سنوات السينما

سنوات السينما

الجمعة - 20 شهر رمضان 1440 هـ - 24 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14787]
من فيلم «بداية ونهاية»
بداية ونهاية (1960)
ما بين أبو سيف ونجيب محفوظ
يرتبط جوهر الحكاية التي يسردها المخرج الراحل صلاح أبو سيف في «بداية ونهاية» بالحياة الاجتماعية في مصر الثلاثينات. بالفجوة الطبقية التي سادت وبالتحوّل الذي يجبر عائلة كان لها مستواها الاجتماعي المتوسط الانحدار إلى حافة الفقر.
الرواية، كما يعلم الجميع، من وضع الأديب نجيب محفوظ الذي ‪كتب‬ رواياته في إطار اجتماعي أرّخ فيه (بقصد أو بدونه) لمراحل المجتمع المصري في ظروفه الصعبة قبل وبعد التحولات الاشتراكية.
يسرد الفيلم قصّة عائلة من أرملة وأربعة أبناء. كان الأب رحل قبل حين من دون أن يترك ما يؤمن حياة عائلته والمعونة الحكومية لا تستطيع أن تلبي نصف احتياجات العائلة. تسعى الأم (أمينة رزق) لفعل شيء ينقذ العائلة من الدعة التي تمر بها ومن التشتت الذي باتت الأم تلحظه. الابن الأكبر حسن (فريد شوقي) ينطلق بحثاً عن رزقه وفي طموحاته التحول إلى فنان معروف، لكنه ينتهي إلى حياة من العنف والشر. ولداها حسين (كمال حسين) وحسنين (عمر الشريف) يتعاملان والحياة كل في وجهة مختلفة ففي حين يتوجه الأول للعمل في سلك الشرطة (يقبل، في الرواية، بوظيفة وضيعة في وزارة التعليم أقل قدراً من ثقافته العالية)، يتوه الثاني في دروب الحياة لكنه يجد نفسه في مطلع الارتقاء الاجتماعي لبعض الوقت قبل أن ينهار كل شيء من حوله.
أما الفتاة نفيسة (سناء جميل) فتتلاعب بها العواطف وتتخلى عن أنوثتها وعفتها وتتحول إلى داعرة بعدما غرر بها من وعدها خيراً وخلف.
يختلف الفيلم عن الرواية في عدة مواقع لكنه لا يتناقض. نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف عملا معاً على أفلام كثيرة كتبها الأول (كسيناريست) وأخرجها الثاني، لكن «بداية ونهاية» هو أحد فيلمين اقتبسهما صلاح أبو سيف من روايات نجيب محفوظ مباشرة (الثاني هو «القاهرة 30» سنة 1966). في حين كتب محفوظ سيناريوهات أخرى نفذها أبو سيف ونصّت على «الوحش» (1954) و«الفتوة» (1957) و«بين السماء والأرض» الذي حققه أبوسيف عن سيناريو محفوظ في العام ذاته الذي حقق فيه «بداية ونهاية» الذي كتب السيناريو له صلاح عز الدين.
كعادة أفلامه (أو معظمها على الأقل) يهتم المخرج بتأسيس ثلاثة جوانب متكاملة: الشخصيات ومصادرها الثقافية ومنطلقاتها الذاتية الخاصة، والبيئة الاجتماعية التي تحتضن هذه الشخصيات والمكان الجامع كمدينة أو كحي أو كمنزل. كل هذه الجوانب إذ تجتمع وتتعامل بتلاؤم تلقائي تسهم فيما ذهب إليه نجيب محفوظ في مجمل رواياته وهو رسم صورة زمنية وسياسية للمجتمع الذي تناوله في مراحل مختلفة.
رواية «بداية ونهاية» صدرت قبل 18 سنة من تحويلها إلى فيلم والقول بأن الرواية أفضل من الفيلم ليس صحيحاً لكون العملين ينفصلان كل عند طبيعته. بالحكم على جهد أبو سيف هنا نجد أنه ترجم الرواية على أفضل نحو ممكن من دون خيانة محتواها ومضمونها الاجتماعي الذي توفره.
ممثلو شخصياته (فريد شوقي، أمينة رزق، سناء جميل، عمر الشريف وكمال حسين) مختارون لتقديم النماذج المطلوبة وكل منهم ينجز دوره بلفتاته الدرامية وبنجاح. حتى ممثلي الشخصيات المساندة (مثل عبد الخالق صالح وعبد المنعم إسماعيل وسامية رشدي وحسين إسماعيل وأحمد شكري) متواطئون في نية الذوبان في الزمن والبيئة إلى حد رائع.
كل هذا من دون أن نجد في الفيلم أخطاء السقوط في ميلودرامية الحدث كما في اقتباسات أخرى قام بها مخرجون آخرون نهلوا من روايات محفوظ كما شاءوا.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة