السودان.. مبادرات في «الوقت الضائع»

{الإنقاذ} تريد إعادة صياغة نفسها بالتخلص من الحرس القديم.. وإلغاء سياسات «التمكين» وإعلان إصلاحات شاملة

السودان.. مبادرات في «الوقت الضائع»
TT

السودان.. مبادرات في «الوقت الضائع»

السودان.. مبادرات في «الوقت الضائع»

تأخر «الربيع السوداني» كثيراً، رغم رياح التغيير العنيفة التي تهب على هذا البلد منذ أكثر من عقدين، وتأخرت «الثورة الشعبية الثالثة» التي يحلم بها السودانيين منذ وقت طويل كثيراً.
حين ثارت شعوب «الربيع العربي»، وتونس تحديداً، وهي جغرافياً قريبة من السودان، ظن الكثيرون أن الربيع التالي سيحل في البلد الذي خبر الثورات الشعبية، وغير نظامين عسكريين دكتاتوريين بثورة شعبية خلال نصف القرن الماضي، وأن نسماته اللطيفة ستظلل الخرطوم ذات صباح، على الرغم من مناخها المتطرف الذي لا يعرف ربيعاً.
بأثر من زخم الربيع العربي، تحرك ناشطون أكثر من مرة خلال العامين الماضيين، ونظموا احتجاجات شعبية آخرها احتجاجات سبتمبر (ايلول) الماضي، التي زلزلت حكم الرئيس البشير، وكادت تطيحه لو لا العنف المفرط الذي واجهت به السلطات المتظاهرين، وأدى لمقتل ثمانين مدنياً باعتراف السلطات، وأكثر من مائتين حسب منظمات حقوقية وناشطين.
ومنذ ذاك الوقت ظلت «الأوضاع هادئة» على الرغم من أوراق النظام الحاكم بدأت تصفر وتذبل وتسقط تدريجياً منذ وقت طويل، دون أن يتبرعم «نوار الربيع» محل الأوراق الساقطة بالطريقة المعهودة، رغم نسمات الفصل البديع.
ورداً على فشل «عشاق ربيع الثورات»، فإن نظام الحكم والرئيس البشير شخصياً قال مباشرة «السودان يعيش ربيعه منذ يونيو 1989»، وهي السنة التي جاء فيها الإسلاميون للحكم بالإنقلاب الذي يحكم منذ ذلك التاريخ، وهو قول أغاظ كثير من المعارضين والناشطين، لكن المحصلة أن «الثورة السودانية» ما زالت كامنة لم تتفتح بعد.
وقد يحمل هذا القول ما يحمل، لكنه تعبير عن استهانة أهل الحكم بقدرة الجماهير على التغيير، وربما يهدف لإصابتها باليأس، وضرب مكامن التفاؤل بتغيير قريب على طريقة اكتوبر 1964م، وأبريل 1985م.
لم يشجع بعض المعارضون التغيير على طريقة الثورة الشعبية، وأبرزهم زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، فهو يرى أن التغيير بتلك الطريقة ربما يؤدي لـ»إنهيار الدولة»، سيما وأن المعارضة المسلحة ظلت على الدوام تهدد بدخول الخرطوم وإسقاط النظام بالقوة، وهو ما تخشاه شرائح من الإنتلجنسيا «الإسلاموعروبية».
المهدي، وآخرين انشقوا من عظم النظام نفسه، يعتقدون أن الأسلم للسودان أن يتم فيه التغيير «تدريجياً»، وأن تتبرع أوراق ربيعه ورقة إثر أخرى حتى يكتمل الإزهار، وظلوا على الدوام يحذرون من «النموذج السوري».

* التمكين وبراعم التغيير

على الرغم من الخلاف حولها، بل وعدم تصديقها، فإن محللين كثر يرون في تصريحات الرئيس بـ»إلغاء سياسات التمكين» في الخدمة التي أعلن عنها نهاية العام الماضي، بداية لنمو «براعم التغيير». قال الرئيس عمر البشير في محفل عمالي بالخرطوم قبل يومين من نهاية العام الفائت، إن حزبه يعكف على برنامج إصلاح شامل لإصلاح الخدمة المدنية «وإعادتها لسيرتها الأولى».
وأكد البشير العمل على تمكين الخدمة المدنية لتؤدي واجبها بإستقلالية وحيدة، واعتبار الكفاءة والتنافس الحر لكل السودانيين، المعيار الذي سيتبع في الإختيار للخدمة العامة، وقال: «سنعمل على إبعاد الخدمة المدنية من التسييس والتمكين وأية شعارات أخرى، وسنفتح الباب للترقي في الخدمة على حسب الكفاءة والقدرة والعطاء».
«براعم التغيير» التي رآها البعض بعيد قرارات إلغاء التمكين، ليست الوحيدة ولا الأخيرة، فقد سبقتها قرارات «كبيرة» تمثلت في إطاحة «رموز نظام الحكم» القديمة دفعة واحدة، وأبرز الرموز المطاح بها النائب الأول للبشير علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، ووزير النفط عوض الجاز وآخرين.
لم يطح البشير برجال الصف الأول من الإسلاميين فقط، بل أتى ببدلاء لهم، من «الصف الثالث»، والصف الثالث هم الشباب الذين اكتملوا والإنقاذ حاكمة، ما يعني أنهم ليسوا رجال «تنظيم الإسلاميين السودانيين»، ولم يتربوا داخله، بل هم رجال الرئيس البشير الذي تربوا في نعيم السلطة حتى حلّوا في المواقع الأولى بالدولة.
سيرة هذه النفر من رجال الحكم وتربيتهم السياسية ارتبطت بالحكم، وبالتالي حال حدوث أية اهتزازات أو تململ من «الحرس القديم» فإن موقفهم سيكون إلى جانب «السلطة والثروة»، رغم أن سلفهم الأول نفسه اختار في أول تصدعات الإسلاميين 1999م الوقوف إلى جانب الرئيس البشير، وتخلوا عن باني حركة الإسلاميين السودانيين د. حسن الترابي، وهو موقف اختار ذهب المعز على سيفه.

* أوراق جديدة

* الأحد الفائت، ألحق الحزب الحاكم حزمة جديدة من التغييرات بالحزمة القديمة، ذهب بموجبها من يمكن أن ينصفوا بقيادات «الصف الثاني» في الحزب، وجاءت قيادات من «الصف الثالث»، تتناسب عمرياً وولاءً من قيادات الجهاز التنفيذي، وهكذا بدل الحزب الحاكم قياداته القديمة بأخرى جديدة مع وجود رمزي للقيادات القديمة، وحتى هذا «الرمز» يشهد له بأنه موال للسلطة وللرئيس البشير أكثر من ولائه لأيدولوجا «الإسلام السياسي».
وحسبما نقلت صحف الخرطوم الصادرة الإثنين سيتبع الرئيس البشير بإجراءاته القديمة إجراءات جديدة، تذهب في ذات الطريق، وسيعلن عن «مبادرة شاملة» لإصلاح الحزب والدولة، تشمل تعديلات دستورية مهمة خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة التي تثير جدلاً بين الحكم ومعارضية، ويتوقع ترتيب لقاءات بين الحكم ومعارضيه، تسوق الأشياء باتجاه «الربيع على الطريقة السودانية».
لعل ابتداع الإسلاميين السودانيين لمصطلح «التمكين، ويعني عملياً «طرد غير الموالين للحكم، وتمكين أنصاره بدلاً عنه في الوظيفة العامة»، هو القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الحكم، وملايين السودانيين الذين تشردوا بفعل تلك السياسات، وتفرقوا في أصقاع متعددة من المنافي والمهاجر والمغتربات.

* قطع الأرزاق

* بعد استلامهم للسلطة عام 1989م، سيطر الإسلاميين على الخدمة المدنية، وإبعدوا منها كل من يشتبه بعدم ولائه للنظام الجديد، وإجلسوا مكانه «إسلاميين»، بغض النظر عن مؤهلاتهم أو كفاءتهم أو خبراتهم.
وضرب النظام الجديد وقتها عصفورين بحجر: أبعد كل من يمكن أن يشارك في «إضراب وعصيان» ضده، وفي ذات الوقت سيطر على أجهزة الدولة، و»مكّن» مؤيديه من احتلالها.
ولم يكتف عرّابي الحكم من الإسلاميين وقتها، بتفريغ الخدمة من كافة كوادرها، بتلك القرارات السياسية التي وصفت وقتها بـ»المتعسفة»، بل انتجوا فقهاً برروا به تصفية جهاز الدولة، وأطلقوا عليه «فقه التمكين»، مستندين على فهم خاص بهم للآية الكريمة: «الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر»، فصارت مفردة «التمكين» من المفردات «الكريهة» كثيفة التداول.
واشتغل عليها الخيال الشعبي على تلك المفردة، وأنتج مصطلحات مشتقة، وأدوات تشير إلى «المتمكنين من أهل النظام»، مثل: «حقيبة تمكنّا، لحية التمكين، ولحية دعوني أعيش، وغرة الصلاة الصناعية»، واشتعلت الطرائف المريرة الساخرة من الموظفين الجدد، ومن شروط التوظيف.

ميلودراما

وعاش رجال خدمة مدنية معتقون حالة من «الميلودراما» الضاجة بالمفارقات، وتجسدها، قصة شاب يدعى «م. ض» عاد من إجازة الزوجية وشهر العسل ليجد «أمر الإحالة للتقاعد للصالح العالم» في انتظاره، وحين سلم «المظروف» ظنه أول الأمر «هدية الزواج من مؤسسته، وحين فتحه وجد نفسه بلا عمل. عاد الشاب مصدوماً إلى بيته، وأخبر زوجته بالخبر الفاجع بإحالته للتقاعد «المعاش»، فاستقبلت الأمر بدعابة: «وا فضيحتي.. أنا شابة تزوجت رجلاً في المعاش، كيف أقول لزميلاتي زوجي بالمعاش»..؟!
«الملودراما» التي عاشتها هذه الأسرة الشابة لمجرد أن الزوج ليس إسلامياً، جسدت حال عشرات الآلاف، إن لم يكونوا مئات الآلاف، من الذين فقدوا وظائفهم على أيام الإنقاذ الإسلامية الأولى، بينهم رجال خدمة مدنية، ضباط وعسكريين في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن ومهنيين، ولم يستثن من ذلك حتى موظفي القطاع الخاص.
وانعكس ضعف خبرات وكفاءة القادمين الجدد سلباً على الخدمة المدنية السودانية، التي كانت تعرف بتميزها ودقتها وانضباطها، ليس محلياً بل على مستوى الإقليم، بعد صارت «اللحية وغرة الصلاة» هي المؤهلات التي تقدم للحصول على أية وظيفة مهما علا شأنها، وفي هذا يحتفظ الخيال الشعبي بطرائف أضافية، تقول إحداها وأكثرها بلاغة أن لجنة الإختيار للخدمة العامة سألت أحد الإسلاميين عن عدد شهداء الجزائر فأجاب أنهم «مليون شهيد» فحصل على الوظيفة، فيما طلبت اللجنة من متقدم «غير إسلامي» تقديم كشف بأسماء هؤلاء الشهداء..!
بيد أن تطور الأوضاع، وتدهور جهاز الخدمة المدنية الذي تسببت به تلك الإجراءات، جعل الحكومة تطلق وعوداً بإعادة من فصلتهم للصالح العام، لكنها لم تفعل رقم أنف «لجنة رفع المظالم والحسبة العامة» التي شكلتها لمعالجة الأمر.

* وعود مجهضة

* على الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمان على إعمال قانون «الصالح العام»، وسياسات التمكين، والوعود الكثيرة المجهضة برفع المظالم، فإن تصريحات الرئيس البشير تلك، مقرونة بقراراته التي أطاحت بكبار رجال الحكم من الإسلامين أخيراً، فإن النظر إلى «إلغاء التمكين والتسييس» في الخدمة العامة، يأخذ ضمن هذا السياق شكلاً مختلفاً.
بيد أن عضو اللجنة العليا للمفصولين للصالح العام كمال حسين، لم يتفاءل بجدية الحكومة في تصحيح أوضاع الخدمة العامة، وقال لـ»الشرق الأوسط»: «هذا الكلام قيل أكثر من مرة وليس جديداً»، وأضاف: «التشريد لم ولن يقف، وطالما يسير النظام على سياسات الخصخصة، فإن مزيداً من التشريد للعاملين هو المتوقع، والدولة لا تملك القدرة الإقتصادية، لإعادة المفصولين، ولا تملك في ذات الوقت القدرة على إبعاد من حلوا محلهم».
وأضاف حسين إن سياسات الصالح العام والتمكين أدت لتشريد قرابة الثلاثمائة ألف عامل وموظف، بينهم أكثر من 36 ألف من العسكريين بين ضباط وضباط صف، وخربت الخدمة المدنية، ما يجعل من إصلاحها ضمن الظروف الإقتصادية الحالية شبه مستحيل.
فيما وصف مصدر ـ طلب إبقاء إسمه سراً ـ إلغاء التمكين وتسييس الخدمة المدنية الذي وعد به الرئيس البشير أمس، بأنه امتداد لعملية إخراج الإسلاميين من الحكم والتي بدأت من رأس الهرم نزولاً إلى القيادات الوسيطة.
وأضاف إن القرارات المزمعة، مقروءة مع إكثار الحديث عن محاربة الفساد، وإطلاق يد الصحافة المحلية جزئياً، في تناول قضاياه، مؤشرات إلى أن وراء الأكمة ما وراءها.
وأوضح المصدر، أن الخيارات ليست كثيرة أمام الرئيس البشير، فإما أن يذهب باتجاه الإصلاح الفعلي لا الشكلي، وإما أن ينهار إقتصاد البلاد على رؤوس الجميع، متوقعاً التضحية برؤوس كبيرة من رموز الماضي في قضايا فساد.
وفيما يلي الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني»، فقد أقر بوقوع «تجاوزات ومظالم» في الخدمة المدنية، تسببت فيها ما أسماه «الشلليات، ونظرية شيلني وأشيلك»، وأعلن تكوين لجنة لوضع معايير التعيين للخدمة العامة، وقال نائب رئيس الحزب إبراهيم غندور في تصريحات، إن حزبه يريد معاييراً للعمل العام تتجاوز «الإستلطاف والشلة و شيلني وأشيلك»، ووعد بإعمال مبدأ المحاسبة داخل الحزب، وإنفاذ معايير العدالة في الخدمة المدنية، ومبدأ الشفافية، مقراً بأن معظم المؤسسات يقودها شخص واحد «إذا صلح صلحت».

* تمكين جديد

* ورأت رئيسة حركة القوى الجديدة «حق» المعارضة هالة عبدالحليم في حديثها لـ»الشرق الأوسط»، أن تصريحات الرئيس البشير بإلغاء «التمكين وتسييس الخدمة المدنية» لا يمكن فهمها إلاّ ضمن الصراع الذي يدور في داخل النظام نفسه.
وقالت: «الحكومة الجديدة التي كونها الرئيس أكثر ضعفاً من سابقاتها، وبالتالي لا تستطيع تنفيذ مثل هذا القرار»، وأضافت: «هذا الحديث موجه لمن كانوا معه، ومن التجربة فإن ما تقوله الإنقاذ لا يمكن تصديقه، إلاّ على الطريقة الجديدة وهي إلغاء تمكين الحركة الإسلامية، للتمكين للقادمين الجدد».
وأوضحت عبد الحليم أن نظام حكم الرئيس البشير لا يستطيع القيام بأي تغيير لصالح الشعب، وأن أية تغيير جدي في سياسات النظام ستطيح بهم، وأن ما هو ممكن الحدوث هو مجرد «تغيير لسياسات التمكين، للقول للإسلاميين إن عهد تمكينهم انتهى».

