القابضة في السجن، وسوء أحوال السجناء الغرباء، يحرص السنوسي، بمهارة وحنكة، على خلق أجواء إنسانية عامرة بخفق القلوب والمشاعر. التقابل، هنا، سيكون بين ما يخلقه الجبل، والبحر، والسجن، وغلظة السجانين، واغتراب الهوية واللغة، وبين الحب والألفة الإنسانيين. وكأنه يتعمد خلق توازن روحي، وعاطفي، وإنساني، ومن تم صراع الاثنين، وكأن صالح يعيدنا، بشكل غير مباشر، لمتلازمة ثنائية صراع الخير والشر.
صغر حجم الرواية جعلني أقرأها في جلسة واحدة، لكن صغر، أو كبر الحجم، ليس معياراً للحكم على جودة الرواية أو العكس. ما يجعل القارئ مشدوداً إلى العمل الروائي لا يكمن في الحجم، بل في قدرة الروائي على الإقناع المنطقي في بناء هيكلة الرواية، وشخصياتها، وأحداثها، ومهارته في سردها بأسلوب لغوي محكم، وبأسلوب مقنع وممتع جمالياً.
ويكمن القول إن عنوان الرواية خادع. ذلك أن الحب، وليس السجن، تيمة الرواية الحيَّة والقوية. الحب بين الشاب سالم البراني المدرس القادم من مدينة درنة، بشرق ليبيا، والفتاة الإيطالية «لورينزا» ابنة الجزيرة، العاملة في مخازن السجن الزراعية. وتطور تلك العلاقة، سرياً، في ظروف صعبة، رغماً عن أعين الحراس، ورقابتهم الدائمة، وغلظتهم.
هناك، أيضاً، جانب آخر مهم، أو خط آخر لذلك الحب، غير العذري، بين سالم ولورينزا، ومواز له. ونقصد بذلك العلاقة بين السجناء الليبيين، والسجناء السياسيين الإيطاليين، من اليسار الاشتراكي الإيطالي، الرافضين للاستعمار عموماً، ولاستعمار ليبيا من طرف بلادهم إيطاليا بشكل خاص. صالح السنوسي، بعمق ووعي، يميل متكئاً على ذلك الجانب الخفي من تلك الفترة التاريخية، حيث بالنسبة للفاشيست الاستعماريين، الليبيون رعاع، لا يستحقون إلا القتل والسحق. ومن جهة أخرى، بالنسبة لليبيين، فإن الإيطاليين أنجاس كفار ملاعين. صالح السنوسي يخرج من هذه النمطية ليفتح أمام مداركنا ما كان مخفيّاً، بتعمد. وهو أن الفاشية ليست فقط عدو الليبيين، بل الإيطاليين أنفسهم. هناك، في تلك الجزيرة النائية، الصخرية، يولد التآلف، والاحترام، والزمالة، والتوادد بين السجناء، رغماً عن اختلاف هوياتهم، ولغاتهم، لكنهم متفقون على معاداة الاستعمار، ومناوأة الفاشية، وكارهون لفظاظة الحراس التي لا تفرق بينهم، ولا إنسانية الظروف المحيطة بهم، خارج زنازين السجن، وداخلها، التي تتآمر عليهم، وتأكل أعمارهم، وأبدانهم.
هذا الكون الصغير من البشر المنفيين، السجناء، ومشاعرهم، وأحلامهم، يمتد عبر صفحات الرواية وسطورها، وبإيقاع يبدأه السنوسي ببطء متعمد، لخلق إحساس لدى القارئ مقابل لبطء الإيقاع الحياتي اليومي، في تلك البقعة، سيئة الصيت، من العالم. لكن ذلك البطء يبدأ في التسارع مع تسارع نبضات قلوبنا، وهي تتابع مشدودة نمو علاقة الحب بين سالم ولورينزا، وتطور أحداثها، ثم حين نصل النهاية، تحسّ قلوبنا بالإجهاد، من شدة تسارع دقاتها، وهي تتابع هروب المحبين، وتتمنى نجاحهما، وتحسّ أرواحنا بإحباط النهاية، من مرارة ما ذاقت من هزيمة، على بعد أمتار قليلة من انتصار الحب بتحقيق الحرية.
لكن الهزيمة ليست نهائية، لأن موت سالم مقتولاً برصاص قناص فاشٍ، وهو يحاول الهرب لا يعني نهايته، أو نهاية حلمه - أحلامنا، واستمراريتها. نجاة لورينزا من الموت، ونجاة ما أودعه حبيبها سالم في رحمها من بذور الحياة، سوف ينمو في أحشائها، ويخرج إلى الوجود، مواصلاً رسالة وحلم والده، في الكفاح من أجل حياة أفضل، في عالم، حتماً قادم، تنتفي فيه الفواصل والحواجز بين البشر، أينما كانوا.
المملكة المتحدة كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة