«كرة النار» تتدحرج في مناطق النفوذ... وتصل إلى قوت السوريين

تبادل اتهامات بين دمشق والمعارضة والأكراد إزاء أسباب «الحرائق المفتعلة»

مزارعون يطفئون حرائق في ريف الرقة شرق سوريا (أ.ب)
مزارعون يطفئون حرائق في ريف الرقة شرق سوريا (أ.ب)
TT

«كرة النار» تتدحرج في مناطق النفوذ... وتصل إلى قوت السوريين

مزارعون يطفئون حرائق في ريف الرقة شرق سوريا (أ.ب)
مزارعون يطفئون حرائق في ريف الرقة شرق سوريا (أ.ب)

«حرائق غامضة» تتدحرج على الأراضي السورية. تتنقل من مكان إلى آخر. كرة النار، تجمع بين مناطق النفوذ الثلاث لاستهداف المحاصيل الزراعية. تعددت الأساليب، بالونات، قذائف، غارات، لكن الهدف واحد. إنه قوت الناس بحرق المحاصيل الزراعية باعتباره وسيلة للانتقام من المزارعين أو الأهالي لأسباب اقتصادية أو سياسية... أو وسيلة «أثرياء الحرب» لاستيراد المحاصيل من الخارج بدلاً من استخدام المحاصيل السورية في موسم يعتبر الأفضل منذ سنوات بسبب الأمطار في الشتاء الأخير.
وتشكل الأراضي القابلة للزراعة نحو 33 في المائة من المساحة الإجمالية البالغة 185 ألف كلم مربع ويعتمد 70 في المائة منها على الأمطار. ومعدل الأمطار في 90 في المائة من هذه المساحة أقل من 300 ملم في السنة، وهو الحد الأدنى اللازم لإكمال المحاصيل الشتوية دورة حياتها، بحسب تقرير لـ«المركز السوري لدراسات البحوث».
ويعتبر القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات في اقتصاد البلاد، حيث بلغ 3.9 في المائة وسطي معدل النمو السنوي بين 1970 و2010 مع مساهمة في النمو الكلي بـ23 في المائة. وبعدما كان الناتج الزراعي يشكل 32 في المائة من إجمالي الناتج في السبعينات، أصبح 14 في المائة في 2010، حيث زادت الهجرة من الريف إلى المدن من 43 في المائة في 1970 إلى 54 في المائة في 2010.
وبين 2011 و2019 انتشرت التعديات على الأراضي الزراعية بـ«صورة مدمرة»، وأدت إلى خروج الأراضي الخصبة من الاستثمار، كما تعرضت المروج والمراعي ومناطق الغابات والمناطق الحراجية إلى حرق وقطع، بحسب «المركز السوري». ودمر الكثير من أجزاء البنى التحتية ومنها البنى الخاصة بقطاع المياه، إذ تعرضت شبكة مياه الشرب للكثير من التدمير والنهب والتخريب، وأدى وقوع المصادر الرئيسية الكبيرة في «المناطق الساخنة» إلى عجز كبير في قدرتها على تأمين المياه للسكان. كما توقف العمل في المشاريع الكبرى.
لكن، تراجع الإنتاج الزراعي بقي أقل من بقية القطاعات ما زاد في أهميته النسبية في الناتج المحلي الإجمالي، إذ ارتفعت حصة الزراعة من الناتج من 17 في المائة في 2010 إلى نحو 31 في المائة في 2017، أي أنه «شكل شبكة حماية للكثير من السوريين لتأمين الغذاء والحد الأدنى من الدخل. لكن من الناحية المؤسسية تشكلت عدة منظومات حددت السياسات الزراعية بحسب القوى المسيطرة عسكرياً خلال النزاع».
عليه، بقيت الحبوب مصدرا رئيسياً في الاقتصاد، حيث كان الإنتاج بحدود أربعة ملايين طن قبل 2011، مع احتياطي استراتيجي مخزون قدره نحو ثلاثة ملايين طن. وبحسب خبراء، كان متوقعاً أن يصل الإنتاج لهذا السنة نحو ثلاثة ملايين طن. لكن اللافت في الأسابيع والأيام الأخيرة، انتشار الحرائق في حقول الحبوب. وقدر خبراء بأن أكثر من ألفي حريق «التهمت» ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا، أي ما يعادل 200 ألف دونم من جنوب البلاد إلى شمالها، ومن غربها إلى شرقها.

شرق الفرات
تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية بدعم التحالف الدولي بقيادة أميركا على ثلث مساحة سوريا البالغة 185 ألف كلم مربع، وهي تعتبر «السلة الزراعية» للبلاد. وبعد القضاء على «داعش» في شكل كامل في 23 مارس (آذار) الماضي، استفاقت بعض التوترات السابقة بين العرب والأكراد مع وجود خلايا لـ«داعش»، إضافة إلى مساعي الحكومة لاستعادة السيطرة على هذه المنطقة التي تضم أيضا 90 في المائة من النفط ونصف الغاز وأكبر ثلاثة سدود.
وقدرت الحكومة السورية المساحات الزراعية المتضررة جراء الحرائق بـ3600 دونم شعير منها 1200 دونم. كما أكلت النيران 30 ألفا في مناطق الجزيرة التي تشمل الحسكة والرقة والقامشلي.
وتبادل أطراف النزاع الاتهامات بالمسؤولية عن الحرائق. وإذ قالت مصادر حكومية إن «أغلب تلك الحرائق مفتعلة من جهات ليس لها مصلحة بأن يقوم الفلاحون في بيع محاصيلهم للحكومة، حيث استهدفت الحرائق محاصيل مزارعين يريدون بيع محاصيلهم للحكومة»، مشيرة إلى أن الحكومة «حددت سعر شراء للقمح أعلى من سعر الشراء الذي حددته الإدارة الذاتية الكردية، وبالتالي هناك توجه كبير من قبل الكثير من الفلاحين ببيع محاصيلهم للحكومة السورية».
وبحسب مصادر، فإن الوفرة في المواسم «لم تشهدها منطقة الجزيرة منذ موسم 1988. حينها فاقت كمية محاصيل القمح والشعير قدرة المؤسسة العامة للحبوب على تعبئتها وشحنها». وقالت مصادر كردية: «هناك من يتهم النظام بافتعال الحرائق عبر وكلاء له في مناطق سيطرة القوات الكردية كي لا تذهب المحاصيل إلى الأكراد».
وفي المقابل، يتهم آخرون الإدارة الذاتية الكردية، بحرق المحاصيل «كي لا تذهب إلى الحكومة التي حددت سعر شراء كيلوغرام القمح الواحد بـ185 ليرة سورية بزيادة 35 ليرة عن السعر الذي حددته الإدارة الذاتية».
وطالت الاتهامات «داعش»، إذ قال مسؤول كردي إن التنظيم يريد إحداث قلاقل شرق سوريا وغرب العراق، حيث خسر مناطقه في شكل كامل. لكن هناك اتفاقا على عدم وجود قدرات للتعاطي مع الحرائق في شرق الفرات. وقالت مصادر أهلية: «عبء الإطفاء يقع على الأهالي، فيطوقون الحرائق بأكياس خيش مبللة بالماء، أو بحراثة الأرض بالجرارات كي لا يمتد إليها الحريق».

مثلث الشمال
أيضاً، تحصل الحرائق في مناطق تسيطر عليها فصائل معارضة تدعمها تركيا في شمال غربي البلاد وتشكل نحو 10 في المائة من مساحة البلاد، وتشن قوات الحكومة بدعم روسي للتوغل فيها وقضم مساحات شمال حماة وجنوب إدلب، الغنية بالمحاصيل الزراعية.
وأظهرت صور للأقمار الصناعية الحقول وبساتين الفاكهة والزيتون تحترق في شمال غربي سوريا. وظهر في الصور، التي وفرها موقع «ديجيتال غلوب إنك»، أعمدة من
الدخان تتصاعد من الريف المحيط في قرية الهبيط جنوب إدلب وكفرنبودة شمال حماة. وأظهرت الصور التي التقطت قبل وبعد الحرائق في بداية ونهاية الأسبوع الماضي رقعا من الأرض المحروقة وحقولا سوداء من الحرائق ومباني مدمرة. وظهرت أيضا حرائق لا تزال مشتعلة.
وأفادت «مراكز الإطفاء والدفاع المدني» باندلاع أكثر من 272 حريقا في ريف حلب. كما تم حرق 125 ألف دونم في حماة، غالبيتها محاصيل شعير والأشجار المثمرة وعلى رأسها الزيتون واللوز والفستق الحلبي، حسب مديرية زراعة حماة.
وكان تقرير سابق لـ«الشرق الأوسط» من دمشق، أفاد بأن منطقة سلمية وشهدت 200 حريق التهمت آلاف الدونمات من المحاصيل الاستراتيجية. كما اندلع 300 حريق قضت على ألف شجرة حراجية وأصابت سبعة آلاف شجرة في عدد من قرى شمال شرقي حمص.
والتهمت النيران أكثر من ألفي دونم جنوب إدلب، معظمها محاصيل شعير وقمح جراء تعرضها إلى أكثر من 40 صاروخا محملا بمواد حارقة، بحسب نشطاء معارضين، حيث تواصل قوات الحكومة وروسيا هجوما جويا ومدفعيا عنيفا على مواقع المعارضة في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي منذ نحو شهر. واتهم المجلس المحلي في مدينة خان شيخون «النظام السوري بتعمد قصف الأراضي الزراعي، ذلك أن مئات الهكتارات من محاصيل القمح والشعير احترقت بسبب قصف النظام لها بالنابالم الحارق والقنابل العنقودية».
وتبادلت المعارضة والحكومة الاتهامات عن المسؤولية. إذ قال مصطفى الحاج يوسف مدير «الدفاع المدني» في إدلب إن الطائرات الحكومية كانت تقصف حقول الذرة ما أشعل النار فيها، فيما أفادت الوكالة السورية للأنباء الرسمية (سانا) الثلاثاء بأن مسلحين قصفوا قرى في ريف حماة الشمالي، مما ألحق أضرارا بالمباني وأحرق حقول القمح.
لكن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» قال إن الطائرات الحربية والمروحية «تتعمد» إضرام النيران في مئات الهكتارات من أراض زراعية يعول على محاصيلها أهالي المنطقة، متهما قوات النظام بـ«سرقة المحاصيل الزراعية ضمن المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً في ريف حماة». من جانبه، لم يستبعد مسؤول محلي رسمي في حماة من أن يكون نشوب الحرائق بـ«فعل فاعل».
وكانت الحكومة اتبعت سياسة الحصار حيث يتم تجويع السكان من خلال «العقوبات الجماعية» حتى الخضوع، بحسب تقرير «المركز السوري». وأضاف: «تعرض نحو 2.5 مليون شخص للحصار منذ عام 2015 لغاية عام 2018 ووصلت ذروتها في 2017، حيث خضع نحو 970 ألف شخص للحصار في وقت واحد، في الغوطة ودير الزور، وحلب والرستن وغيرها، وتضمن الحصار الحرمان من الحصول على الغذاء والمساعدات الإنسانية وتقييد حركة السكان واستهداف المناطق المحاصرة بمختلف أنواع الأسلحة».

مناطق النظام
هناك حرائق وإن كانت بدرجة أقل بكثير في مناطق الحكومة السورية التي تشكل نحو 60 في المائة من أراضي سوريا، وخصوصاً في ريفي السويداء ودرعا جنوب شرقي البلاد.
ولفت فوج إطفاء حمص إلى حرائق في الأراضي الزراعية بريف حمص الشمالي حيث شكت دمشق «من عدم تجاوب الأهالي بإرسال جراراتهم للمساعدة فريق الإطفاء بعد نفاد المياه».
وإذ نشب 200 حريق في ريف درعا أضرت بنحو 1837 دونماً من المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة والحراج، تم تسجيل أكثر 223 حريقاً في السويداء منذ بداية الشهر الجاري غالبيتها طالت أراضي زراعية وأشجاراً مثمرة وحراجية بمساحات متفاوتة. وفي القنيطرة، حصلت ثمانية حرائق في الأيام الأخيرة، منها سبعة حرائق نشبت في الأراضي الزراعية والرعوية وحريق في أحد المواقع الحراجية. وفي ريف دمشق تم إخماد 271 حريقاً منذ بداية الشهر الحالي منها 65 حريقاً الأسبوع الماضي امتد بعضها على مساحة 30 دونماً معظمها أعشاب جافة امتدت إلى الأراضي الزراعية. وفي المنطقة الساحلية قرب القاعدتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس، حصل 31 حريقا، 24 منها في محافظة طرطوس وسبعة في اللاذقية.
ولاحظت مصادر محلية اندلاع حرائق في حقول السويداء شرق المدينة ذات الغالبية الدرزية التي تتمتع بإدارة محلية منذ سنوات. وتراوحت الاتهامات بين قيام «داعش» الموجود في الصحراء بإرسال بالونات لمعاقبة الأهالي وبين اتهام دمشق بـ«افتعال ذلك لإخضاع أهالي السويداء». وينطبق ذلك على حقول درعا التي كانت قوات الحكومة استعادت السيطرة عليها في بداية العام الماضي.
بين هذا وذاك، هناك من يتحدث عن رغبة «أثرياء جدد» في خفض الإفادة من الإنتاج المحلي للاعتماد على الاستيراد الذي أسهم في إثراء مقربين من الحكومة. إذ إن الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا) الرسمية قالت إن الرئيس بشار الأسد أصدر قانونا قضى بإنشاء مؤسسة للحبوب تحل محل المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب. وذكرت الوكالة أن المؤسسة الجديدة، التي تحمل اسم المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب (السورية للحبوب)، ستتخذ من مدينة الحسكة بشمال شرقي البلاد مقرا لها، وسيرأسها وزير التجارة الداخلية، علما بأن للحكومة وجودا رمزياً في الحسكة، فيما الوجود العسكري والفعلي هو لحلفاء واشنطن.
واشترت المؤسسة السورية العامة لتجارة وتصنيع الحبوب 200 ألف طن من قمح البحر الأسود في أحدث مناقصة عالمية تطرحها. وأبلغ مصدر حكومي مطلع «رويترز» قبل أسبوع، أن سعر شراء القمح بلغ 252 دولارا للطن شاملا تكاليف الشحن.
وإذ يعد استيراد الحبوب مصدرا رئيسيا لإثراء عدد من رجال الأعمال في السنوات الأخيرة عبر الالتفاف على العقوبات الأميركية والأوروبية على دمشق، بدا أن الصراع بين الأطراف المتنازعة انتقل إلى قوت السوريين عبر التهام الحرائق للمحاصيل بعدما كان يتناول الجغرافيا ومناطق النفوذ.


مقالات ذات صلة

مقتل 5 أطفال جراء حريق بغرفة تخزين في إسبانيا

أوروبا صحافيون يتجمّعون خارج مبنى اندلع فيه حريق أسفر عن مقتل 5 أشخاص في مانليو بالقرب من برشلونة 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل 5 أطفال جراء حريق بغرفة تخزين في إسبانيا

قال مسؤولون، الثلاثاء، إن حريقاً اندلع في غرفة تخزين في الطابق العلوي من مبنى سكني بشمال شرقي إسبانيا، ما أسفر عن مقتل خمسة أطفال حوصروا داخل الغرفة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم العربي مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)

حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

قالت ​وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) إن شخصاً واحداً ‌لقي حتفه ‌وأُصيب ​13 ‌آخرون ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليوم ⁠الأحد.

«الشرق الأوسط» (مأرب)
أميركا اللاتينية دخان أسود يتصاعد من مصفاة نيكو لوبيز الواقعة في خليج العاصمة الكوبية هافانا جراء حريق (أ.ف.ب)

حريق بمصفاة النفط في العاصمة الكوبية هافانا

اندلع حريق، الجمعة، بمصفاة النفط في هافانا والواقعة في خليج العاصمة الكوبية.

«الشرق الأوسط» (هافانا)
المشرق العربي صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

قالت مصادر إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
آسيا رجل يتجاوز الأنقاض عقب حريق هائل اندلع في مركز جول بلازا التجاري في كراتشي (رويترز) p-circle

ارتفاع حصيلة الحريق بمركز تجاري في باكستان إلى 11 قتيلاً

قال مسؤول في الشرطة الباكستانية اليوم إن ‌عدد ‌الوفيات ⁠جرَّاء حريق ​مركز ‌تجاري في كراتشي ارتفع إلى 11.

«الشرق الأوسط» (كراتشي )

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.


مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
TT

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

كثَّفت الفرق الفنية التابعة للسلطة المحلية في مدينة عدن، حيث العاصمة المؤقتة لليمن، جهودها لمواجهة آثار الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة. وبنما تمَّ فتح عدد من الشوارع، تعمل هذه الفرق على مدار الساعة لاستكمال المهمة، وسط تحذيرات من استمرار الحالة المطرية الناتجة عن منخفض جوي.

ومع ساعات الصباح الأولى، أفاق سكان المدينة الساحلية، التي لا تشهد الأمطار إلا نادراً، على كميات غزيرة من الأمطار غمرت الشوارع الرئيسية، بينما أشرفت السلطة المحلية، على سير أعمال فتح الطرق ومنافذ تصريف المياه، حيث تولَّت الآليات شفط وتصريف مياه الأمطار في عدد من المديريات، في إطار الجهود المستمرة للتعامل مع تداعيات الحالة الجوية وتحسين مستوى الخدمات المُقدَّمة للسكان.

ونشرت السلطة فرق مؤسسة المياه وصندوق النظافة في عدد من المواقع المتضررة، حيث تولَّت عملية شفط مياه الأمطار المتراكمة في الشارع الرئيسي بمديرية المعلا، والطريق الرابط بينها وبين مديرية خور مكسر، والتي شهدت تدفقاً كبيراً للمياه؛ نتيجة هطول الأمطار.

كما انتشرت فرق ميدانية أخرى في مديرية المنصورة، وعملت على فتح انسدادات مناهل الصرف الصحي في مديرية الشيخ عثمان، ضمن خطة طوارئ تهدف إلى الحد من تجمعات المياه وإعادة فتح الطرق أمام حركة السير.

الفرق الميدانية أعادت فتح عدد من شوارع عدن (إعلام محلي)

وعلى الرغم من كميات الأمطار الكبيرة التي هطلت على المدينة، والتحذيرات من استمرارها، فإن فرق العمل واصلت مهامها حتى ساعات المساء. واطلع مسؤولو السلطة المحلية على طبيعة الأعمال المُنفَّذة والتحديات التي تواجه الفرق، وفي مُقدِّمتها كثافة المياه وتراكم المخلفات في قنوات التصريف، والتي تعيق سرعة الإنجاز.

وشدَّد المسؤولون على ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة لمواجهة أي طارئ، والتنسيق المستمر مع الجهات ذات العلاقة لضمان تصريف المياه بشكل آمن والحفاظ على سلامة السكان وممتلكاتهم.

إجراءات احترازية

أكدت السلطة المحلية في عدن، أنها سخّرت إمكاناتها الفنية والبشرية كافة، بما في ذلك مضخات الشفط وآليات النقل إلى جانب الكوادر الميدانية، للعمل على مدار الساعة في مختلف المديريات المتأثرة، داعية السكان إلى التعاون مع هذه الفرق وعدم رمي المخلفات في قنوات تصريف المياه لما لذلك من آثار سلبية على كفاءة الشبكة.

وكان وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد وجه الجهات المختصة برفع مستوى الجاهزية والاستعداد، واتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة، بالتزامن مع بدء هطول الأمطار على عدد من مديريات المدينة، في ضوء التحذيرات الصادرة عن مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر بشأن استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي لأيام عدة، والتي قد يصاحبها تدفق للسيول ونشاط للرياح.

الفرق الفنية تواصل شفط المياه وسط تحذيرات باستمرار الحالة المطرية (إعلام محلي)

وطالب محافظ عدن صندوق النظافة والتحسين، ومكتب الأشغال العامة والطرق، والدفاع المدني، ومؤسستَي المياه والكهرباء، وشرطة السير، بالعمل على الحد من المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات، وتكثيف أعمال فتح وصيانة قنوات تصريف مياه الأمطار، ورفع المخلفات من مجاري السيول، ومراجعة البنية التحتية لشبكات الكهرباء والمياه، وتنظيم الحركة المرورية في الشوارع التي تشهد تجمعات للمياه.

وأكد المحافظ اليمني أن السلطة المحلية تتابع تطورات الحالة الجوية أولاً بأول، وتعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي طارئ، والتخفيف من آثار الحالة الجوية على العاصمة عدن.

كما دعا السكان إلى الالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، وتجنب الوجود في مجاري السيول، والحذر في أثناء السير في الطرق الزلقة، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار خلال فترات هطول الأمطار والرياح المصاحبة.

فصل الكهرباء

ضمن الأعمال الاحترازية، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة، فصل التيار الكهربائي عن المناطق والمحطات التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة عدن؛ تجنباً لوقوع حالات تماس كهربائي أو كوارث تهدِّد حياة السكان.

وشدَّدت على ضرورة التنسيق مع فرق الصرف الصحي لسحب المياه المتراكمة من الأحياء المتضررة قبل إعادة الخدمة. ودعت السكان إلى أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن الأعمدة والأسلاك والمحولات الكهربائية المبتلة، مع التحذير من استمرار هطول الأمطار.

وكان «مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر»، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، قد حذَّر من أمطار رعدية غزيرة في عدد من المحافظات؛ نتيجة تأثر البلاد بأخدود منخفض جوي.

بسبب ضعف البنية التحتية تتعرض عدن موسمياً لمخاطر السيول (إكس)

وتوقَّع هطول أمطار رعدية متفرقة قد تكون غزيرةً على محافظة عدن، مع امتداد تأثير الحالة ليشمل أجزاء من الصحاري والمرتفعات والهضاب، إضافة إلى المناطق الساحلية في محافظات أبين وشبوة وحضرموت والمهرة.

ونبه المركز إلى استمرار الحالة المطرية مع ازدياد شدتها واتساع نطاقها لتشمل المرتفعات والمنحدرات الغربية، من محافظة صعدة شمالاً حتى الضالع وتعز ولحج جنوباً، مع امتدادها شرقاً إلى مأرب والجوف، وغرباً إلى السواحل المطلة على البحر الأحمر.

وطلب من السكان عدم الوجود في بطون الأودية ومجاري السيول، وتجنب السير في الطرق الطينية الزلقة، والحذر من الانهيارات الصخرية، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار.


عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
TT

عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)

كشفت سلطنة عُمان، اليوم الاثنين، بأنها تعمل على وضع ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز، غداة تهديد طهران بإغلاق المضيق بالكامل في حال استهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منشآت الطاقة في إيران.

وكتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في منشور على منصة «إكس»: «بغض النظر عن رأيك في إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. وهي تُسبب بالفعل مشاكل اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم إذا استمرت الحرب. وتعمل عُمان جاهدة على وضع ترتيبات للمرور الآمن في مضيق هرمز».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق اليوم، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات وصفها بأنها «جيدة ومثمرة» بشأن التوصل إلى تسوية شاملة للتوترات في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، في بيان، إن هذه المناقشات «المعمَّقة والبنّاءة» ستستمر طوال الأسبوع، مشيراً إلى أنه، وبناءً على «طبيعة وأجواء» هذه المحادثات، أصدر توجيهات بتأجيل أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام.

وأوضح أن هذا التأجيل يبقى «رهناً بنجاح الاجتماعات والمشاورات الجارية».

ومنح ترمب، أول من أمس، إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.