ترمب يوسع نطاق حربه «العالمية» التجارية

تهديدات الرئيس الأميركي ورسومه الجمركية لا تميّز عدواً من صديق

تعبر مئات الشاحنات يومياً الحدود المكسيكية - الأميركية.. ويهدد قرار ترمب بفرض الرسوم حرب تجارة كبرى بين البلدين (نيويورك تايمز)
تعبر مئات الشاحنات يومياً الحدود المكسيكية - الأميركية.. ويهدد قرار ترمب بفرض الرسوم حرب تجارة كبرى بين البلدين (نيويورك تايمز)
TT

ترمب يوسع نطاق حربه «العالمية» التجارية

تعبر مئات الشاحنات يومياً الحدود المكسيكية - الأميركية.. ويهدد قرار ترمب بفرض الرسوم حرب تجارة كبرى بين البلدين (نيويورك تايمز)
تعبر مئات الشاحنات يومياً الحدود المكسيكية - الأميركية.. ويهدد قرار ترمب بفرض الرسوم حرب تجارة كبرى بين البلدين (نيويورك تايمز)

المكسيك، والصين، واليابان، وأوروبا، وكندا: صراعات البيت الأبيض المتعددة تضيف مزيداً من الزخم على جهود ما بعد الحرب المعنية ببناء العلاقات الاقتصادية حول العالم؛ ففي تصعيد جديد بشأن ملف الهجرة مع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، هدد الرئيس دونالد ترمب الخميس الماضي بفرض رسوم جمركية جديدة على المكسيك. ومع ذلك، فقد أعرب الرئيس الأميركي مجددًا عن استعداده للاستعانة بالتجارة كأداة متعددة الأغراض في بلوغ أهدافه السياسية. ويدير السيد ترمب كثيراً من الصراعات التجارية على مختلف الجبهات اليوم، مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. ومطالبه، التي تظهر أول ما تظهر عبر تغريداته المتتالية، قد أثارت حالة من السخط الشديد لدى شركاء التجارة مع الولايات المتحدة.
ومن ثمانية أشهر فقط، أبرم مفاوضو الرئيس الأميركي صفقة مع المسؤولين في المكسيك وكندا، وأعلنوا أنها سوف تحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ويأتي تهديد السيد ترمب قبل موافقة الكونغرس الأميركي على الصفقة المذكورة، في إشارة للشركاء الأميركيين إلى أن النزاعات والتهديدات المستمرة باتت هي القاعدة المعمول بها في محيط التجارة العالمية - على الأقل ما دام السيد ترمب بقي ضمن أسوار البيت الأبيض.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار المكسيك هي الهدف الوحيد لتهديدات السيد ترمب. بل على العكس من ذلك، وفي واقع الأمر، إن ما يفكر الرئيس الأميركي في اتخاذه من إجراءات يتجاوز حدود أي بلد بعينه. إنه يجالد إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية على أن التجارة الحرة هي من أفضل السبل لإثراء العالم. وفيما يلي نظرة عامة على الجبهات المتعددة في حرب ترمب على العلاقات التجارية القائمة في مختلف أنحاء العالم.
- الصين
كان الصدام مع الصين هو أكبر النزاعات التجارية لدى ترمب حتى الآن، وهو النزاع الذي أفزع خبراء الاقتصاد والمستثمرين على حد سواء. ومن شأن النزاع التجاري الأميركي الصيني أن يلحق الأضرار الفادحة بما قيمته 730 مليار دولار من السلع والخدمات التي تتدفق على نحو سنوي بين البلدين الكبيرين.
وفي الوقت الراهن، ليس هناك من نهاية بادية في أفق الأحداث الجارية، فلقد انهارت المحادثات في أوائل مايو (أيار) الماضي إثر الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة للصين بشأن التراجع عن العروض المقدمة في وقت سابق من المفاوضات. وقرر السيد ترمب رفع الرسوم الجمركية من 10 في المائة إلى 25 في المائة على 200 مليار دولار على أساس سنوي من الواردات الصينية، كما هدد باستهداف المزيد من السلع والخدمات الصينية. وكان من أمر الصين أن ردّت بانتقام مماثل، وتسعى باحثة عن أساليب أخرى للرد. ومن شأن ذلك أن يعني استخدام قيمة العملة الصينية كسلاح من أسلحة الحرب التجارية أو زيادة قبضة بكين على المعادن والعمليات الرئيسية التي يعتمد العالم عليها. ويمكن للآثار أن تصبح هائلة إذا ما استمرت الحرب التجارية بين البلدين على منوالها أو اشتد أوارها. إذ تعتمد الشركات الأميركية على الصين في تحقيق حصة كبيرة من الأرباح، فضلا عن الدور الحاسم الذي تضطلع به الصين في صناعة كثير من السلع والبضائع في العالم. والصين في حاجة ماسة إلى سوق التصدير الأميركية للمحافظة على استمرار الاقتصاد قيد التشغيل، كما ترغب في الحصول على التكنولوجيات المتقدمة، مثل الرقاقات الحاسوبية والبرمجيات المتطورة من الولايات المتحدة لتعزيز عجلة التنمية الاقتصادية المحلية.
ومع ذلك، فإن صقور الحرب التجارية ضمن إدارة الرئيس ترمب يقولون إن الولايات المتحدة قد بلغت حد الاعتماد المفرط على الصين، ويرون «الفصل» ما بين البلدين على الصعيد التجاري كهدف من الأهداف المعتبرة على المدى البعيد. وشرعت كثير من الشركات الأميركية بالفعل في إعادة النظر في اعتمادها الكبير على الصين. أما بالنسبة إلى الصين، فإن أي خطوة انتقامية تُتخذ حيال الولايات المتحدة لا تهدد إلا بتسريع وتيرة تلك العملية.
- اليابان
وصف الرئيس الأميركي العلاقة بين الولايات المتحدة واليابان بأنها «التحالف الذي نعتز به»، ويقول أيضاً إنه يحظى بعلاقة عميقة ووثيقة مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي. بيد أن هذا الإطراء الدبلوماسي لم يستثنِ طوكيو من تهديداته التجارية النارية.
وعلى الرغم من إرجائه اتخاذ القرار، لا يزال السيد ترمب يقول إنه سوف يفرض الرسوم الجمركية على واردات السيارات اليابانية إلى الولايات المتحدة ما لم يتوصل الجانبان إلى اتفاق تجاري. إذ يرغب البيت الأبيض في تأمين وصول أكبر إلى السوق اليابانية للمزارعين ومربي الماشية الأميركيين. كما يرغب كذلك من شركات صناعة السيارات في اليابان في أن تبني المزيد من المصانع في الولايات المتحدة حتى يمكن تجميع المزيد من السيارات اليابانية على أيدي العمالة الأميركية.
وإبرام مثل هذه الصفقات من الأمور بالغة الأهمية بالنسبة للسيد شينزو آبي، الذي تشهد جهوده الطويلة لإحياء النمو الاقتصادي الياباني عثرات كبيرة، فضلاً عن التحديات الكبيرة التي يشكلها التباطؤ الاقتصادي في الصين، التي تعتبر المشتري الرئيسي للمعدات، والأجهزة، والسلع اليابانية. ومما يُضاف إلى الضغوط السياسية التي يرزح تحتها السيد آبي إعلان الرئيس الأميركي إرجاء مفاوضات الاتفاق التجاري الجديد مع اليابان إلى ما بعد الانتخابات العامة هناك في يوليو (تموز) المقبل.
وغرد الرئيس الأميركي عبر حسابه على «تويتر» قائلاً: «لقد أحرزنا تقدماً كبيراً في مفاوضاتنا التجارية مع اليابان. منع التركيز المزيد على قطاعي الزراعة ولحوم البقر. وهناك كثير في انتظارنا بعد انتخابات يوليو المقبل حيث أتوقع أرقاماً كبيرة!».
والانتقادات الموجهة من ترمب إزاء اليابان ليست بالأنباء الجديدة؛ فهناك تعليقات له ترجع إلى ثمانينات القرن الماضي عندما كان يعتبر آلة التصدير اليابانية الهائلة تهديدا اقتصاديا كبيرا على الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن الاشتباكات المبكرة تلك قد ساعدت في تشكيل وجهة نظره الراهنة بشأن التجارة مع اليابان.
- المكسيك
كان من المفترض بالنزاع التجاري مع المكسيك أن ينتهي. لكن يوم الخميس الماضي، أعاد السيد ترمب إثارة التوترات التجارية ضد المكسيك عبر التهديد بفرض المزيد من الرسوم الجمركية على المكسيك اعتبارا من 10 يونيو (حزيران) الحالي ما لم توقف المكسيك تدفقات المهاجرين غير الشرعيين عبر حدود البلدين إلى الولايات المتحدة.
وإذا ما دخلت تهديدات الرئيس الأميركي حيز التنفيذ الفعلي فسوف تثير عاصفة من الاضطرابات العاتية على جانبي الحدود. ويرجع الفضل جزئيا إلى الرسوم الجمركية المفروضة على الصين، إذ تعد المكسيك في الآونة الراهنة أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين على مستوى العالم، حيث تمثل أكثر من 150 مليار دولار من التجارة البينية خلال الشهور الثلاثة الأول من العام الحالي، وذلك وفقا لبيانات «أطلس التجارة العالمية» الواردة عن شركة «آي إتش إس».
وتعرضت التجارة لمعوقات كثيرة بسبب التحولات التي أدخلت على كيفية إدارة الحدود من جانب الولايات المتحدة، الأمر الذي أفضى إلى إطالة أمد الانتظار على الحدود. وتماما كما فعل الرئيس الأميركي مع اليابان، فإنه قد أطلق تهديداته كذلك بفرض الرسوم الجمركية على ورادات السيارات المصنوعة في المكسيك. وهناك عدد من المصانع الأميركية واليابانية تعمل في المكسيك، مع سلاسل التوريد التي تنطلق إلى أعماق الولايات المتحدة.
وتثير تهديدات ترمب التجارية المزيد من التساؤلات بشأن مصير اتفاقية الولايات المتحدة مع المكسيك وكندا، التي أبرمتها البلدان الثلاثة خلال العام الماضي لتحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. وكانت الولايات المتحدة قد رفعت الرسوم الجمركية بالفعل عن واردات المعادن الآتية من المكسيك وكندا كوسيلة تمهّد الطريق للمصادقة على الاتفاقية الجديدة. بيد أن الكونغرس الأميركي قد أعرب عن بعض شكوكه، مشيرا إلى أن ترمب (بصرف النظر تماما عما سوف يؤول إليه مصير النزاعات التجارية القائمة) قد تعمد تغيير فحوى المناقشة حول التجارة في الولايات المتحدة.
- أوروبا
ظلَّت احتمالات فرض الرسوم الجمركية من الولايات المتحدة تحوم في الأفق لشهور عدة في أعقاب رسوم الصلب والألمنيوم الجمركية التي فُرضت العام الماضي، وسبَّبت اهتزازات كبيرة لدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا. وأكد الرئيس الأميركي من قبل أن واردات السيارات وقطع غيار السيارات الأجنبية تلحق الأضرار بقطاع صناعة السيارات في الولايات المتحدة، كما أنها تهدد الأمن القومي في البلاد.
وصرح ترمب في مايو الماضي قائلاً: «أود القول إن الاتحاد الأوروبي يتعامل معنا بأسوأ من تعامل الصين. والفارق أنهم أصغر حجماً. إنهم يرسلون سيارات (مرسيدس بنز) خاصتهم إلى بلادنا كما لو كانت قطعاً من الحلوى».
وكان الرئيس الأميركي قد هدَّد بفرض الرسوم الجمركية بنسبة 25 في المائة على ملايين السيارات وقطع غيار السيارات الأجنبية التي تستوردها الولايات المتحدة على أساس سنوي. ومن شأن تلك الخطوة أن تلقي بظلال قاتمة للغاية على ولايات أميركية، مثل ألاباما وساوث كارولينا، وفيها مصانع كبيرة لتجميع سيارات مرسيدس بنز وبي إم دبليو الألمانيتين.
وخلال الشهر الماضي، أرجأ البيت الأبيض اتخاذ القرار بشأن فرض هذه الرسوم الجمركية، مفسحاً المجال لمدة ستة أشهر من التفاوض على صفقة تجارية تُعنى بمعالجة المشكلات القائمة.
وكانت الولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها بالفعل في المفاوضات الحالية مع الاتحاد الأوروبي الذي رفض النظر في المطالب الأميركية للسماح بدخول المزيد من المنتجات الزراعية الأميركية إلى الأسواق الأوروبية. وتقول الإدارة الأميركية إن الصفقة التجارية في غياب القطاع الزراعي لن تلقى قبولاً أبداً داخل الكونغرس الأميركي، غير أن السياسيين الشعبويين في أوروبا قد استغلُّوا بعض المنتجات والممارسات الأميركية - على غرار استخدام الكلورين في تعقيم الدجاج - كذريعة تسوغ لهم الإبقاء على الحواجز التجارية كما هي.
كما اعترضت دول مثل فرنسا وبلجيكا على الانضمام إلى المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة بسبب رفض الإدارة الأميركية المسبق في عام 2017 التوقيع على الاتفاق العالمي بشأن التغيرات المناخية. وقال زعماء التحالف الأخضر داخل البرلمان الأوروبي إنهم لن يوقعوا على الاتفاقيات التجارية مع البلدان التي رفضت المصادقة على اتفاقية التغيرات المناخية من قبل.
- كندا
في الخريف الماضي، بدا أن الرئيس ترمب قد توصل إلى تسوية بشأن الخلافات التجارية القائمة مع كندا حول اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (يوسمكا)، أو اتفاقية «نافتا» المعدلة. ومن بين أمور أخرى، من شأن الاتفاقية أن تيسر مبيعات منتجات الألبان الأميركية في الأسواق الكندية. ولكن من شأن إعلان الرئيس الأميركي يوم الخميس الماضي أن يعيق جهوده الرامية لضمان موافقة الكونغرس على الاتفاقية.
وكانت كندا في وضع غير موات ضمن الحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين. إذ تحولت إلى مركز الخلافات الدبلوماسية بعد اعتقال السلطات الكندية للسيد مينغ وانزهو، المسؤول التنفيذي الأول في شركة «هواوي الصينية للتكنولوجيا»، الذي كان مطلوباً في لائحة اتهامات بالاحتيال من جانب المسؤولين في الولايات المتحدة. ومن جانبها، وفي خطوة اتسمت بالانتقام، قامت السلطات الصينية بإلقاء القبض على اثنين من الرعايا الكنديين ووجهت إليهما اتهامات بالتجسس، كما فرضت الحكومة الصينية قيوداً جديدة على بعض المنتجات الزراعية الواردة من كندا.
وقالت كارولين ويلكينز، نائبة محافظ البنك المركزي الكندي، في بيان لها الخميس الماضي: «صعدت كل من الولايات المتحدة والصين من وتيرة النزاعات القائمة بينهما، ولقد وقعت كندا في مرمى نيران الجانبين جراء ذلك التصعيد».
وقد لمح الرئيس الأميركي من جانبه إلى أنه سوف يتدخل بشأن تسليم السيد مينغ وانزهو إلى الولايات المتحدة إن كانت تلك الخطوة سوف تساعد واشنطن على إبرام الصفقة التجارية مع بكين.
ولكن اتفاقية التجارة الجديدة لأميركا الشمالية، التي تم التوقيع عليها في الخريف الماضي، تتضمن نصّاً يُعرف باسم «بند الصين»، الذي يعتبره الكثيرون بمثابة حجر عثرة هائل الحجم من شأنه عرقلة إبرام أي صفقات للتجارة الحرة ما بين كندا والصين.
- خدمة «نيويورك تايمز»
خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

ترمب لإلقاء خطاب «حالة الاتحاد» الثلاثاء وسط انقسامات وتحديات

الولايات المتحدة​ تعزيزات أمنية حول الكونغرس استعداداً لخطاب «حالة الاتحاد» الثلاثاء (رويترز)

ترمب لإلقاء خطاب «حالة الاتحاد» الثلاثاء وسط انقسامات وتحديات

تتجه الأنظار إلى خطاب «حالة الاتحاد» الذي سيلقيه الرئيس الأميركي ترمب الثلاثاء وسط تجاذبات سياسية داخلية عميقة وتحديات خارجية.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

روبيو يشارك الأربعاء في قمة لدول الكاريبي

يدعو وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة ودول منطقة البحر الكاريبي خلال قمة إقليمية تُعقد الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين أميركا والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا... أوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز)

في تقدّم ميداني نادر... أوكرانيا تستعيد ثمانية تجمعات سكنية

قال أولكسندر سيرسكي القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، الاثنين، إن بلاده استعادت السيطرة على 400 كيلومتر مربع من ​الأراضي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)

المالكي: ليس لدي نية الانسحاب أبداً من الترشح لرئاسة الحكومة

أكد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي أنه لن يسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة الذي تعارضه الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.