قراصنة يستخدمون أدوات سيبرانية أميركية لـ«شل» مدن وخدمات

جهات كورية وروسية وصينية استغلت برنامجاً طورته وكالة الأمن القومي

مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
TT

قراصنة يستخدمون أدوات سيبرانية أميركية لـ«شل» مدن وخدمات

مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)

على امتداد نحو ثلاثة أسابيع، رزحت بالتيمور تحت وطأة هجوم سيبراني من جانب مبتزين جمدوا آلاف الكومبيوترات وأغلقوا عناوين بريد إلكتروني وأوقفوا مبيعات عقارات وسداد فواتير مياه وخدمات الإخطارات الصحية والكثير من الخدمات الأخرى.
إلا أن أكثر ما أصاب موظفي المدينة بالإحباط، ولا يعلمه سكان المدينة بعد، هو أن عنصراً محورياً في البرنامج الخبيث الذي استغله المجرمون السيبرانيون في الهجوم جرى تطويره بأموال دافعي الضرائب على مسافة قصيرة من «بالتيمور - واشنطن باركواي» في وكالة الأمن القومي، وفقاً لما ذكره خبراء أمنيون مطلعون على القضية.
منذ عام 2017. عندما فقدت وكالة الأمن القومي السيطرة على الأداة، التي تحمل اسم «إترنال بلو»، التقطها قراصنة يعملون لحساب حكومتي كوريا الشمالية وروسيا، والصين حديثاً. وسعى هؤلاء القراصنة لإثارة حالة من الفوضى عبر العالم، وخلفوا وراءهم خسائر تقدر بمليارات الدولارات. إلا أنه على مدار العام الماضي، عاود هذا السلاح السيبراني الظهور، وبدأ الآن يستهدف جهات في الفناء الخلفي لوكالة الأمن القومي.
ولا يقتصر الأمر على بالتيمور، وإنما أفاد خبراء أمنيون أن هجمات «إترنال بلو» وصلت لمستوى مرتفع غير مسبوق، وأن مجرمين سيبرانيين يستهدفون مدناً أميركية مختلفة، من بنسلفانيا حتى تكساس، وتسببوا في إصابة حكومات محلية بالشلل ودفعوا التكاليف نحو ارتفاع شديد.
لم يُكشف النقاب عن صلة وكالة الأمن القومي بالهجمات التي تعرضت لها مدن أميركية من قبل، الأمر الذي يرجع لأسباب عدة بينها رفض الوكالة مناقشة الأمر أو الاعتراف بخسارة هذا السلاح السيبراني والذي جرى طرحه عبر شبكة الإنترنت في أبريل (نيسان) 2017 من جانب مجموعة لم تتضح هويتها حتى الآن تطلق على نفسها اسم «ذي شادو بروكرز».
وبعد سنوات، لم تنجح الوكالة ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) في توضيح ما إذا كانت «ذي شادو بروكرز» مجموعة جواسيس أجانب أو عناصر داخلية تشعر بالسخط. من جهته، وصف توماس ريد، خبير أمن سيبراني بجامعة «جونز هوبكينز»، الهجمات التي شنتها مجموعة «ذي شادو بروكرز» بأنها «الاختراق الأكثر تدميراً والأفدح تكلفة في تاريخ وكالة الأمن القومي». وأكد أنها ألحقت أضراراً أكبر عن تسريبات عام 2013 الشهيرة التي قادها إدوارد سنودين، المقاول السابق لدى وكالة الأمن القومي.
وأضاف: «رفضت الحكومة تحمل المسؤولية، أو حتى الإجابة على الأسئلة الأساسية. الواضح أن الرقابة التي يمارسها الكونغرس أخفقت في مهمتها. والآن، يستحق الشعب الأميركي الحصول على إجابة».
