سنوات السينما: Le Chat

سنوات السينما: Le Chat

الجمعة - 4 شوال 1440 هـ - 07 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14801]
سيمون سينوريه في «القطة»
Le Chat (1971)
مدام ومسيو بُوان والقطة
«القطّـة» ‪ رواية مبكرة من روايات الكاتب البوليسي جورج سيمنون، صاحب شخصية المفتش ميغريه. لكن ميغريه ليس في هذه الرواية التي ترجمت للإنجليزية بعد عام من هذا الاقتباس السينمائي.
في مطلع الفيلم هناك الضوء الأحمر المنبعث من سيارة طوارئ. إنها سيارة إسعاف لا نراها، بل ندرك ذلك بعد مشاهد قليلة حين يتم نقل شخص ما لا نراه إلى المستشفى. ينتقل المخرج بيير غرانييه - ديفَر إلى كليمانس بُوان (سيمون سينوريه) وبها يبدأ بسرد أحداث قريبة سبقت وصول سيارة الإسعاف (تركيبة رأيناها لاحقاً في فيلم «حب» لميشيل هنيكه، 2012). نرى كليمانس تخرج من محل. يوّدعها صوت يقول: «مع السلامة سيدة بُوان». ما أن تخرج حتى يدخل جوليان (جان غابان) والصوت نفسه يقول: «صباح الخير مسيو بوان»!
كليمانس وجوليان زوجان تجاوزا منتصف سنوات الحياة لا يتحدّثان مع بعضهما بعضاً، لكنهما يعيشان تحت سقف واحد. نلمّ شيئاً عن ماضيهما باستعادات قصيرة تكشف، مثلاً، عن سبب عرج الزوجة (كانت لاعبة سيرك وسقطت أثناء استعراض لها). يحضّر كل منهما غداءه منفصلاً. قبل خروجه يكتب جوليان لزوجته كلمتي Le Chat («القطة») ويرميها على حضنها. في نهاية الفيلم سنعلم أنه كتب لها الرسالة ذاتها واحتفظت بها جميعاً.
في فلاشباك طويل نفهم المزيد: كليمانس تشكو من أن زوجها يحب قطّـته أكثر منها. في أحد الأيام تركت القطة في السوبرماركت لعلها تضيع (فلتت القطة على الأسماك المعروضة للبيع). حين يفتقد جوليان القطة يخرج باحثاً عنها ويعود بها، في اليوم التالي يعطي جوليان زوجته مسدساً لكي تنتحر، لكنها تنتظر خروجه وتقتل القطة. وعد مسيو بوان نفسه وزوجته بألا يكلّمها بعد اليوم. في إحدى الليالي، يخرج ليمشي في الجوار بعدما رمى لها ورقة معتادة. عند تلك اللحظة تُصاب بعارض قلبي. جوليان يدرك أن شيئاً حدث. يعود للبيت ويرى زوجته تحتضر. يمسك رأسها بحنان وينادي اسمها. هناك لقطة لوجهها قبل لحظات من وفاتها تعلمنا أنها سمعته قبل أن تلفظ النفس الأخير. بهدوئه المعتاد، يدخل الحمام. يملأ كفّـه بحبوب صفراء ويبتلعها مع الماء ثم يجلس على الكنبة قرب جثّـة زوجته و... يموت.
«القطّـة» مفاجئ في مستواه حتى لمن تابع عدداً من أفلام غرانييه - ديفَر السابقة. إنه درس سينمائي في أوجه كثيرة، أهمّـها كيفية بناء فيلم قوي في مشاعره وإيحاءاته من دون كثير من حوار أو أحداث. السيناريو الذكي والإخراج المحكم واللقطات المختارة، زوايا وأحجاماً، بعناية فائقة. المعاني تتدفّق من دون سعي إضافي. والمخرج يقدّم الحكاية من دون مع وضد. الكلام حول هذا الفيلم لا يكتمل من دون ذكر الأداء الرائع لجان غابان وسيمون سينوريه. ما يستطيع كل منهما (خصوصاً غابان) تجسيده صمتاً عبر النظرات وأقل قدر من الحركات. أداؤهما جزء من الكيان المصمم بعناية بفضل سيناريو وضعه المخرج، بالإضافة إلى باسكال جاردان. التصوير بالألوان غير الدامغة من وولتر فوتتز والتقطيع غير المستعجل والمحافظ على وحدة الأسلوب بثبات من نينو بارالي وجان رافل. كل واحد من هؤلاء المذكورين له باعه الفني في فترة مليئة بالكنوز وهذا الفيلم أحدها.
غرانييه - ديفَر نقل الكثير من الروايات إلى الشاشة ومن بينها عدد من روايات الكاتب جورج سيمنون (من بينها على سبيل المثال «نجمة الشمال» مع سيمون سينيوريه وفيليب نواريه في البطولة. أسلوبه لم يكن قائماً على التشويق حتى في أفلامه التي دارت حول الجريمة أو ضمنت حبكة بوليسية. لكن ذلك لم يمنع من تجاوز الكثير من أعماله أهمية الشروط التقليدية في هذا النوع من الأفلام، وبالتالي إنجاز أعمال رائعة. هذا الفيلم عن القطة والزوجين بُوان أحدها.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة