زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

عودة لكتاب قديم

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي
TT

زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي

لماذا يقرر قارئ أن يتخلى عن الجديد الذي تدفع به المطابع، ويستدير للوراء ليقرأ كتاباً سبق أن قرأه؟
تتضاعف مشروعية هذا السؤال إذا ما اتفقنا على أن القارئ الشغوف من أكثر البشر وعياً بمحدودية العمر. مع ذلك، يتخلى عن فضول الاكتشاف، ويعود إلى القديم. لا بد أن لدى كل قارئ سبباً أو أسباباً تدفعه إلى تلك العودة.
على الأغلب هو يعود بحثاً عن شيء محدد تركه ذات يوم داخل هذا الكتاب؛ متعة أو فكرة. ربما يعود القارئ إلى ذكرى أيام حلوة كانت قراءة ذلك الكتاب جزءاً من حلاوتها، ويريد أن يبعث الماضي من خلاله، مثلما بعث مارسيل بروست طفولته من خلال مذاق قطعة من حلوى المادلين. البعض يعود لكتاب قديم كتمرين للذاكرة المنهارة ينصح به الأطباء.
وقد نجد في الكتاب ما كنا نبحث عنه، وقد نعود بإحباط الفشل في العثور على ما تركناه بأيدينا بين تلك الصفحات. مع ذلك، لن نرجع من الرحلة خائبين، حيث سنجد أشياء غفلنا عنها في القراءة السابقة، وقد تكون الاكتشافات الجديدة أقيم من ذكرياتنا التي عدنا من أجلها.
بالنسبة لي، عدت إلى «الأبله» مؤخراً لأنني كنت بحاجة لقراءة شيء مضمون المتعة. وبينما أمسح الغبار عن المجلدين، طالعت عبارة دوستويفسكي التي لا أذكر أنني توقفت أمامها في القراءة السابقة؛ العبارة مدونة على الغلاف الأخير لترجمة سامي الدروبي، طبعة دار «رادوغا»، فخر السلطة السوفياتية التي كانت تقتل وتعتقل الكُتَّاب الأحياء وتحتفي بكتب آبائهم الراحلين. لا تفصح الطبعة عن المصدر الذي نقلت عنه عبارات دوستويفسكي هذه: «فكرة الرواية هي فكرتي القديمة المحببة والصعبة إلى درجة أنني ظللت طويلاً لا أجرؤ على تناولها... والفكرة الرئيسية للرواية هي تصوير إنسان رائع تماماً، ولا يوجد شيء أصعب من ذلك في الدنيا، خصوصاً الآن. فكل الكتاب، وليس كتابنا فحسب، بل حتى وجميع الكتاب الأوروبيين الذين حاولوا التصدي لتصوير الإنسان الرائع تماماً، كلهم نكصوا لأن هذه المهمة لا حدود لها، فالرائع هو المثال، والمثال - سواء كان لدينا أم لدى أوروبا المتحضرة - لم يتشكل بعد».
هذه الرغبة المبدئية لدى دوستويفسكي، أو «النية المسبقة»، كانت كشفاً خاصاً في القراءة الجديدة، ولسوف أتوقف كذلك داخل المتن أمام عبارات لم أتوقف أمامها في القراءة الأولى، بينما سأستغرب ما تركه القارئ الشاب من علامات إعجاب بالقلم الرصاص أحياناً، وبالحبر أحياناً أخرى، تحت جمل وفقرات لا يكن لها القارئ الكهل ذلك الاحترام!
ثلاثون عاماً تفصل بين قراءتي الأولى للرواية والقراءة الجديدة. ومن الطبيعي أن يقع هذا الاختلاف بين القارئ الشاب والقارئ الكهل، لكن عقدة الرواية القائمة على العفة الكاملة لم تتبدد بالكامل في عتمة ذاكرة الكهل.
ميشكين الأمير الأبله، ابن السادسة والعشرين، الذي نراه للمرة الأولى في القطار عائداً بعد غياب عن روسيا لمدة أربع سنوات، كان يعالج خلالها من داء الصرع الذي حرمه من إتمام تعليمه. وبالمصادفة، يتحدث مع الشاب «روغوجين» الجالس أمامه في المقعد المقابل، ويتعارفان سريعاً، فيعرف أن روغوجين مهووس بالشابة خارقة الجمال ناستاسيا فيليبوفنا، وسنعرف من هذا اللقاء أن ميشكين سليل عائلة نبيلة منقرضة لم يبقَ منها إلا هو وإليزابيتا بروكوفيفنا، زوجة الجنرال إيبانتشن. السيدة التي يسبغون عليها لقب الجنرالة إلحاقاً بلقب زوجها على الطريقة الروسية لا تعرف ميشكين، ولم تكترث بالعلاقة العائلية التي يزعمها، فلم ترد عليه عندما راسلها من سويسرا. ومع ذلك، يغادر ميشكين القطار، ويتوجه مباشرة إلى بيت الجنرالة. يستقبله خادم بتشكك، لكنه يطمئن إليه، ثم يسلمه إلى السكرتير، قبل أن يــُسمح له بالدخول إلى الجنرال، وينجح في كسب حبه، حتى أنه يقرر إدخاله إلى نساء البيت، فيقع حبه مباشرة في قلب الجنرالة وبناتها الثلاث معاً. هذه الأسرة هي التي ستمنحه لقب أبله، توصيفاً لطريقته الساذجة وصراحته، دون أن تتخلى عن حبه. وسنراه بعد ذلك يسير على قلوب كل من يقابله من الرجال والنساء، كما يمشي المسيح على الماء. وسنلاحظ أن أحداً لم يتشكك في نسبته لعائلة نبيلة، ولا يستطيع القارئ أن يعرف درجة نبالة تلك العائلة التي تسوغ لقب «الأمير» لهذا الشاب غريب الأطوار، خصوصاً أن قريبته يُقال لها الجنرالة إلحاقاً لها بلقب زوجها، وكان الأجدر أن يكون لقبها «الأميرة»، ما دام أنها من العائلة ذاتها التي منحت ميشكين لقب الأمير.
الحب بين ميشكين وكل من يراه ينشب فجأة، وكأننا بصدد انفجار أو اشتعال حريق، ليس وقوعاً من النظرة الأولى، فغالباً ما يكون التشكك والرفض هو الشعور الأول الذي يولده مظهر الأمير المحير، ثم يتحول الموقف في لحظة يسقط فيها الستار لنرى تمثال الحب مكتملاً مبهراً؛ يجري هذا على امتداد الرواية، ابتداءً من دخوله بيت الجنرال إيفان فيدروفيتش إيبانتشن. في بداية المقابلة، بدا الرجل العسكري منزعجاً من ذلك المتطفل رث الثياب الذي اقتحمه دون موعد، لكن أتت لحظة يصورها دوستويفسكي: «فاضت فيها نظرة الأمير لطفاً وبشاشة، حتى أن الجنرال توقف، ونظر إلى ضيفه فجأة بعين جديدة. وقد تحقق كل هذا التحول في نظرته في طرفة عين»، الأمر نفسه حدث مع أسرة الجنرال، وحتى مع ناستاسيا التي اعتبرته خادماً في المرة الأولى التي طالعت فيها وجهه.
لنحمل إعجاب الرجال بالأمير بعيداً عن مجاهل الشهوة، رغم أن السرد في تصويره لانشداه واستلاب الآخرين تجاهه يبلغ أحياناً حداً مذهلاً من التباس الأحاسيس، لكن إقبال النساء عليه يجوس في عتمة هذه الغابة من المشاعر والرغبات. ولا يرفض الأمير حباً مُنح إليه، لكنه لا يقوى على حمله، فيتملص من كل وعد بالخطبة، بسذاجة أحياناً، وبالاختفاء دون تقديم تفسير أحياناً، وبترضيات عقلية متينة الحجة في أحيان أخرى، حفاظاً على الشرط الذي قامت عليه حبكة الرواية: العفة الكاملة.
هذه العقدة أشهر من أن تُنسى مهما وهنت ذاكرة القارئ، لهذا لم يعد الكهل الذي صرت إليه مهتماً بطي الصفحات سريعاً بحثاً عن استقرار الأمير مع واحدة من الجميلات اللائي أغرمن به، مثلما فعل القارئ الشاب ذات يوم.
لقد قام دوستويفسكي بالتأسيس لعفة ميشكين مبكراً؛ في بداية الرواية خلال ثرثرته مع روغوجين في عربة الدرجة الثالثة من القطار الذي أقله إلى بطرسبرغ؛ يسأله روغوجين:
ـ قل لي أولاً، يا أمير، أأنت تحب الجنس اللطيف كثيراً؟
ـ أنا؟ لا! يجب أن أقول لك. لعلك لا تعلم. ولكنني بسبب مرضي الولادي لم أعرف النساء قط.
ـ إذا كان الأمر كذلك، يا أمير، فأنت عبيط حقاً! والله يحب أمثالك!
رغم هذا الكشف المبكر، لا يمكن لقارئ شاب أن يأخذ اعتراف ميشكين على محمل الجد. في الشباب، نحب أن نرى العالم على شاكلتنا، نحب أن يلقى الخيرون الحب الذي نتطلع إليه لأنفسنا. وقد كنت في القراءة الأولى مثل مشاهد السينما الغرير الذي يصرخ محذراً البطل الطيب من الشر المتربص به.
ناستاسيا فيليبوفنا، صاحبة الجمال الصاخب، معذبة رجال وشباب مجتمع بطرسبرغ الراقي، تجثو تحت قدميه؛ الجنرالة إيبانتشين وبناتها الثلاث يقعن في غرامه، لكن هذه السحابة من الأنوثة في بيت إيبانتشين ستتوافق على أن يكون المطر آجلايا الصغيرة الأكثر فتنة بينهن، ويتصرفن على أن خطبته لآجلايا أمر مفروغ منه. وأكاد أهتف به: انجز أيها الأبله! إن كنت تخشى ناستاسيا صاحبة الماضي المعقد مع كافلها ومربيها، فها هي فاكهة بيت إيبانتشين في انتظارك، لا تخذلها!
لكنه لم يفعل. وبقي في قلب كل امرأة بالرواية شيء من الأبله، لكن المصير الأكثر بؤساً كان للفتاتين الأجمل اللتين تعلقتا به تعلقاً جنونياً، فناستاسيا يقتلها روغوجين، وآجلايا تتشرد في باريس مع محتال بولندي، بينما يرتد هو إلى درجة المرض الشديد، ويعود إلى عيادة الدكتور شنايدر، نراه ذاهلاً عن كل شيء، وآخر من نراه يزوره في المصحة، ويتقطع قلبه ألماً عليه، هي إليزابيتا بروكوفيفنا التي تعرف أن مأساة ابنتها تنبع من سحر هذا الشاب الأبله الذي عاش مشفقاً على الآخرين، معتمداً على شفقتهم في الوقت ذاته، وكأنه هبط على ذلك المجتمع المستقر في مسراته الناقصة المضجرة، المتصالح على دناءاته، ليفرض عليه معتقده الخاص الذي تصرح به الرواية نصاً: «الشفقة هي القانون الأساسي، وربما القانون الوحيد الذي يحكم الوجود الإنساني». لكن ما أرادته النساء كان الحب، لا الشفقة؛ لقد أحببنه كرجل، وليس كروح، وقد نبهه روغوجين إلى هذه الحقيقة في لحظة مكاشفة، لكنه حتى النهاية لم يتصرف كرجل؛ ولهذا لم يرَ لحظة سعادة، ولم يمنحها لامرأة.
الأكثر من ذلك، لا توجد لحظة سعادة واحدة يمنحها رجل آخر لامرأة أخرى في الرواية، أو العكس، وكأن الألم - لا الشفقة - هو القانون الأساسي للوجود.
بوسعنا أن نُسمي روايات كثيرة مجيدة بعد «الأبله» تمتثل لنظرية فرويد في التحليل النفسي التي تتحدث عن نزعة تدميرية ينطوي عليها الجنس؛ من رواية د. ه. لورانس «عشيق الليدي شاترلي» إلى نوفيلا توماس مان «الموت في البندقية» ونوفيلا ياسوناري كاواباتا «الجميلات النائمات»، إلى رواية «الوله التركي» لأنطونيو غالا، لكن دوستويفسكي الذي جاء إلى الحياة قبل فرويد بخمسة وثلاثين عاماً يقف في الجانب الآخر تماماً، ليقول إن العفة الكاملة ظلمة يكتنفها الموت ونزعة التدمير.
وبسبب نزعة التدمير هذه، ربما يصعب الحديث عن ميشكين بوصفه «إنساناً رائعاً من كل الوجوه»، لكن روعة الرواية مؤكدة، ولا يمكن الإحاطة بدروسها الجمالية، ولا مراميها الفكرية التي تبدو لا نهائية، ونسميها رواية فحسب لأننا يجب أن نُسمي الأشياء لكي نُقرِّبها من الأذهان، لكن المحيط ليس مجرد لجة من الماء، ولا يتخذ معناه بالكامل إلا لدى من يرتاده، ويرى ظلمة ليله ولحظات الإشراق فوقه، وتوحش حيتانه وموجه العارم المهدِدِ في كل لحظة.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.