* خالية من دسم الإسلاميين

* ويربط المحلل السياسي والكاتب خالد التجاني بين السياق الذي أصدر فيه الرئيس البشير قراراته بإلغاء التمكين، وبين ما سماه التغييرات الكبيرة التي حدثت بذهاب الرموز الإسلامية الكبيرة من الحكم.
ويصف التجاني تلك القرارات بأنها انتقال من النسخة القديمة للإنقاذ لنسخة جديدة «خالية من دسم الإسلاميين»، بعد خروج – أو إخراج - الرموز التاريخية للإسلاميين السودانيين، ويعتبرها عودة للإنقاذ الأولى التي بدأت عسكرية، وكان الإسلاميين وقتها قد قدموها باعبارها نظاماً عسكرياً، لتعود عسكرية من جديد.
ويضيف التجاني أن النظام احتفظ بطبيعته العسكرية على الرغم من وجود رموز الإسلاميين ضمنه، لكن بعد تخلصه من هذه الرموز فإن تلك القرارات تحمل رسالة فحواها الإعتراف بأخطاء المرحلة السابقة، وتحميل الرموز الإسلامية مسؤولية تلك الأخطاء.
ويضيف: «كأنه يحمّل من أخرجوا من السلطة مسؤولية الأخطاء الفظيعة التي وقعت فيها الإنقاذ في المرحلة السابقة، هذه رسالة واضحة بأن من خرجوا من السلطة كانوا يقفون في وجه الإصلاح القادم».
ويعتبر التجاني تلك القرارات تمهيداً لعودة الإنقاذ لسيرتها الأول، سلطة عسكرية، تحاول الإستفادة من الإنتماء للمؤسسة العسكرية وتوظيف الصبغة القومية التي ترمز إليها.
وعلى الرغم من إختلاف المذاهب التي ينظر من خلالها المحللون، لما أحدثته سياسات التمكين وتسييس الخدمة العامة، طوال قرابة ربع قرن من الزمان، تحول خلالها جهاز الدولة لأداة حزبية بيد فئة قليلة استأثرت بكل شئ، فقد جرت «مياه كثيرة جرت تحت الجسر» الذي عملت عوامل التعرية الكثيرة بمعاولها فيها، بما يهدد بـ»إنهياره الوشيك».

* اعتراف متأخر

* حتما سيكون الشاب «م. ض» الذي قطع رزقة بتلك الطريقة، قد بلغ سن التقاعد «المعاش» فعلاً، بل وربما يكون قد رزق من الزوجة التي سخرت من «إحالته للتقاعد في تلك السن ظلماً وفظاظة»، ببنت أو ولد زوجة، وربما تزوج أحدهما أو كلاهما أحدهما، وأصبح جدّاً يحاول تجنيب أحفاده ما واجهه في بداية الطريق».
كيف يتم تعويضه عن تلك الخسائر الكبيرة، والمعاناة الجمة التي عاشها لكسب عيشه في بيئة معادية وغير صديقه دامت ربع قرن من الزمان، بيئة «تسرق اللقمة من الفم»، ليس لعدم الإستحقاق، بل لأنه «ليس إسلامياً». رجل عاش هذا كله، وربما زاد قليلاً، هل سيكفيه الإعتراف المتأخر بأنه «ظلم»، مثل الآلاف الذين عاشوا ظروفاً مشابهة «قطع رزقهم لتمكين الإسلاميين»، وهل تكفيه تربيته متأخرة لأكثر من عقدين لنسيان الماضي، وبداية مرحلة جديدة وهو في تلك السن..؟

* أكمام الوردة

* قد لا يكفي كل هذا، لكن مثلما كشفت «الشرق الأوسط»، في وقت باكر من شهر أغسطس الماضي، أن نظام حكم الرئيس البشير يتجه للإطاحة بالإسلاميين، وذهبت أكثر بالوصول تحليلاً إلى أن رجل الإسلاميين العتيد علي عثمان محمد طه سيطاح به في التغيير القادم، في وقت لم يكن يجروء فيه أحد على القول بهذا، فإن «إلغاء التمكين»، و»إطاحة القيادات المزمنة»، و»إحلال رجالات الصف الثالث» في الحزب والدولة، خطوات باتجاه تبرعم «ورد الربيع السوداني»، ولو على طريقة «إضعاف قبضة» المجموعة التي تمكنت من السودان لربع قرن، بما يسهل «الثورة عليها»، إذا لم تكن ربيعاً على الطريقة السودانية التي سبق بها السودان كل الثورات العربية، أو اتفاق سوداني لمواجهة الأخطار المحدقة من كل اتجاه..!

* محطات في تاريخ الإنقاذ

* - 30 يونيو (حزيران) 1989 دقت الموسيقى «المارشات» العسكرية معلنة انقلابا عسكريا بقيادة عقيد مغمور في الجيش السوداني اسمه عمر حسن البشير، الذي أطاح بحكم الصادق المهدي الذي عرف بفترة الديمقراطية الثالثة.
- موه الانقلابيون على هوية النظام الإسلامية، لكن تمويههم لم يخف على الأوساط السياسية فاكتشفت من الوهلة الأولى أن «الجبهة القومية الإسلامية» بقيادة حسن الترابي هي التي تقف خلف الانقلاب.
- لمزيد من التمويه اعتقل العسكريون د. حسن الترابي مع قادة القوى السياسية والأحزاب الذين ألقي القبض عليهم وأدخلوا السجن، وأبقى على نائبه علي عثمان محمد طه ليدير دفة الحكم مع العسكريين.
- في عام 1994 أعلنت سياسات «التمكين»، وتقوم على «تطهير» الخدمة من غير الإسلاميين، وتوظيف إسلاميين محلهم.
- تشرد وفصل مئات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية مدنيين وعسكريين، تحت مسمى «الصالح العام» وسياسات التمكين.
- أضعفت سياسات التمكين الخدمة المدنية، وأفقدتها أفضل كوادرها، وأدت لتسيب جهاز الدولة فانتشر فيه الفساد المالي والإداري.
- ظل الترابي يدير كواليس الحكم حتى خروجه أو إخراجه من الحكم عام 1999م، في انشقاق الإسلاميين الأول والذي عرف محليا بـ«المفاصلة»، وتكوين حزبه المناوئ «المؤتمر الشعبي».
- لم يخرج نائب الترابي علي عثمان محمد طه مع شيخه، بل بقي وآخرون مع البشير فأسند إليه منصب النائب الأول للرئيس.
- تخلى طه عن منصبه لزعيم جنوب السودان الراحل جون قرنق بعد توقيع اتفاقية السلام في 2005م ولنائبه سلفا كير ميارديت.
- بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، استرد طه منصبه نائبا أول للرئيس البشير.
- في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أطاح البشير بطه ومعظم رموز الصف الأول من الإسلاميين، ضمن عملية سميت طوعية، لكن كثيرين يرون أنها انقلاب كامل على الإسلاميين.
- وفي الأسبوع الأخير من العام الماضي أعلن الرئيس عن إلغاء سياسات التمكين ليكمل بها إبعاد رجال الصف الثاني من الإسلاميين في جهاز الدولة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.