لا تشتروا هواتف «الجيل الخامس»

شبكات الاتصالات الجديدة لا تزال قيد الإنشاء وأجهزتها كبيرة وغير فعالة

لا تشتروا هواتف «الجيل الخامس»
TT

لا تشتروا هواتف «الجيل الخامس»

لا تشتروا هواتف «الجيل الخامس»

في الأشهر القليلة المقبلة، ستبدأ الشركات المزودة للخدمات اللاسلكية بصرعكم بالإعلانات التي تحدّثكم عن مدى روعة شبكات الجيل الخامس للاتصالات. قد تكون هذه الشركات رائعة فعلاً يوماً ما، ولكنها حتى اليوم ليست سوى تفاهة تسويقية، وفقا لموقع «ذا واير كاتر» المتخصص في اختبار التقنيات ضمن صحية «نيويورك تايمز». وسيشعر المزوّدون بسعادة عارمة لبيعكم هاتفاً مزوّداً بخدمات الجيل الخامس خلال العام الجاري، ولكم يجب ألّا تسمحوا لهم بذلك.

- إزالة الالتباس
يسود الكثير من الالتباس حول ماهية تقنية الـ5G وما يمكن أن تفعله. تتطلّب تقنية الجيل الخامس الحقيقية شبكة خلوية جديدة وهواتف جديدة. وللتذكير فقد احتاجت خدمة الجيل الرابع 4G-LTE إلى بضع سنوات قبل أن تقدّم تجربة أفضل من خدمة الجيل الثالث. أمّا بالنسبة لخدمة الجيل الخامس 5G، فستحتاج لوقت أطول.
ما الذي تفعله خدمة 5G؟ عندما تصبح خدمات الجيل الخامس متوفّرة على نطاق واسع، ستوفر الشبكة سرعات أكبر لإرسال البيانات. ويقول مايكل ثيلاندر، مدير شركة «سيغنال ريسرتش» أنّ خدمة الجيل الخامس ستتيح للمزودين استخدام الشبكة في تطبيقات جديدة لافتاً إلى أنّ «بعض هذه التطبيقات قد يتطلّب استجابة شديدة السرعة بينما قد تتطلّب أخرى دقّة عالية، وخدمة الجيل الخامس ستمكّنكم من القيام بهذه الأشياء في السنوات المقبلة».
ورأى ثيلاندر أنّ تقنية الـ5G قد تحوّل تطبيقات الوقت الحقيقي كالواقع الافتراضي الخلوي والواقع المعزز والسيارات الذاتية القيادة إلى حقيقة. كما أنّ تزايد سرعة البيانات قد تعني أنّ مودم جهازكم لا يحتاج إلى البقاء في وضع التيقظ أثناء تحميل ملفات كبيرة الحجم، لأنكم عندما تنضج خدمة الجيل الخامس، سترون فوائد خدمة البطارية.
لا يصبّ المزودون جهودهم اليوم على خدمة الجيل الخامس لأنها تجارة مربحة فحسب، بل لأنها ستفسح المجال أمام مزيد من الأجهزة والخدمات على شبكاتهم. لا شكّ أنّ الجميع مرّوا بتعقيد اتصالات LTE في الأماكن المكتظة كالمهرجانات والمدرجات الرياضية، ولكنّ يقال إنّ خدمة الجيل الخامس تدعم عدداً أكبر من المستخدمين في وقت واحد.
علاوة على ذلك، ستدخل تقنية 5G أخيراً إلى المنازل كبديل للكابل والـDSL للاتصال بالإنترنت. وتجدر الإشارة إلى أنّ شركة «فرايزون» بدأت حقّاً بتجربة شبكة منزلية 5G زائفة.

- أعباء هواتف الجيل الخامس
لماذا تعتبر تقنية الـ5G غير مهمّة في 2019؟ إن إطلاق هواتف 5G خلال العام الجاري سيكون أكثر صعوبة وثقلاً ومحمّلاً بأعباء خدمة البطاريات السيئة مقارنة بهواتف ـ4G، والسبب في ذلك هو أنّ الموجة الأولى من هواتف الجيل الخامس ستحتاج جميعها إلى مودم 5G منفصل متعطّش للطاقة بالإضافة إلى رقاقة تتولّى أمر المعالجة والرسومات واتصال الـ4G-LTE. ويتطلّب التمسّك باتصال الـ5G أيضاً عدداً أكبر من الهوائيات مما قد يؤثر على حجم الهواتف الذكية.
يأتي هاتف سامسونغ غالاكسي 10 5G بشاشة عملاقة بمقاس 6.7 بوصة وإطار أكثر سماكة من إصدارات S10 الأخرى لأنّه يجب أن يكون مجهّزاً بأدوات الجيل الخامس وببطارية أكبر حجماً. هذا فضلاً عن أنّ جميع الأدوات الإضافية ستؤدي إلى رفع سعر جهاز يُعرف أصلاً بسعره الباهظ.
ولأنّ التضحيات مطلوبة لإنجاح الجيل الأوّل من خدمة الـ5G، سيحرص مزوّدو الخدمات وصانعو الأجهزة على تقديم خيارات شبيهة لخدمة 4G، لذا لن تحتاجوا، في الوقت الحالي على الأقلّ، إلى استبدال هاتفكم بآخر أحدث للحصول على خدمة الجيل الخامس وامتلاك أفضل وأحدث الأجهزة. قد يكون هاتف غالاكسي S10 5G من أوائل هواتف الـ5G التي ستدخل إلى الأسواق، ولكنّ كلّ مزوّد يملك نسخة أرقّ وأصغر حجماً بخدمة الجيل الرابع من هذا الهاتف. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هواتف الـ5Gستكون مقفلة ولن يستخدمها إلا مزوّدوها؛ وحتى لو تمكنتم من فكّ قفلها على هواتف الـ4G، لن تعمل موجات راديو الـ5G على تردّدات مزوّدي الخدمة الآخرين. في المقابل، أصبحت تقنية الـ4G عالمية بفضل دعم معظم الهواتف لنطاقات LTE المنتشرة.
لن تروا أي تحسّن في أدوات الجيل الخامس قبل 2020 مع وصول المودم الجديد من شركة كوالكوم الذي سيدمج تقنيتي الـ4G و5G في رقاقة واحدة ستساهم في توفير الطاقة وخفض أسعار الهواتف. هذا فضلاً عن أنّ إطلاق الهوائيات الأصغر حجماً إلى جانب رقاقة X55 سيساهم في تصغير حجم الأجهزة.

- عدم جاهزية الشبكة
تتمتع خدمة الجيل الخامس بإمكانية تقديم اتصالات أسرع بكثير من خدمة LTE لأنّها تملك تقنيات شبكية جديدة وتعتمد على إرسالات بترددات عالية جداً، ولكنّها لا تخلو طبعاً من بعض العيوب.
في الولايات المتحدة، بدأ بعض مزودي الخدمة مثل شركات ـ«إي.تي. & تي». وفرايزون بإطلاق خدماتهم الخاصة لتقنية الجيل الخامس بإرسالات تعرف بموجات المليمتر (mmWave)، التي تفوق خدمة 4G-LTE ارتفاعاً بـ10 - 100 مرّة. صحيح أنّ هذا الإرسال يتمتّع بمساحة كبيرة للبيانات، ولكنّ موجات المليمتر لا تمرّ عبر العوائق بسلاسة، إذ يمكن حجب إرسال الـ5G ولو حتى بيدكم.
لذا، حتى ولو كانت هواتف الـ5G تستحق عناء شرائها، لن تكون الشبكات جاهزة لذلك. سيحتاج مزوّدو الخدمة إلى بناء بنية تحتية ذات كلفة أعلى بكثير لدعم خدمة الجيل الخامس. ولأنّ الإرسالات سهلة الإعاقة، لن يتمكّن المزوّدون من تحديث المواقع الخلوية القائمة التي تضمّ هوائيات تقنية الـLTE.
تحتاج شبكة الـ5G إلى أبراج أكثر لتغطية المناطق نفسها التي تغطيها مظلّة الـLTE اليوم إلى جانب تردّدات أقلّ قادرة على عبور الحواجز وفي داخل المباني، والتي لن يحصل عليها معظم المزوّدين قبل عامي 2020 و2021.
يملك كلّ واحد من مزوّدي الخدمات لائحة تضمّ عشرات المدن التي ستحصل على تغطية الجيل الخامس بشكل ما هذا العام، ولكنّ هذه التغطية لن تعمل إلّا في الأماكن المفتوحة في البداية لأنّ الجدران تحجب إرسالات موجة المليمتر.
قد تحصل أماكن الاستضافة الكبرى كالمدرجات الرياضية ومراكز المؤتمرات على شبكات 5G داخلية خلال عام أو اثنين، ولكن منزلكم أو مكتبكم سيحتاج إلى أجهزة خاصة لاستخدام هذه التقنية في الداخل، ولكنّ الحصول عليها لن يكون في وقت قريب.
أعلن بعض المزوّدين كـ«تي - موبايل» عن خطط لإضافة نطاقات بترددات منخفضة لتغطية خدمة الجيل الخامس والتي من شأنها أن تساعد في حلّ مشكلة حجب الإرسال، ولكنّ أيا من هواتف الـ5G الجيل الأوّل لن تدعم هذه النطاقات. من جهتها، تتحضّر شركة «سبرينت» للحصول على نطاقات فرعية Sub - 6 لخدمة الجيل الخامس هذا العام، ولكنّ هذه الترددات التي تشبه نطاقات الـLTE إلى درجة بعيدة لن تستطيع حمل كمّ البيانات نفسه الذي تحمله موجة المليمتر. ولهذا السبب تحديداً، يبدأ معظم إطلاقات الـ5G بموجة المليمتر.

- لا تقتنوا هواتف 5G
صحيح أن خدمة الجيل الخامس قد تكون فاعلة خلال سنوات قليلة، ولكنّ ولا واحد من الأجهزة التي ستصبح متوفرة خلال العام الجاري تستحق الانتظار، لأنها ببساطة ستكون كبيرة الحجم وغير فعالة وباهظة.
وحتى لو قررتم شراء هاتف بتقنية الجيل الخامس، فإنه لن يعمل في أماكن كثيرة. لا يزال مزوّدو الخدمات على بعد سنوات من بناء شبكات 5G تؤمن تغطية شبكة 4G نفسها، غير أنّ تقنية الجيل الخامس لن تكون فعالة في الداخل دون أجهزة إضافية للشبكات الداخلية، ما يعني أنّ التجربة التي تقدّمها شبكة الجيل الرابع ستكون أفضل في المستقبل القريب.
لهذا السبب، من الأفضل ألا تبتاعوا هاتفاً بتقنية الجيل الخامس إلّا في حال كانت هذه الأخيرة خياراً ثانوياً، وفي حال عدم توفّر المزيد من «النسخات المميزة» من إصدارات الـ5G من الهواتف الشهيرة.
وأخيرا ملاحظة مهمة: يبلغ سعر إصدار الـ5G من هاتف سامسونغ غالاكسي 10 1.39 مليون وون في كوريا الجنوبية، أي ما يعادل 1200 دولار أميركي بحسب سعر الصرف الحالي. أمّا بالنسبة لسعره في الولايات المتحدة، فلم يتمّ الإعلان عنه حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

تُظهر دراسة أن الروبوتات يمكنها تعلم مهارات حركية معقدة من بيانات غير مكتملة ما يفتح آفاقاً جديدة لتدريب الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

خاص الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للحوسبة الكمومية فك أعقد تشفير للبيانات في ثوان، ويسعى "كروم" لتغيير جذري ضد ذلك

كيف تعيد «غوغل» و«ميتا» صياغة مستقبلنا الرقمي؟

في وقت يتسارع فيه الزمن التقني نحو آفاق غير مسبوقة، لم تعد كبرى شركات التقنية تكتفي بتقديم خدمات تقليدية، بل باتت تخوض صراعاً مزدوجاً: الأول «دفاعي»

خلدون غسان سعيد (جدة)

أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
TT

أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)

أصبح بإمكان مستخدمي «جيميل» (Gmail) من «غوغل» أخيراً تغيير عناوين بريدهم الإلكتروني دون الحاجة إلى إنشاء حساب جديد أو فقدان بياناتهم، في خطوة تمثل تحولاً ملحوظاً في واحدة من أكثر خدمات الإنترنت ثباتاً خلال العقدين الماضيين.

لطالما ارتبط عنوان البريد الإلكتروني في «جيميل» بهوية المستخدم الرقمية بشكل شبه دائم. فمنذ إطلاق الخدمة، كان تغيير العنوان يعني عملياً بدء حساب جديد من الصفر، مع ما يتطلبه ذلك من نقل الرسائل، وتحديث الحسابات المرتبطة، وفقدان جزء من التاريخ الرقمي. هذا القيد جعل الكثير من المستخدمين عالقين بعناوين قديمة لا تعكس هويتهم الحالية، سواء لأسباب مهنية أو شخصية.

ميزة تغيّر المعادلة

بدلاً من إنشاء حساب جديد، يمكن للمستخدم تعديل عنوانه مع الاحتفاظ بكامل بياناته، بما في ذلك الرسائل والملفات المخزنة وسجل النشاط عبر خدمات «غوغل» المختلفة. والأهم أن العنوان القديم لا يختفي بالكامل، بل يتحول إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل، ما يخفف من مخاطر فقدان التواصل مع جهات قديمة.

من الناحية التقنية، تبدو الخطوة بسيطة، لكنها تعكس تغييراً أعمق في كيفية تعامل المنصات مع الهوية الرقمية. فالبريد الإلكتروني لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح مفتاحاً للدخول إلى منظومة واسعة من الخدمات أي من التخزين السحابي إلى الاشتراكات والتطبيقات المختلفة. وبالتالي، فإن فصل الهوية عن عنوان ثابت يمثل إعادة تعريف لطبيعة الحساب نفسه.

تتيح «غوغل» أخيراً تغيير عنوان «جيميل» دون الحاجة إلى إنشاء حساب جديد أو فقدان البيانات (شاترستوك)

مرونة ببعض القيود

الميزة لا تتيح تغييرات متكررة، إذ يُتوقع أن يكون تعديل العنوان محدوداً بفترات زمنية معينة، ما يشير إلى محاولة الموازنة بين المرونة والاستقرار. كما أن تغيير العنوان داخل «جيميل» لا يعني تحديثه تلقائياً في الخدمات الخارجية، حيث سيظل على المستخدم تعديل بياناته في المواقع والتطبيقات المرتبطة بشكل يدوي.

إلى جانب ذلك، تبرز اعتبارات أمنية. فإمكانية تغيير عنوان البريد قد تفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة تتعلق بالاحتيال أو انتحال الهوية، خصوصاً إذا لم يكن المستخدمون على دراية بالتغيير. وهذا يضع مسؤولية إضافية على المنصات لتوضيح آليات التغيير، وعلى المستخدمين متابعة حساباتهم المرتبطة بعناية.

رغم هذه التحديات، تأتي الخطوة في سياق أوسع يشير إلى تحول تدريجي في إدارة الهوية الرقمية. فمع توسع استخدام الإنترنت في مختلف جوانب الحياة، أصبح من الضروري أن تعكس الحسابات الرقمية تطور المستخدمين، بدلاً من أن تظل ثابتة كما كانت عند إنشائها لأول مرة.

استمرارية الهوية الرقمية

يمكن قراءة هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى شركات التكنولوجيا نحو جعل الحسابات أكثر مرونة واستمرارية، بدلاً من ربطها بعناصر جامدة يصعب تغييرها. وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر فقط بتحسين تجربة المستخدم، بل بإعادة بناء العلاقة بين المستخدم والمنصة على أساس قابل للتكيف.

في النهاية، قد تبدو القدرة على تغيير عنوان البريد الإلكتروني تفصيلاً صغيراً مقارنة بالتطورات الكبرى في عالم التكنولوجيا، لكنها تمس جانباً أساسياً من تجربة المستخدم اليومية. فهي تعالج مشكلة استمرت لسنوات، وتفتح الباب أمام تصور جديد للهوية الرقمية أقل ارتباطاً بالثبات، وأكثر قدرة على التغير مع الزمن.


«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
TT

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

تدعم نظارات «ميتا» الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام، لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية، واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

لطالما بقيت النظارات الذكية تقنية متقدمة، لكنها غالباً بعيدة عن الاستخدام اليومي الفعلي، لسبب بسيط، وهو أن معظم الناس الذين يرتدون نظارات يحتاجون إلى تصحيح البصر. ومن دون معالجة هذه النقطة، تبقى أي تقنية قابلة للارتداء محدودة الانتشار.

تحاول شركة «ميتا» تغيير هذا الواقع، عبر تطوير جيل جديد من النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمصممة منذ البداية لاستيعاب العدسات الطبية، تسعى الشركة إلى مواءمة التكنولوجيا مع أحد أبسط متطلبات الرؤية.

عنصر أساسي في التصميم

في الإصدارات السابقة، كانت العدسات الطبية تُعامل غالباً كإضافة لاحقة، يتم تكييفها مع التصميم بدلاً من دمجها فيه. أما في النماذج الجديدة، فقد أصبحت جزءاً من التصميم الأساسي، حيث تم تطوير الإطارات لتناسب مجموعة واسعة من درجات النظر. هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً فحسب. فمع اعتماد مليارات الأشخاص حول العالم على النظارات الطبية، فإن أي جهاز لا يراعي هذا الاحتياج سيبقى خارج الاستخدام اليومي. ومن خلال دمج التصحيح البصري في التصميم، تحاول «ميتا» تحويل النظارات الذكية من منتج تقني إلى أداة يومية.

تستمر النظارات في تقديم مجموعة من الوظائف المعروفة، كالتواصل دون استخدام اليدين، والتقاط الصور وتشغيل الصوت والتفاعل مع مساعد ذكي. لكن الجديد هنا لا يكمن في الوظائف بحد ذاتها، بل في توسيع نطاق المستخدمين المحتملين. فبدلاً من أن تكون هذه النظارات خياراً إضافياً، تصبح قابلة للاستخدام بديلاً مباشراً للنظارات التقليدية. وهذا يغيّر طبيعة التبني من تجربة تقنية إلى جزء من الروتين اليومي.

توسيع قاعدة المستخدمين لا يعتمد فقط على التقنية بل على توافقها مع احتياجات الحياة اليومية (ميتا)

سوق تنمو... وتحديات قائمة

يأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه سوق النظارات الذكية نمواً متزايداً، مع دخول شركات تقنية كبرى واستكشافها لهذا المجال. لكن التحديات الأساسية لا تزال قائمة. من الناحية التقنية، لا تزال قيود، مثل عمر البطارية، وقدرة المعالجة، والاتصال تؤثر على الأداء. أما من ناحية المستخدم، فالتحدي الأكبر يكمن في مدى اندماج هذه الأجهزة في الحياة اليومية دون إحداث احتكاك. كما أن إضافة العدسات الطبية تعالج جزءاً من المشكلة، لكنها لا تقدم حلاً كاملاً.

تعتمد قيمة النظارات الذكية إلى حد كبير على كيفية استخدامها. تُعد الوظائف الحالية مثل التقاط الصور والحصول على معلومات أو التفاعل مع الرسائل مفيدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الضرورة اليومية لمعظم المستخدمين. في المقابل، تظهر إمكانات أوضح في الاستخدامات المتخصصة، مثل مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية على فهم محيطهم. هذه التطبيقات تعكس قدرة حقيقية للتقنية، لكنها لا تزال محدودة من حيث الانتشار.

نجاح النظارات الذكية يعتمد على تكامل التجربة بين العتاد والبرمجيات والذكاء الاصطناعي (ميتا)

الخصوصية... العامل الحاسم

إلى جانب التحديات التقنية، تبقى مسألة الخصوصية من أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل هذه الأجهزة. فالقدرة على التقاط الصور أو الفيديو بشكل غير ملحوظ تثير تساؤلات حول الموافقة والرقابة، خصوصاً في الأماكن العامة. هذه المخاوف لا تتعلق بالقوانين فقط، بل بكيفية تقبل المجتمع لمثل هذه الأجهزة. وقد يكون هذا العامل الاجتماعي أكثر تأثيراً في تبني التكنولوجيا من أي تطور تقني بحد ذاته.

من جهاز إلى منصة

تعكس هذه الخطوة تحولاً أوسع في كيفية تقديم الأجهزة القابلة للارتداء. فبدلاً من التركيز على العتاد فقط، تتجه الشركات نحو بناء منظومات متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والخدمات. في هذا السياق، لا تمثل العدسات الطبية مجرد تحسين بصري، بل تصبح جزءاً من محاولة أوسع لتقليل الحواجز بين المستخدم والتكنولوجيا، وجعلها أكثر اندماجاً في الحياة اليومية.

لا تعني هذه التطورات أن النظارات الذكية أصبحت منتجاً ناضجاً بالكامل. لكنها تمثل خطوة نحو جعلها أكثر واقعية وقابلية للاستخدام.

فمن خلال معالجة أحد أهم العوائق العملية، تقترب «ميتا» من تحويل الفكرة إلى منتج يومي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الأجهزة مرتبطاً بعوامل أوسع، تشمل القبول الاجتماعي، والقيمة الفعلية للمستخدم، وتطور التجربة. قد يكون إدخال العدسات الطبية خطوة ضرورية لكنها ليست كافية بمفردها لجعل النظارات الذكية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.


لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
TT

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية يدور حول وعود مستقبلية أو تحولات مفاجئة، بل بات أقرب إلى مسار تطور تدريجي يعيد تعريف كيفية فهم المرض وعلاجه وإدارة الأنظمة الصحية. ففي عام 2026، تتجه الصناعة نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتحول البيانات من مجرد مورد داعم إلى بنية أساسية تقود القرارات والابتكار.

هذا التحول لا يقوم على تقنية واحدة، بل على تقاطع عدة اتجاهات كتكامل البيانات وتطور النماذج التحليلية وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، وظهور بيئات تنظيمية تسمح بتجريب هذه التقنيات دون الإخلال بالمعايير.

يتوسع دور الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءاً من دعم القرار السريري وتحسين دقة التشخيص والعلاج

من بيانات متفرقة إلى منظومات متكاملة

أحد أبرز التغيرات يتمثل في كيفية التعامل مع البيانات الصحية. فبدلاً من الاعتماد على مصادر منفصلة، يتجه القطاع نحو دمج تدفقات متعددة تشمل الجينوم، والتصوير الطبي والسجلات السريرية والبيانات الناتجة عن الأجهزة القابلة للارتداء.

هذا التحول نحو البيانات المتعددة الوسائط لا يهدف فقط إلى زيادة حجم المعلومات، بل إلى وضعها في سياق متكامل يسمح بفهم أعمق للحالة الصحية لكل مريض. ومع تزايد هذا التكامل، تصبح هندسة البيانات نفسها عاملاً حاسماً في نجاح التحليل، وليس مجرد خطوة تقنية في الخلفية.

في الوقت نفسه، يتوسع دور الذكاء الاصطناعي من كونه أداة تحليل إلى شريك في اتخاذ القرار. فأنظمة دعم القرار السريري المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحسين دقة التشخيص وتقديم توصيات علاجية أكثر تخصيصاً، مدعومة ببيانات واسعة النطاق. لكن هذا لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة توزيع الأدوار. فالأنظمة الذكية تبرز المخاطر وتقدم الخيارات، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. هذا التوازن بين الأتمتة والحكم البشري يشكل أحد ملامح المرحلة الحالية في تطور الرعاية الصحية.

الرعاية تتجاوز المستشفى

من التحولات اللافتة أيضاً انتقال الرعاية الصحية تدريجياً من المؤسسات إلى المنازل. فمع تزايد استخدام أجهزة إنترنت الأشياء وتقنيات المراقبة عن بُعد، أصبح من الممكن متابعة المرضى بشكل مستمر، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة. هذه النماذج الجديدة لا تقتصر على تقليل التكاليف، بل تهدف إلى تحسين النتائج الصحية من خلال التدخل المبكر. ومع ذلك، لا تزال هذه المقاربات في مراحل التوسع التدريجي، حيث يتم اختبارها عبر مشاريع تجريبية قبل تعميمها على نطاق واسع.

يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الأدوية وتحسين كفاءة التجارب السريرية (شاترستوك)

تسريع الابتكار عبر بيئات تنظيمية مرنة

في موازاة ذلك، بدأت الجهات التنظيمية تلعب دوراً أكثر مرونة في دعم الابتكار. إذ ظهرت بيئات تجريبية تسمح باختبار نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات اصطناعية أو محاكاة، ما يسرّع عملية التحقق دون تعريض خصوصية المرضى للخطر. هذا النهج يعكس تحولاً في طريقة تنظيم القطاع، من نموذج يعتمد على الموافقة المسبقة فقط، إلى نموذج يوازن بين التجريب والرقابة.

على مستوى البحث العلمي، تبرز تقنيات جديدة مثل التعلم الآلي الكمي، التي تُستخدم لتحسين التنبؤ بسلامة الأدوية في مراحل مبكرة. هذه الأدوات قد تقلل من معدلات الفشل في التجارب ما قبل السريرية، وهو أحد أكبر التحديات في تطوير الأدوية. إلى جانب ذلك، يساهم الذكاء الاصطناعي في تحليل التفاعلات الجزيئية وتسريع اكتشاف المركبات الدوائية، ما يقلص الوقت والتكلفة في المراحل الأولى من البحث.

بعيداً عن الاستخدامات الطبية المباشرة، يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي في العمليات الإدارية والتشغيلية. فبحلول عام 2026، يُتوقع أن تعتمد المؤسسات الصحية بشكل متزايد على أنظمة ذكاء اصطناعي لإدارة مهام مثل الفوترة، وسير العمل، وتحسين الكفاءة. هذا التوجه يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة متخصصة، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية اليومية، على غرار الأنظمة السحابية أو إدارة علاقات العملاء.

تتزايد أهمية الرعاية الصحية المنزلية المدعومة بالمراقبة عن بُعد وتقنيات إنترنت الأشياء (شاترستوك)

جودة البيانات... العامل الحاسم

رغم هذا التوسع، تبرز حقيقة أساسية: نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات. فحتى أكثر النماذج تقدماً لا يمكنها تقديم نتائج دقيقة إذا كانت البيانات غير مكتملة أو غير متسقة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على جمع بيانات عالية الجودة، وربطها بشكل متكامل، عاملاً حاسماً في تحديد الجهات القادرة على تحقيق قيمة حقيقية من هذه التقنيات.

وكما هو الحال في أي تحول رقمي، لا تخلو هذه التطورات من تحديات. فزيادة الاعتماد على البيانات تثير قضايا تتعلق بالخصوصية، وأمن المعلومات، وإمكانية إساءة الاستخدام. ولهذا، يترافق التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي مع استثمارات موازية في الحوكمة والامتثال، لضمان تحقيق الفوائد دون تعريض النظام لمخاطر جديدة.

نحو نموذج جديد للرعاية الصحية

ما يتضح من هذه الاتجاهات هو أن قطاع الرعاية الصحية لا يشهد ثورة مفاجئة، بل تحولاً تدريجياً يعيد بناء أسسه. فبدلاً من الاعتماد على تدخلات متأخرة، يتجه النظام نحو الوقاية والتنبؤ، مدعوماً ببيانات متكاملة ونماذج تحليلية متقدمة.

في هذا النموذج، لا تكون البيانات مجرد سجل للماضي، بل أداة لتوقع المستقبل. ولا يكون الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الإنسان، بل امتداد لقدراته.

وبينما لا تزال العديد من هذه التحولات في مراحلها الأولى، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً: مستقبل الرعاية الصحية سيُبنى على البيانات، لكن قيمته الحقيقية ستعتمد على كيفية استخدامها.