«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

ارتفاع القتلى بميدان الاعتصام إلى 110 بعد انتشال 40 جثة من النيل ومطالب بتحقيق دولي... اعتقال عرمان... والمهدي يطالب بتسليم السلطة للمدنيين

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
TT

«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)

عرض المجلس العسكري الانتقالي، الحاكم في السودان أمس، استئناف المحادثات مع جماعات المعارضة «بلا شرط أو قيد»، و«دون إقصاء لأحد»، ملوحا بغصن زيتون بعد مرور يومين على اقتحام قوات الأمن موقع اعتصام بوسط الخرطوم. ولا تزال حتى مساء أمس، تسمع أصوات عيارات نارية في أنحاء العاصمة، فيما بلغت حصيلة فض الاعتصام 110 قتلى منذ الاثنين، بعد انتشال 40 جثة من النيل، كانت قوات أمنية قد ألقت بهم في عرض النهر بعد الحادثة.
وأصبحت الخرطوم، حاليا، مدينة أشباح، حيث خلت الشوارع من المارة، وباتت مثل سجن كبير... ولا تسمع فيها غير زخات الرصاص بكثافة، فيما تعلوها أدخنة الإطارات التي يحرقها الثوار لسد الطرقات أمام حركة الآليات العسكرية، السماء. وانتشرت قوات الأمن في الطرقات، التي سدت بآلاف الحواجز والمتارس. وفي وقت سابق من الصباح سُمع صوت إطلاق نار في حي الخرطوم 2 الذي يضم كثيرا من السفارات.
وجاء عرض العودة للحوار الذي طرحه الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري بمثابة الرجوع خطوة عن قرار الجيش إلغاء كل الاتفاقات مع تحالف المعارضة بعد الاقتحام، وجاء مع تصاعد الانتقادات الدولية لاستخدام العنف. وأبدى البرهان في لهجة تصالحية، انفتاحه على مفاوضات «لا قيد فيها» حول مستقبل البلاد، مشيداً بـ«الثورة السودانية»، مؤكداً استعداد مجلسه لتسليم السلطة لحكومة منتخبة. وقال: «نتأسف جدا على ما حدث» مبديا استعداده للتفاوض حول مستقبل البلاد. وقال البرهان في خطاب بثه التلفزيون الرسمي «نحن في المجلس العسكري نفتح أيادينا لتفاوض لا قيد فيه إلا لمصلحة الوطن، نكمل من خلاله التأسيس للسلطة الشرعية التي تعبّر عن تطلعات ثورة السودانيين».
وأكد في خطابه التصالحي أن التغيير الذي تشهده البلاد يأتي في «ظروف صعبة»، تستوجب الاحتكام لإرادة الشعب، بقوله: «لا مناص إلا بالاحتكام لإرادة الشعب ورفض الأجندات الخارجية».
وأوضح البرهان أنه وجه القيادة العامة في التحقيق حول الأحداث المؤسفة التي رافقت فض الاعتصام، وتابع: «ستتم محاسبة من تثبت مسؤوليته عن أحداث فض الاعتصام»، ودعا إلى: «طي الصفحة الماضية، وفتح صفحة جديدة للعبور نحو المستقبل»، مشيراً إلى تجربة المصالحات في جنوب أفريقيا ورواندا: «نفتح أيادينا للتفاوض مع القوى كافة».
وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إن مجلسه لم يأت ليحكم، وتعهد بتسليم السلطة لحكومة منتخبة، تشارك فيها كل الأحزاب السياسية ما عدا المؤتمر الوطني. ونفى حميدتي اشتراك قواته «الدعم السريع» في ترويع المواطنين، وقال إنها «مستهدفة، وهناك من ينتحل صفتها لترويع المواطنين».
لكن قادة المحتجين رفضوا الدعوة للحوار ودعوا مؤيديهم إلى «العصيان المدني الشامل» للإطاحة بالمجلس العسكري. وقال القيادي البارز في تحالف الحرية والتغيير مدني عباس مدني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن المجلس العسكري، لم يعد مصدر ثقة، مؤكدا أن دعوته «مرفوضة... لأنه يقوم بالترويع في الشوارع».
من جهته، نقل القيادي في قوى «إعلان الحرية والتغيير» عمر الدقير في تصريحات صحافية، أن تحالفه كان على وشك توقيع اتفاق نهائي مع المجلس العسكري الانتقالي، يتضمن مجلسا رئاسيا مناصفة ورئاسة دورية، بيد أن عملية فض الاعتصام أعادت الأوضاع إلى نقطة الصفر.
من جانبه، طالب الزعيم السياسي والديني البارز الصادق المهدي، الأمم المتحدة بإجراء تحقيق حول مقتل العشرات من المواطنين في عمليات فض الاعتصام، والمجلس العسكري الانتقالي لمحاسبة كل من شارك في جريمة فض الاعتصام بالقوة.
وقال المهدي في خطبة العيد التي تلاها على حشد من مؤيديه، أمس، إن أمام المجلس العسكري خيارين: «إما أن يمضي في نهج النظام السابق، أو يتحمل المسؤولية في معالجة الأوضاع»، ودعاه للعمل دون إملاءات خارجية.
وأضاف: «فض الاعتصام الوحشي، غير المناخ الوطني كلية»، وتابع: «ما حدث دليل على أن المجلس العسكري قد بدد ما اكتسب من فضيلة برفض فض الاعتصام بالقوة بأمر الطاغية». واعتبر «الهجوم الغادر وغير المبرر» على المتظاهرين «فراقا بين الثورة الشعبية السودانية ومن كانوا وراءه، ودعا قوى الحرية والتغيير وكل القوى الشعبية المؤيدة للثورة لاجتماع عاجل لتحديد كيفية تسلم النظام الانتقالي الجديد».
واشترط المهدي اعتراف المجلس العسكري الانتقالي بالهجوم على المعتصمين وتحمل مسؤوليته، لمواجهة مسؤوليته أمام التاريخ، وقال: «أمام المجلس العسكري في وجه التاريخ خياران، أن يصر على الهجوم وتحمل نتائجه، وبالتالي وضع نفسه في خانة المخلوع نفسها، واستدعاء المواجهة المحتومة للشعب الثائر، أو أن يعلن مسؤوليته عما حدث، ومحاسبة من تورط في الجريمة، والاستعداد لنقل السلطة للنظام المدني الديمقراطي المنشود بالصورة التي يقررها ممثلو الثورة الشعبية».
وفي تصعيد جديد، قال المتحدث باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان مبارك أردول في تصريحات أمس، إن قوات الأمن ألقت القبض على نائب الأمين العام للحركة ياسر عرمان من محل إقامته واقتادته إلى مكان مجهول بعد أن اعتدت عليه بالضرب.
ويقيم القيادي البارز في المعارضة المسلح ياسر سعيد عرمان خارج البلاد منذ اندلاع النزاع المسلح في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011، وصدر ضده حكم بالإعدام، بيد أن الرجل قرر العودة للبلاد متحدياً حكم الإعدام الصادر ضده.
وقبل أيام أعلن عرمان أن كلا من رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، أبلغاه بمغادرة البلاد لكن رفض طلبها، قبل أن يعلن عن لقاء جمع وفداً برئاسته مع المجلس العسكري الانتقالي الأسبوع الماضي.
وفي غضون ذلك، توقفت حركة الطيران في الأجواء السودانية بشكل كامل جراء إضراب الطيارين وفنيي الملاحة الجوية، ومقدمي خدمات المناولة طوال الثلاثة أيام الماضية، وعلقت شركات الطيران الدولية رحلاتها المتجهة إلى مطار الخرطوم والمطارات السودانية الأخرى.
