حسين عبد الجواد... صائد أحلام على طريقة نجيب محفوظ

حسين عبد الجواد... صائد أحلام على طريقة نجيب محفوظ

أحب صاحب «نوبل» وتماهى مع طريقته في الحكي
الأحد - 6 شوال 1440 هـ - 09 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14803]
حسين عبد الجواد
القاهرة: حمدي عابدين
حسين عبد الجواد هو واحد من جيل المبدعين المصريين الذين تأثروا كثيراً بصاحب «نوبل»، نجيب محفوظ، وممن ارتبطوا بندواته ولقاءاته على مدى سنوات طويلة، منذ عام 1988 حتى 2006، لدرجة أنه سعى لكتابة أحلامه أسوة بأحلام الأستاذ، كما يسميه دائماً. بدأ عبد الجواد بكتابة السيناريو، ثم تحول عام 1988 إلى كتابة الروايات والقصص القصيرة، منها مجموعة «من دفتر الأحلام» عام 2007، و«دفتر من الأحلام» عام 2016، ونشر أول أعماله الروائية عام 2008، وهي «وصمة الخصام»، ثم «سفينة الحمقى» عام 2010، و«أحلام تحت الحراسة» عام 2013، و«علمته الرماية» التي صدرت في 2016، ثم روايته الأخيرة الصادرة حديثاً «جراح وكاتب أغاني». هنا حوار معه حول إبداعاته وعلاقته بمحفوظ وتأثره به:
> كيف بدأت في كتابة قصص الأحلام، وهل لذلك علاقة باتجاه نجيب محفوظ لكتابة أحلامه؟
- في عام 1999، كان «الأستاذ» لديه نحو 6 أحلام من المجموعة التي صدرت بعد ذلك بعنوان «أحلام فترة النقاهة». كنا نقرأ القصص التي تنشر في مجلة «نصف الدنيا»، وحين نلتقي به، سواء يوم الأحد في فندق شيبرد أو يوم الأربعاء في سوفياتيل المعادي، كنا نناقش معه هذه القصص، وقد لفت نظرنا لأشياء مهمة جداً، هي أن الحلم ربما يكون فيه أكثر من مشهد وشخصية، وقال إنه يأخذ منه ما يطلق عليه بذرة، يقوم بتنميتها لتكون قصة قصيرة في صورة حلم، استهوتني جداً هذه الفكرة، وقررت أن أسجل أحلامي، وأبدع منها قصصاً أيضاً.
الأستاذ في تلك الفترة كان راغباً في كتابة قصص قصيرة جداً، وكان يقول لنا إنه يطمح لكتابة قصص لا تزيد عن أربعة أو خمسه أسطر، لكن في قصص أحلامه الأولى لم ينجح في ذلك، وجاء بعضها في صفحة، وزادت في أخرى سطوراً قليلة.
أما بالنسبة لي أنا، ككاتب يحب القصة القصيرة، فوجدت أنه لا يوجد لديّ حافز لأن أكتب القصص القصيرة جداً، وبدأت أكتب قصصي دون تقيد بشرط التكثيف هذا، كان ما يهمني هو أن تأتي في صفحة أو أكتر، ويكون فيها جو الحلم الذي أسعى لإشاعته في أجوائها.
> لكن ماذا كانت الحصيلة في النهاية؟
- كتبت كمية كبيرة من القصص كانت متكاملة الأركان، ومن حسن الحظ أن الأستاذ كان يحب الاستماع. كنت أقرأ له قصصي التي أبدعها من أحلامي، واستمررت في كتابة قصص الأحلام على هذا النحو حتى وفاته عام 2006. توقفت بعض الوقت بعد ما أصابتني وفاته باكتئاب جسيم، فقد كان يمثل بالنسبة لي المتنفس الذي يجعلني أعمل وأكتب. كنت أكتب القصص، وأظل أنتظر موعد لقاءاته حتى أسمعه ما تجهزت به، لأعرف رأيه، لم يتوقف الأمر بالنسبة لي عند حدود قراءة قصصي على أسماعه، لكنني كنت أيضاً ألخص الكتب التي تعجبني، وحين يأتي دوري في الحديث أعرض عليه أفكارها الرئيسية.
كنا نتسابق في عرض ما نراه مهما حتى نعوضه عن عدم قدرته على القراءة، وقد أثرت محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1995 أيضاً على كفاءته في الكتابة والإمساك بالقلم، وقد حاول العودة، وقام بعمل تدريبات لاستعادة القلم مرة أخرى، لكن ظل خطه ضعيفاً، وكان يعوضه عن ذلك سكرتيره صبري السيد الذي استعاره من الأديب ثروت أباظة حتى يساعده في كتابة الأحلام بشكل واضح تسهل قراءته.
> هل هناك شيء أبعد جذبك لكتابة قصص الأحلام؟
- كتبتها في البداية بدافع من تقليد نجيب محفوظ، لكني اكتشفت بعد فترة أنها شكل من الكتابة جميل جداً، يتيح إبداع قصة قصيرة فيها نوع من السيريالية والفانتازيا، لأن الكاتب يتماهى مع الحلم، بنقلاته السريعة ومواقفه غير المنطقية التي تشبه المجهول، وكل هذا يخدم فكرة القصة القصيرة؛ ظللت أكتب من 2008 حتى 2011، وأصدرت مجموعتين: الأولى كانت «من دفتر الأحلام»، والثانية بعنوان «دفتر من الأحلام»، وما زال لديّ بقية من هذه القصص لم تنشر بعد.
> لكن ما الذي دفعك لكتابة قصصك الأخيرة القصيرة جداً؟
- منذ عام ونصف تقريباً، ترامى إلى ذهني مقولة مفادها أن القصة القصيرة جداً لا يجب أن تزيد على مائة كلمة، والأفضل أن تكون أقل، مكثفة وتلغرافية، وتختزن شحنة من الدلالات في أقل عدد من السطور، راقتني الفكرة، وبدأت في الكتابة فعلاً مستعيناً بالقصص التي كنت أستمدها من الأحلام. كنت عندما أستيقظ من نومي، بعد تناول إفطاري، أجلس لكتابة حلمي كما هو، بكل ما فيه من أحداث. وبعد ذلك، أقوم بعمل عملية تفكيك من أجل البحث عن المعاني الكامنة فيه، ثم أتركه بعد ذلك. وبعد فترة، أعود لما لديّ من أحلام، وأبدأ في كتابة قصص منها، كان هذا من نحو عام ونصف، وفي بعض الأحيان كانت القصص تأتي طويلة بعض الشيء، وقتها كنت أعمل عليها، وأختصر منها ما أراه غير مفيد، حتى أحصل على قصة قصيرة جداً، وقد وجدت نفسي أفعل ما كان يطمح له الأستاذ نجيب، وكانت النتيجة أنني انتهيت من تجهيز مجموعة قصصية أستعد حالياً لدفعها للنشر.
> كيف ترى الكتابة القصصية القصيرة جداً بعد تجربتك الكبيرة فيها؟
- هي شكل جديد في الكتابة، وغير مطروق، أتذكر أن إحدى المجلات الأدبية قامت بنشر قصص قصيرة جداً لبعض الكتاب العالميين، ونشروا وقتها في ذلك الملف نحو 47 قصة لكتاب عالميين، بعضهم حاصل على «نوبل»، مثل ماركيز، وبعضهم مشهور جداً، مثل بورخيس؛ وجدت وقتها أن القصص الجميلة التي أعجبتني لم تزد عن سبع أو ثماني قصص، كما لاحظت بعدها أن أحداً منهم لم يفرد كتاباً يتضمن قصصاً قصيرة جداً، فقد كانت كتابتها بالنسبة لهم خاضعة لنوع من الفانتازيا، وتم نشرها في صحيفة أو مجلة، وانتهى الأمر.
> أظن أن هذه الاستراتيجية القائمة على كتابة الشخصي والخاص ممتدة لديك أيضاً في رواية «جراح وكاتب أغاني».
- طبعاً... هذه الرواية قائمة على شخصيتين: الكاتب والجراح. وقد سعيت وأنا أشتغل عليها إلى أن أضمن أحداثها الأحلام التي أراها، فقد كانت تنعكس فيها القضايا التي كنت مشغولاً بها وأنا أنسج الأحداث، وأرسم مسار شخصيتين متنافرتين، رغم أنهما أصدقاء، فالجراح عنده طموح أن يصير روائياً، ويكتب كثيراً ويحصل على جوائز، لكن الكاتب يراه متأرجحاً بين الاثنين، فلا هو صار أديباً ولا جراحاً، أما هو فيرى الكاتب غريب الأطوار مضطرب الأحوال، لذا ظلت الشخصيتان كل واحدة منها على نقيض الأخرى.
> ما الذي كنت تسعى إليه وأنت تستحضر القارئ بين آن وآخر وتجعله شاهداً على ما يدور من أحداث؟
- هناك رواية للكاتب البرازيلي ماشادو دي أسيس، عنوانها «دون كازمورو»، أحبها كثيراً، وهذه الرواية تأثرت بها جداً، والكاتب فيها يخرج من الأحداث، ويكلم القارئ ليحيله إلى أحداث في صفحات متقدمة في العمل نفسه، الجاحظ أيضاً قام بذلك في كتابه البخلاء، أعجبني جداً هذا الأسلوب، وقد كنت أسعى لتوريط القارئ في الأحداث، وجعله طرفاً فيها، وقد فكرت أن أكتب رواية تعتمد هذا التكنيك بشكل جذري، وأنا بالفعل بدأت في الكتابة، لكني لم أنتهِ بعد.
> وسط كل هذه الأجواء... ما الذي دفعك إلى اعتماد تعدد الأصوات في رواية «علمته الرماية» وأنت ترسم الأحداث؟
- هناك أربع شخصيات، كل واحد يتحدث بلسانه عن الأحداث التي رآها، ويكون الآخرين طرفاً فيها، إلى جانب أفراد آخرين مخفيين يظهرون في أثناء السرد، حين تأتي سيرتهم على لسان واحد من الأربعة، وهذا الأسلوب مرهق جداً في الكتابة، ولا بد للمبدع أن يكون قادراً على إدارة الحدث، والتحكم في مسارات شخصياته، حتى يؤدي إلى حالة من الثراء في العمل، نابعة من كون كل شخصية تتمتع بصوت ونظرة وتقدير مختلف لما تراه. هذا لم أكن في حاجة إليه في «جراح وكاتب أغاني»، فقد لجأت فيها وأنا أسرد الأحداث لمذكرات الكاتب التي وجدها الجراح، وراح يقرأها ويعلق عليها بين آن وآخر وهو في انتظار استيقاظ مضيفة الذي تركه مع كتاباته ليطالعها، وذهب يأخذ قسطاً من النوم.
مصر أخبار مصر Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة