عطية الأوجلي: السلطة في ليبيا تفتتت على مجموعات متصارعة والحل في المصالحة

وزير الثقافة في أول حكومة للثوار تحدث لـ {الشرق الأوسط} عن الفيدرالية والإسلاميين والعزل السياسي

عطية الأوجلي: السلطة في ليبيا تفتتت على مجموعات متصارعة والحل في المصالحة
TT

عطية الأوجلي: السلطة في ليبيا تفتتت على مجموعات متصارعة والحل في المصالحة

عطية الأوجلي: السلطة في ليبيا تفتتت على مجموعات متصارعة والحل في المصالحة

أكد الوزير الليبي السابق، عطية الأوجلي، على حاجة بلاده الضرورية للمصالحة، لكنه قال إنه يجب أن يسبقها حوارات لتحديد ما تعنيه، ومن هم أطرافها وشروطها وعلاقتها بالعدالة وبانتهاكات الحقوق. وشدد الأوجلي، الذي كان وزيرا للثقافة والمجتمع المدني في أول حكومة يشكلها الثوار بعد أيام من الانتفاضة المسلحة ضد حكم العقيد الراحل معمر القذافي، على أن ليبيا لا توجد فيها جهة واحدة تمتلك أو تحتكر صناعة القرار، وأن السلطة تفتتت على مجموعات تتصارع فيما بينها.
وقال الوزير السابق في حوار مع «الشرق الأوسط» إن قانون «العزل السياسي» الذي جرى إقراره من المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت) العام الماضي وأطاح بكثير من السياسيين والمسؤولين السابقين، يتعارض مع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ويتعارض مع حقوق الإنسان». وأضاف: «إذا كنا سنتصالح مع من حملوا السلاح في وجهنا، فكيف نعزل من تولى منصبا إداريا كملحق بسفارة أو منظمة دولية»، مشيرا إلى أن هذا القانون «كان سيئا في نصوصه وفي طريقة إقراره بل وحتى في توقيته». وأضاف أنه لا يمكن تحقيق العدل بقوانين ظالمة.
وإلى تفاصيل الحوار..
> بعد نحو ثلاثة أعوام من اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط) 2011»، كيف كانت الطموحات، وإلى أين انتهت اليوم؟
- الثورة كانت مثل هطول مطر بعد عقود من الجفاف والتصحر. الفرحة كانت غامرة وشاملة والثقة والتفاؤل سادتا الموقف. كان التلاحم بين الناس خياليا، وكذلك كانت الشجاعة والتضحيات. كنا نعتقد أنه إذا ما جرى إسقاط نظام القذافي فكل الأمور ممكنة ولا حدود لما يمكن تحقيقه. أعتقد أن هذا أمر طبيعي في مثل هذا النوع من الهبات الشعبية. ولكن الصعوبات تبدت لنا عقب الانتقال إلى طرابلس. فنحن لم نرث دولة بالمعنى المتعارف عليه، فلا دستور ولا برلمان ولا أحزاب ولا قضاء مستقل ولا نقابات ولا صحافة أو إعلام فعال، بل لم يكن هناك حتى جيش أو شرطة. كانت البلاد عبارة عن زعيم يأمر ويحلل ويفتي في كل المسائل، وأجهزة تطيع وأموال تهدر، ولا وجود لإدارة حقيقية أو حتى خبرة إدارية معقولة. فمنذ خطاب زوارة في عام 1973 (أعلن فيه إلغاء القوانين والقضاء على الحزبيين وإطلاق يد اللجان الثورية في سحق المعارضين) والبلاد تعيش تحت فوضى اللجان في كل مكان.
هكذا كان المشهد السياسي عند التحرير في 2011، وكان الانتقال من الثورة إلى الدولة أعقد وأصعب مما توقعنا. فالفارق كبير بين ثقافة الثورة وثقافة الدولة. الأولى تجسد روح التمرد والعصيان والمبادرة، أما الثانية فتجسدها روح التعقل والقانون والانضباط. ما بين الاثنين فترة انتقالية حساسة وصعبة جدا ننتقل فيها من عفوية الفعل إلى تنظيمه وتأطيره، من الانفعال إلى التفكير، ومن التمني إلى ترتيب الأولويات، ومن التحريض إلى التخطيط. إذا كانت الثورة هي التي تحدد الأهداف، فالدولة - والدولة فقط - هي التي تحققها. وعلى الرغم من صعوبة الموقف، خصوصا مع تفتت السلطة المركزية وتحولها إلى سلطات متعددة تتنازع فيما بينها، وبروز ظاهرة التشكيلات المسلحة، فقد تمكنت الثورة من أن تخطو خطوات لا بأس بها نحو بناء الدولة. فقد جرى إصدار الدستور المؤقت وجرى أول تداول سلمي للسلطة في تاريخ البلاد وإجراء انتخابات حرة وترسيخ حرية الإعلام وحرية إنشاء الأحزاب. غير أن سوء أداء الحكومات المتعاقبة وميل الأحزاب والقوى السياسية إلى الدخول في نزاعات وجدل عقيمين، وغياب القيادات التي تمتلك الرؤى والمقدرة على التواصل مع الناس وعلى حشد التأييد لبرامجها، زاد من تعقيد الموقف وأدى إلى حدوث أزمات حادة وإلى انفلات أمني غير مسبوق، وعلى الرغم من الصعوبات فأنا ما زلت على تفاؤلي.
> أين تكمن المشكلات الجوهرية في ليبيا؟
- مشكلات ليبيا متعددة المصادر ومتنوعة الأسباب. منها ما هو تاريخي تراكمي، ومنها ما أحدثه اكتشاف النفط وما تلاه من تراكم لثروات هائلة عجز المجتمع عن توظيفها واستثمارها، وتمكنت هي (أي الثروة النفطية) من إحداث تغييرات هائلة في بنيته ومعارفه وسلوكياته. ومنها ما خلفه نظام استبدادي همجي عبث بمقدرات البلاد وبمصائر أهلها. بعض المشكلات سيجرى حلها بتحديث أجهزة الدولة وتطويرها وممارسة الرقابة الصارمة عليها، وبعضها سيحل بتطوير التعليم وتحديث الاقتصاد والبنى التحتية، وبعضها سيبقى معنا لعقود أو قرون. وهو الجزء الأكثر ارتباطا بما سيحدث في المنطقة من تغييرات ستجد صداها على أرضنا.
> كيف أصبحت عضوا في المكتب التنفيذي (أول حكومة للثوار). أي كيف جرت عملية الاختيار، وما ملابساتها، ولماذا لم نجدك في الحكومات اللاحقة؟
- كنت أعمل في طرابلس بأحد المصارف الخاصة في مجال التدريب والتنمية البشرية. وكنت أمارس الكتابة في الصحف والمجلات وعلى شبكة الإنترنت. وعندما علمت بسقوط قتلى يوم 16 فبراير 2011 قررت ترك العمل والعودة فورا إلى بنغازي لأكون على مقربة من الحدث، ورجعت يوم 17 فبراير لأذهب في اليوم الذي يليه إلى جنازة سبعة من الشهداء. وفي المقبرة عاصرت تبدل الهتافات إلى تهجم واضح نحو العقيد (القذافي) ووصفه بعدو الله من قبل الجماهير الغفيرة التي كسرت حاجز الخوف بوضوح لا لبس فيه.
أدركت من معرفتي بطبيعة النظام أن الحرب قادمة وأنها ستكون دموية، وأن علي أن أختار الصفوف، فكان من الطبيعي أن أختار صف الثورة وأن أسهم فيها بما استطعت. وبعد أسابيع من انطلاق الثورة، اتصل بي أحد الأصدقاء ليسألني رأيي في أن يقوم بترشيحي للمكتب التنفيذي لحقيبة الثقافة والمجتمع المدني، وأن يقوم بتقديم سيرتي الذاتية للمجلس الانتقالي. أجبته أنه لا مانع لدي وهذا ما كان. وهي تجربة أعتز جدا بها. عملنا سويا بروح تطوعية بحتة، لم تكن هناك ميزانيات أو مرتبات، كما كانت قوات القذافي لا تبعد عنا سوى 160 كيلومترا غرب بنغازي. كنت مهتما جدا بظاهرة المجتمع المدني وسعيت لتكوين أول مركز لدعم هذه المنظمات، وكانت لنا خطط لتوفير المعرفة وتنمية المهارات والدعم للمنظمات مع الحرص على استقلالها ليتمكن الشباب الليبي من تطوير ظاهرة التطوع الراسخة الجذور في مجتمعنا. ولكن للأسف جرى تسييس هذه المنظمات وتحول الدعم من مجال الأفكار والمعرفة إلى مجال المال السهل الذي يعمق التبعية ويقتل روح الإبداع والابتكار.
كنا نحلم بنشر ثقافة الديمقراطية انطلاقا من أن الديمقراطية ليست مجرد إجراء انتخابات وتداول سلمي للسلطة، وإنما هي أيضا قيم وممارسات وسلوكيات. وكان من الممكن استغلال حالة الثورة للبدء في خلق أدوات التغيير القادم عبر برامج التنمية البشرية الحقة، ولكن للأسف جرت تعبئة الشباب بآراء وشعارات سياسية، وجرى حشدهم من قبل التيارات السياسية على غرار حشد المتعصبين من مشجعي الأندية الرياضية. أما غيابي عن التشكيلة الحكومية فهو أمر طبيعي جدا لأن التغيير مطلوب وفيه تجديد، ولأن تشكيل الحكومات هو نتاج تفاهمات وتفاوضات بين رئيس الحكومة والكتل السياسية، التي لا أنتمي إلى أي منها.
> ما الإجراءات التي ترى أنه كان ينبغي على المجلس الانتقالي والمكتب التنفيذي في ذلك الوقت الأخذ بها، وكان يمكنها أن تجنب ليبيا ما يجري فيها من قلاقل مستمرة منذ انتهاء نظام القذافي حتى الآن؟
* أعتقد أنها ثلاثة أمور: أولا، كان يجب الدخول في حوار موسع مع الجميع للنقاش حول مستقبل الدولة يتلوه إقرار لنظام مؤقت لإدارة الدولة يتضمن التفاهمات والتوافقات الأساسية، ويعتمد تفكيك المركزية وتقليص سلطة الحكومة المركزية إلى أضيق الحدود وتوسيع سلطات المحافظات وبناء هياكل الدولة عبر الانتخابات من أسفل إلى أعلى. ثانيا، تشكيل حكومة أزمة تدير البلاد بصرامة، ويكون على رأس جدول أعمالها بناء الجيش والشرطة والسيطرة التامة على المنافذ الحدودية وعلى حقول وموانئ النفط. ثالثا، إعطاء مسألة إعداد الدستور الوقت الكافي من خلال منح الهيئة التأسيسية الوقت اللازم، وليكن لسنوات، حتى تتبلور الأفكار عبر النقاشات المطولة وتتاح الفرصة لتثقيف الناس حول المبادئ الدستورية والانطلاق من أن الدستور هو وثيقة توافقية، ما لم تنبع من الناس وتعبر عن إراداتهم، فإنه لا قيمة حقيقة لها ولن يدافع الناس عنها.
> بصفتك من أبناء بنغازي وما يعرف بـ«المنطقة الشرقية»، ما رأيك في دعوة بعض أبناء المنطقة للفيدرالية؟ وهل يصلح الحكم الفيدرالي لليبيا اليوم كما كان في العهد الملكي؟
- الفيدرالية نظام سياسي إداري مثله مثل غيره من النظم، له محاسنه وله عيوبه. وإذا ما توفرت شروط نجاحه فإنه سينجح، وإذا لم تتوفر الشروط له فإنه سيفشل. لا يوجد شيء سحري خاص بالفيدرالية، وطرحها كأنها وحدها القادرة على حل مشكلات ليبيا هو نوع من التبسيط المخل للفيدرالية ولمشكلات البلاد. نحن بحاجة إلى طرح ديمقراطي وطني ينطلق من أن الحل (فيدراليا أو غيره) يجب أن يعبر عن رأي أغلبية الليبيين، وأن يأتي عبر الحوار والتوافق لا عبر الشروط المسبقة أو سياسة لي الذراع. المرجع الأول والأخير لأي من الخيارات السياسية الجادة هو إرادة الناس التي يجب أن تحترم وينصاع لها.
> هل نجح قانون العزل السياسي الذي صدر في مايو (أيار) من العام الماضي في تحقيق الغرض منه، وما هو هذا الغرض برأيك، وما هي إيجابياته وسلبياته؟
- قانون العزل السياسي كان سيئا في نصوصه وفي طريقة إقراره، بل وحتى في توقيته. لقد كان من الممكن أن يشكل طرحه مدخلا للنقاش حول كثير من المفاهيم الهامة، ولكنه تحول إلى (ما يشبه منافسات) كرة قدم سياسية تهتم بحصد المناصب أكثر من تحقيق العدالة. فمن عيوب هذا القانون قيامه بوضع شريحة كبيرة من المواطنين في سلة واحدة وإصدار حكم أخلاقي شامل عليهم، يتساوى في هذا من شغل منصبا كبيرا أو صغيرا ومن شغل المنصب لمدة قصيرة أو طويلة، (ويتساوى) من أساء استغلال المنصب ومن لم يقم بذلك، ومن التحق بالثورة أو من عاداها. وهذا يوقعنا في ورطة. فمن الناحية المبدئية، كما تعلم، لا يمكن افتراض فساد الشخص بنوع الموقع الذي يشغله. ولا يمكن افتراض نقاوة وشرف الشخص بنوع الموقع الذي يشغله. ففي هذا تسطيح للأمور ومجافاة للمنطق ولروح العدل التي يجب أن تسود القوانين. كما أنه يتعارض مع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ويتعارض مع حقوق الإنسان. ثم إذا كنا سنتصالح مع من حملوا السلاح في وجهنا، فكيف نعزل من تولى منصبا إداريا كملحق بسفارة أو منظمة دولية؟
كان بالإمكان وضع شروط لتولي المناصب القيادية وتطبيق هذه الشروط على من يتقدم لشغلها. نحن لدينا قانون للنزاهة وبإمكانه أن يحول دون وصول العناصر الفاسدة إلى المراكز القيادية، بحيث يجري النظر في الحالات بصورة فردية ولا يجري جمع الناس في سلة واحدة، خصوصا أننا ندعو إلى قيام دولة القانون والمساواة ونريد أن نرسخ قيم العدالة والتسامح. كما بإمكاننا أن ننظر إلى بدائل أخرى مثل سن قانون للتقاعد المبكر لمن تولى مناصب تنفيذية عليا في نظام الطاغية. أتمنى أن نركز على المستقبل وعلى بناء دولتنا بدلا من تضييع الجهود في تصفية حسابات الماضي، وأن ندرك أنه لا يمكن تحقيق العدل بقوانين ظالمة.
> هل توجد إمكانية لإجراء مصالحة وطنية شاملة تضم جميع الأطراف دون استثناء، بمن في ذلك ما يطلق عليهم «أزلام القذافي»؟
- المصالحة الوطنية مطلوبة ومرغوبة وضرورية، ولكنها يجب أن تسبقها حوارات لتحديد ماذا تعنيه المصالحة ومن هم أطرافها وما شروطها وما علاقتها بالعدالة وبانتهاكات الحقوق. أعتقد أن المصالحة يجب أن تبقى هدفا نسعى له ونحرص على ألا تتحول هي الأخرى إلى كرة سياسية تتقاذفها الأرجل أو مجرد شعار تتقاذفه الحناجر.
> يقال إن تيار الإسلام السياسي هو الذي يسيطر على القرار الليبي. هل هذا حقيقي؟ وهل هذا يسري على بعض وزراء الحكومة فقط، أم من نواب المؤتمر الوطني أيضا؟ أم من الطرفين؟ وإذا كان الحال هكذا فما تفسيرك لاستمرار عمل الدكتور علي زيدان رئيسا للوزراء في مثل هذه الأجواء؟
- أعتقد أنه لا توجد جهة واحدة تسيطر على القرار الليبي. لو كان الأمر كذلك لشهدنا نوعا من الاستقرار والتناغم المفقودين. سقوط السلطة المركزية في ليبيا تلاه تفتت للسلطة على مجموعات تتصارع فيما بينها. لذا فهناك جهات كثيرة في ليبيا تؤثر في صناعة القرار ولكن لا توجد جهة واحدة تمتلك أو تحتكر صناعته. أما قدرة الأستاذ علي زيدان على البقاء فهو نتيجة إدراكه لهذه الحقيقة وبراعته في استغلالها لاستمرار بقائه على رأس السلطة التنفيذية.
> ما حقيقة ارتباط بعض التيارات الإسلامية المتشددة في ليبيا بتنظيم القاعدة؟ وما تفسيرك لقيام الولايات المتحدة باختطاف متشددين من داخل ليبيا؟ هل برأيك هذا يجري بالتنسيق مع أطراف في الدولة الليبية، أم ماذا؟
- أعتقد أن حجم وتأثير التيارات الإسلامية المتشددة قد جرت المبالغة فيه بشكل كبير. ربما هذا لتبرير فشل التيارات السياسية وعجزها عن تحقيق الأهداف الوطنية أو ربما هي نوع من الاستقواء بالخارج. هذا لا ينفي وجود هذه التنظيمات، ولكن هذه التيارات لا تملك العمق الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو حتى الإعلامي الذي يمكنها من التحكم في البلاد أو في أجزاء منها. أما مسألة ارتباطها تنظيميا بالقاعدة فهو أمر يصعب إثباته أو تأكيده، ولكن مسألة الارتباط الفكري أمر وارد. عموما أنا من الذين يؤمنون بضرورة الحوار والتواصل مع هذه التيارات وتجنب الاقتصار على التعامل الأمني معها. أما مسألة خطف مواطنين ليبيين فهو بالإضافة إلى كونه يمثل انتهاكا للسيادة، فهو يسهم في إضافة تعقيدات نحن في غنى عنها.
> يتخوف البعض من جيران ليبيا ومن عدة بلدان من أن يستمر الانفلات الأمني، إلى درجة يمكن أن تصل إلى التجربة الصومالية أو الأفغانية. كيف تنظر إلى مثل هذه المخاوف؟
- مع تقديري لهذه المخاوف إلا أنها مبالغ بها. فالفوارق كبيرة بين ليبيا وكل من أفغانستان والصومال. فهذه الدول شهدت حروبا أهلية وإقليمية ودولية وتغذيها صراعات مذهبية وقبلية وعرقية تاريخية. فلا التركيبة السكانية ولا التاريخ ولا الصراعات تتشابه بينها وبين ليبيا. ليبيا لا تشهد حربا أهلية ينقسم فيها السكان بشكل عمودي وتوجد بينهم تناقضات لا يمكن حلها إلا بالسلاح. ليبيا تشهد غيابا لسلطة الدولة وبمجرد أن تحزم الدولة أمرها وتعيد بناء وانتشار قواتها فإن جل الانفلات الأمني سيختفي ويتلاشى. ونأمل من دول الجوار أن تتفهم أوضاعنا وأن تتعاون معنا من أجل إعادة الهيبة للقانون وسلطاته.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.