واتسعت دائرة الاحتجاجات والإضراب لتشمل البلاد كافة، وخرجت «مدن الأبيض وزالنجي غرباً، ومدني وربك في الوسط» ومدن أخرى في الوسط في مسيرات ومواكب معارضة هادرة عقب صلاة العيد، وقال شهود إن «السودان تحول إلى بلد من المتاريس والاحتجاجات في أنحائه كافة».
وفي هذا السياق، قالت مستشفيات الخرطوم إنها تجد صعوبة في استيعاب أعداد الجرحى بعد فض الاعتصام الاثنين. وصرح طبيب يعمل في مستشفيين في المدينة لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن «الوضع صعب للغاية، معظم المستشفيات استقبلت أعدادا من الجرحى أكبر من قدرتها على الاستيعاب».
وأضاف الطبيب الذي طلب عدم الكشف عن هويته أن «هناك نقصا في العاملين الطبيين وكميات الدم، ومن الصعب إجراء الجراحات لأن بعض العمليات الجراحية لا يمكن إجراؤها إلا في مستشفيات معينة». وأضاف أنه «من بين الجرحى أشخاص في حالة حرجة وأتوقع أن يرتفع عدد القتلى».
واتهمت لجنة أطباء السودان قوات الأمن بمهاجمة المستشفيات وموظفيها في أنحاء البلاد. وكثفت قوات الأمن وجودها بعد خروج المصلين في عدد من الأحياء لأداء صلاة عيد الفطر عقب دعوة قادة المحتجين «إلى الصلاة على أرواح الشهداء». وفي أم درمان الواقعة على الضفة المقابلة للخرطوم من نهر النيل، شوهدت قوات الأمن تسيّر دوريات في شاحنات ثبت عليها ما يبدو أنها مدافع مضادة للطائرات وغيرها من الأسلحة ومن بينها قاذفات صواريخ، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهته، نفى المتحدث العسكري شمس الدين الكباشي في تصريحات أمس، أن تكون قوات الجيش قد فضت الاعتصام، وقال إنها تعاملت مع «متفلتين فروا من موقع الاعتصام وأحدثوا فوضى»، وهو التصريح الذي أثار سخرية واسعة بين النشطاء والثوار.
وطالبت القوات المسلحة السودانية، أمس، المواطنين بالابتعاد عن المناطق والمواقع العسكرية ونقاط الارتكاز والقيادات في كل أنحاء البلاد مشاركة منهم في حفظ الأمن الذي هو مسؤولية الجميع. وأكدت القوات المسلحة، في تعميم صحافي أصدرته أمس وبثته وكالة الأنباء السودانية «سونا»، أنها «ستظل على الدوام بتاريخها واحترافيتها المشهودة صمام أمن الوطن وملاذ المواطنين وفية لعهدها ووعدها في حماية الأرواح والممتلكات وبسطاً للأمن والاستقرار». وقالت إنه «لا نكوص عن انحياز القوات المسلحة لرغبة الشعب السوداني وإرادته في التغيير حتى يصل إلى تحقيق مطالبه وطموحاته المشروعة حتى تعبر بلادنا هذه المرحلة الدقيقة إلى آفاق الحرية والعدالة والسلام والاستقرار».
وفي هذا الصدد، يتجه محامون ونشطاء حقوقيون للتنسيق مع منظمات حقوق إنسان دولية، لتوجيه دعوى جنائية دولية ضد قتلة المعتصمين والمحتجين السلميين.
وقال المحامي معز حضرة لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن فريقاً مكوناً من عدد من المحامين والنشطاء في حقوق الإنسان شرع في اتصالات مع منظمات حقوقية دولية من أجل رفع دعوى جنائية دولية لمجلس الأمن، بشأن قتل المعتصمين لتحال إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وأوضح حضرة أن الانتهاكات التي شهدتها البلاد إبان فض الاعتصام والأيام الماضية «ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، تواجه رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي».



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.