في المقابل، رفض كل من وكالة الأمن القومي و«إف بي آي» التعليق. فمنذ وقوع التسريبات، عمدت وكالات استخبارات أجنبية وعناصر مارقة إلى استغلال «إترنال بلو» لنشر البرنامج الخبيث الذي أصاب مستشفيات ومطارات وسككاً حديدية وشركات شحن وأجهزة صرف آلي ومصانع تنتج لقاحات بالغة الأهمية، بالشلل. والآن، بدأ هذا السلاح في ضرب الولايات المتحدة في أكثر منطقة حساسة، أي الحكومات المحلية المعتمدة على بنى تحتية متهالكة وموارد قليلة للدفاع عن نفسها.
وقبل تسريبه، كان «إترنال بلو» واحداً من أنجح أدوات الترسانة السيبرانية لدى وكالة الأمن القومي. وطبقاً لما ذكره ثلاثة موظفين سابقين لدى الوكالة اشترطوا عدم كشف هويتهم، قضى محللون قرابة عام للتوصل إلى نقطة ضعف في برنامج لـ«مايكروسوفت» ووضعوا شفرة لاستهدافها.
في البداية، أشاروا للأداة الجديدة باسم «إترنال بلوسكرين» (أي الشاشة الزرقاء) لأنها غالباً ما كانت تؤدي لانهيار الكومبيوترات، مخاطرة قد تكشف عن أهدافهم. إلا أنه بمرور الوقت، تحول إلى أداة قوية وجرى استغلالها عدة مرات في مهام جمع الاستخبارات ومكافحة الإرهاب.
وذكر مسؤولون سابقون بوكالة الأمن القومي أن «إترنال بلو» كان على درجة كبيرة من الأهمية، لدرجة أن الوكالة لم تفكر بجدية قط في تنبيه «مايكروسوفت» حيال الثغرات التي اكتشفتها، واستمرت في التكتم على الأمر لأكثر من خمس سنوات قبل أن يجبرها الاختراق الأخير على ذلك.
وجاء هجوم بالتيمور في 7 مايو (أيار) بمثابة هجوم فيروسي كلاسيكي. وفجأة ساد اللون الأسود شاشات موظفي المدينة وظهرت رسالة بإنجليزية ركيكة تطالب بنحو 100 الف دولار في صورة «بتكوين» لتحرير الملفات التي جرت قرصنتها. وقالت الرسالة التي حصلت «ذي بالتيمور صن» على نسخة منها: «نحن نراقبك منذ أيام. ولن نتحدث بعد الآن، كل ما نعرفه هو المال! أسرع!»
قبل يومين، كانت بالتيمور ما زالت تعاني من الشلل مع رفض مسؤولي المدينة دفع المبلغ المطلوب، وإن كانت بعض الخدمات قد جرت استعادتها. من دون «إترنال بلو»، لم يكن الضرر ليكون على هذه الدرجة من الضخامة، حسبما ذكر خبراء، إذ إنه يستغل نقطة ضعف في برنامج يسمح للقراصنة بنشر برنامجهم الخبيث بسرعة أكبر، وعلى مساحة أوسع.
وكانت كوريا الشمالية أول دولة تستغل الأداة في هجوم شنته عام 2017 أُطلق عليه اسم «وانا كراي»، وتسبب في إصابة نظام الرعاية الصحية البريطاني بالشلل، وكذلك خطوط السكك الحديدية الألمانية ونحو 200 ألف منظمة عبر العالم. وجاءت بعدها روسيا، التي استغلت الأداة في شن هجوم أطلق عليه اسم «نوت بتيا» استهدف أوكرانيا، لكنه انتشر عبر شركات كبرى تعمل بالبلاد. وكبد الهجوم «فيدكس» أكثر من 400 مليون دولاراً، وكذلك «ميرك» الشركة العملاقة بمجال الأدوية، 670 مليون دولار.
ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، فعلى امتداد العام الماضي استغل ذات القراصنة الروس الذين استهدفوا الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 «إترنال بلو» في إسقاط شبكات «واي فاي» بأحد الفنادق. كما استغله قراصنة إيرانيون في نشر برنامج خبيث والقرصنة ضد شركات خطوط جوية في الشرق الأوسط، تبعاً لما أفاد به باحثون في شركتي «سيمانتيك» و«فاير آي» الأمنيتين.
من ناحيته، قال فيكرام ثاكور، مدير شؤون الاستجابات الأمنية في «سيمانتيك» إنه «من المتعذر تصديق أن أداة كانت تستخدمها وكالات استخباراتية أصبحت اليوم متاحة علانية، ويجري استغلالها على نطاق واسع».
جدير بالذكر أنه بعد شهر من شروع «ذي شادو بروكرز» في نشر أدوات وكالة الأمن القومي عبر الإنترنت عام 2017، تواصلت الوكالة مع «مايكروسوفت» وعدد من الشركات التكنولوجية لإخطارها بعيوب البرنامج الخاص بها. وأصدرت «مايكروسوفت» أداة حماية، لكن تبقى مئات الآلاف من الكومبيوترات عبر العالم دونما حماية.
وعلى ما يبدو، وجد القراصنة في بالتيمور وألينتاون وسان أنتونيو وحكومات محلية أميركية أخرى نقاط ضعف تسهل مهاجمتها. في هذه الحكومات، غالباً ما يتولى موظفون عموميون الإشراف على شبكات معقدة تعتمد على برامج عفا عليها الدهر. في يوليو (تموز) الماضي، أصدرت وزارة الأمن الداخلي تحذيراً شديداً من أن حكومات ولايات وحكومات محلية تتعرض لهجمات باستخدام فيروس مدمر، بدأ في الاعتماد الآن على «إترنال بلو» للانتشار.
من ناحيتها، رفضت «مايكروسوفت» التي تتولى متابعة استخدام «إترنال بلو»، الكشف عن أسماء المدن المتضررة بدعوى حماية خصوصية المستخدم. إلا أن خبراءً آخرين مطلعين على الهجمات أكدوا أن القراصنة اعتمدوا على «إترنال بلو».
من جانبه، قال أميت سيربر، رئيس شؤون أبحاث الأمن لدى مؤسسة «سايبر سيزون»، إن المؤسسة التي يعمل بها استجابت لهجمات استخدم بها «إترنال بلو» في ثلاث جامعات أميركية مختلفة.
من ناحية أخرى، قد تكبد مثل هذه الهجمات تكاليف يصعب على الحكومات المحلية تحملها. فعلى سبيل المثال، تسبب هجوم ألينتون في فبراير (شباط) الماضي في تعطل خدمات المدينة لأسابيع وكلفت جهود إصلاح العطب نحو مليون دولاراً، إلى جانب 420 ألف دولاراً سنوياً لبناء دفاعات جديدة، حسبما ذكر ماثيو ليبرت، المسؤول الأول بالمدينة عن المعلومات.
وذكر مصدران مطلعان أن الفيروس الذي ضرب سان أنتونيو سبتمبر (أيلول) الماضي، أصاب كومبيوتر داخل مكتب عمدة مقاطعة بيكسار وحاول الانتشار عبر الشبكة باستخدام «إترنال بلو». وفي الأسبوع الماضي، اكتشف باحثون بشركة «بالو ألتو نتوركس» الأمنية أن مجموعة تابعة للدولة الصينية تدعى «إميساري باندا» اخترقت أجهزة تخص حكومات في الشرق الأوسط بالاعتماد على «إترنال بلو».
من جانبه، قال جين ميلر أوزبورن، نائب مدير شؤون استخبارات التهديدات لدى «بالو التو نتوركس»: «ليس من الضروري لدى انتهاء الموجة الأولى من الهجمات، أن تختفي الأداة. نتوقع أن يستمر استغلال «إترنال بلو» إلى الأبد لأن المهاجمين وجدوا فيها نظاماً قوياً ومفيداً».
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.