إقبال كثيف في الاستفتاء المصري.. والنتيجة السبت

الاهتمام السياسي منصب على تطبيق خريطة المستقبل

الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور عقب إدلائه بصوته أمس  في ضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)
الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور عقب إدلائه بصوته أمس في ضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)
TT

إقبال كثيف في الاستفتاء المصري.. والنتيجة السبت

الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور عقب إدلائه بصوته أمس  في ضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)
الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور عقب إدلائه بصوته أمس في ضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)

شهدت لجان الاقتراع على دستور مصر الجديد إقبالا لافتا وكبيرا أمس (الثلاثاء)، في أول اختبار للدعم الشعبي الذي تحظى به ثورة «30 يونيو (حزيران)»، التي أنهت حكم الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة «الإخوان». وقال عمرو موسى، رئيس لجنة تعديل الدستور، لـ«الشرق الأوسط» إن مؤشرات الإقبال على التصويت في يومه الأول تؤكد أن نسبة المشاركة في الاستفتاء «ستكون قوية جدا».
ووسط استنفار أمني غير مسبوق، امتدت طوابير المصوتين أمام لجان الاقتراع التي فتحت أبوابها في التاسعة من صباح أمس. وتعول السلطات المصرية على أن يضفي الاستفتاء على الدستور شرعية انتخابية على قرار عزل مرسي قبل ستة أشهر، وهو ما يجعل لنسبة المشاركة في الاستفتاء ونسبة الموافقة على الدستور دلالات حاسمة.
وقال موسى، وهو رئيس «لجنة الخمسين» الذي صاغت الدستور الجديد، لـ«الشرق الأوسط» أمس: «الظاهر حتى الآن وجود إقبال جيد جدا، وهو في تزايد. الإقبال في الصباح الباكر كان قويا، ومبشرا».
وتابع موسى: «أنا على اتصال دائم بالعديد من المحافظات، وأتواصل باستمرار لرصد الصورة الحقيقية من أماكن التصويت، في مختلف المدن والقرى، وأستطيع أن أقول إن مؤشرات الإقبال على التصويت حتى الآن تؤكد أن نسبة المشاركة في الاستفتاء ستكون قوية جدا».
وأدلى الرئيس المؤقت عدلي منصور بصوته أمس في الاستفتاء على الدستور بمقر اللجنة الانتخابية بمدرسة مصر الجديدة الثانوية (شرق القاهرة)، وقال منصور في تصريحات صحافية له عقب إدلائه بصوته إن «التصويت لا يقتصر على الدستور وإنما هو تصويت على خارطة المستقبل كلها».
وأضاف أن إنجاز المسار الديمقراطي يكتمل بانتخاب رئيس للبلاد، ومجلس تشريعي، لافتا إلى أنه يجب على المصريين أن يثبتوا لمن يقومون بالإرهاب الأسود أنهم لا يخشونهم.
من جانبه، دعا الدكتور حازم الببلاوي رئيس مجلس الوزراء المواطنين إلى المشاركة بقوة في الاستفتاء، مشيرا إلى أن المواطنين الذين التقاهم أمس خلال إدلائه بصوته في الاستفتاء يعدون اليوم عرسا تاريخيا في حياة مصر، مؤكدا أن عملية الاقتراع تسير بشكل منضبط.
وفي رسالة لطمأنة المشاركين في الاستفتاء، تفقد قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لجان تصويت شرق القاهرة، وبدا واضحا حجم التأييد الشعبي التي يحظى به وزير الدفاع لدى قطاع واسع من المصريين الذين رفع بعضهم صورا له أمام لجان الاقتراع. ويتوقع مراقبون أن يعزز ارتفاع نسبة الإقبال على الاستفتاء من فرص ترشح السيسي الذي أبقى احتمالات خوضه الانتخابات الرئاسية قائمة. ولم يحسم بعد موعد الاستحقاق الرئاسي، لكن التقديرات ترجح إجراءه في أبريل (نسيان) المقبل. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في التاسعة من صباح أمس في اليوم الأول للاستفتاء الذي يمتد إلى مساء اليوم (الأربعاء)، لاستقبال نحو 53 مليون مصري ممن لهم حق التصويت. وقالت مصادر أمنية وقضائية إنه لم تصل شكاوى تذكر عن تأخر في موعد فتح اللجان على مستوى الجمهورية، التي تقدر بـ3367 مقرا انتخابيا.
وأعرب اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية عن سعادته بإقبال الناخبين على التصويت أمس، قائلا: «لم نتوقع هذا الإقبال الشديد من المواطنين على الإطلاق خاصة في ساعات الصباح الأولى». وأوضح الوزير في تصريحات صحافية له أمس أن قوات الشرطة، بالتعاون مع رجال القوات المسلحة، قامت بتنفيذ خطة أمنية متكاملة وعلى أعلى مستوى لتأمين لجان الاستفتاء والمنشآت المهمة وشوارع وميادين البلاد. وغاب عن مشهد أمس الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقال شقيق الإمام الأكبر إن الطيب أصيب بنزلة برد منعته من الخروج والإدلاء بصوته في الاستفتاء على الدستور، مشيرا إلى أنه سيذهب للإدلاء بصوته اليوم (الأربعاء) إذا تحسنت حالته الصحية بمسقط رأسه بمدينة القرنة غرب الأقصر (بصعيد البلاد). من جانبه، قال محمد فايق، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان شبه الرسمي، إن عملية التصويت على الدستور تسير بشكل جيد في جميع أنحاء الجمهورية، مشيرا إلى أن غرفة عمليات المجلس تلقت عددا من الشكاوى الخاصة بتأخر فتح بعض اللجان وأخطاء بكشوف الناخبين، بالإضافة إلى بعض المظاهرات التي تعاملت معها الشرطة بحسم وقوة.
ونفت اللجنة العليا للانتخابات استبعاد قضاة من المشرفين على عمليات التصويت أمس بعد بلاغات بتوجيه هؤلاء القضاة للمقترعين بالتصويت ضد مشروع الدستور، لكن المستشار محمود الشريف سكرتير نادي القضاة قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الغرفة تلقت بلاغات بالفعل بشأن قاضيين أحدهما بدائرة في مصر الجديدة (شرق القاهرة)، ولجنة أخرى في إمبابة (شمال الجيزة)، وتواصلنا مع اللجنة وجرى استبدالهما على الفور». وبدت لافتة نسبة الإقبال على مراكز التصويت المخصصة للوافدين. وأصدرت اللجنة العليا للانتخابات قرارا بزيادة عدد القضاة بتلك اللجان في محافظتي القاهرة والجيزة، نظرا لزيادة أعداد الناخبين وتكدسهم.
من جهته، قال مفيد الديك، الملحق الإعلامي بالسفارة الأميركية في القاهرة، إن وفدا صغيرا من المسؤولين في السفارة الأميركية يتابع عملية الاستفتاء على الدستور في القاهرة والإسكندرية. وأشار الديك في تصريحات صحافية له أمس إلى أن مهمة هذا الوفد المتابعة والتحدث إلى الناس في اللجان للاطلاع على سير عملية الاستفتاء، وليس لإصدار أحكام عليها وعلى مشروعيتها.
ورسمت قيادات في تحالف دعم الشرعية الذي تقوده جماعة «الإخوان» صورة مغايرة لعملية الاستفتاء، وقال مجدي قرقر القيادي في التحالف لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «دعوة التحالف لمقاطعة الاستفتاء تسير بنجاح كبير. في ظل عمليات القمع التي تشير لضعف موقف سلطة الانقلاب». وحول الطوابير الممتدة أمام اللجان قال قرقر، وهو أمين عام حزب الاستقلال، إنه «لا بد من مقارنة هذه الأعداد بما حدث في الاستحقاقات الانتخابية الماضية.. لا يمكن مقارنة المشاركين في هذا الاستفتاء بالاستفتاء على دستور 2012»، مشيرا إلى أنه إذا جرت عمليات التصويت بشكل نزيه فإن المشاركين لن يتجاوزوا الـ30 في المائة. وعما إذا كان تمرير الدستور بنسبة مشاركة كبيرة قد يؤثر على موقف التحالف من العملية السياسية عقب ثورة «30 يونيو»، قال قرقر: «مقاطعتنا للدستور موقف مبدئي، ولن يتغير». وشارك 32 في المائة ممن لهم حق التصويت في استفتاء جرى نهاية العام قبل الماضي على دستور هيمن على وضعه إسلاميون، وأقر الدستور الذي بات يعرف بـ«دستور الإخوان» بنسبة موافقة 64 في المائة، في حين رفضه 36 في المائة من المشاركين.

* لقطات

الرئيس منصور يساعد كفيفا على الإدلاء بصوته

* خلال توجه الرئيس المصري المؤقت، المستشار عدلي منصور، للإدلاء بصوته أمس في لجنة المدرسة النموذجية بضاحية مصر الجديدة (شرق القاهرة)، لاحظ عند دخوله إلى مقر اللجنة وجود مواطن كفيف على باب اللجنة، فقام الرئيس منصور باصطحابه وإعانته وتقديمه للإدلاء بصوته، في لفتة لاقت استحسان الموجودين داخل اللجنة. وقام أحد الحاضرين بالتقاط صورة للرئيس، تداولها المصريون على المواقع الاجتماعية بكثرة.
مبارك يرغب في التصويت بـ«نعم»

* أكد فريد الديب، محامي الرئيس الأسبق حسني مبارك، أمس، أن موكله طلب الإدلاء بصوته في الاستفتاء على الدستور المصري الجديد، موضحا في تصريحات صحافية أمس أن مبارك كان سيصوت بـ«نعم». إلا أن مسؤولا باللجنة العليا للانتخابات نفى لوكالة «رويترز» أن تكون اللجنة تلقت أي طلب من الرئيس الأسبق للإدلاء بصوته. بينما قال مصدر قضائي إنه لا يوجد أي حائل قانوني أمام إدلاء مبارك بصوته، لكن الدواعي الأمنية ربما تحول دون تمكنه من ذلك.

صباحي يكتشف أن اسمه في قائمة الناخبين بجدة
* قال «التيار الشعبي» المصري، في بيان له أمس، إن مؤسسه المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي لم يجد اسمه في كشوف الناخبين بعد أن توجه للإدلاء بصوته، وأنه بالبحث عن لجنته، تبين أن اسمه مدرج ضمن كشوف المصوتين خارج مصر وله حق الانتخاب ومسجل للتصويت بالقنصلية المصرية في جدة بالمملكة العربية السعودية. وأبدى صباحي تعجبه من هذا الخطأ، ودعا الجنة إلى سرعة تصحيحه ليتمكن من الإدلاء بصوته.

مواطنات يمنعن ناشطة من الإدلاء بصوتها
* قامت سيدات موجودات في صفوف الناخبين بإحدى اللجان في غرب القاهرة بمنع الناشطة إسراء عبد الفتاح من الإدلاء بصوتها. وفور وصول عبد الفتاح ومحاولتها اللحاق بصفوف الناخبات، هاجمتها مواطنات بادعاء أنها «عميلة»، وذلك إثر تسريبات صوتية راجت في الإعلام أخيرا تسعى لإدانة عدد من الناشطين إبان «ثورة 25 يناير» بالعمالة واستغلال الثورة لمصالح شخصية. وحاولت الناخبات التعدي على عبد الفتاح، لكن عناصر الأمن الموجودين أمام اللجنة قاموا بحمايتها وإعادتها إلى سيارتها قبل أن تتفاقم الأمور.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.