«اضطرابات اللغة النمائية»... جوانب خفية رغم انتشارها

«اضطرابات اللغة النمائية»... جوانب خفية رغم انتشارها

مايو شهر التوعية باضطرابات النطق والسمع
الجمعة - 19 شهر رمضان 1440 هـ - 24 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14787]
جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة
شهر مايو (أيار) من كل عام هو شهر التوعية باضطرابات السمع والنطق، الذي تركز فيه الجمعيات والهيئات الدولية على إقامة فعاليات ورعاية ندوات ومؤتمرات تهدف إلى تطوير مجال علاج أمراض النطق وزيادة الوعي المجتمعي حول اضطرابات النطق واللغة والسمع المختلفة.
تحدث إلى «صحتك» الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري رئيس قسم اضطرابات التواصل بمجمع عيادات العناية النفسية بالرياض والأستاذ المساعد المتعاون بقسم علاج اضطرابات النطق واللغة والسمع بكلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود بالرياض والحاصل على البورد الأميركي في علاج أمراض النطق واللغة من الجمعية الأميركية للنطق والسمع، فأوضح أن هناك نحو 40 مليون شخص داخل الولايات المتحدة الأميركية يعانون من صعوبات على مستوى واحد أو أكثر من اضطرابات النطق واللغة والسمع والبلع المختلفة، وفقاً لتقارير الجمعية الأميركية للنطق واللغة والسمع The American Speech - Language - Hearing Association (ASHA) حول مدى انتشار اضطرابات التواصل.
إحصاءات عالمية
وأضاف الدكتور وائل الدكروري أن الجمعية الأميركية للنطق واللغة والسمع قد لخصت معدلات انتشار اضطرابات اللغة النمائية، ومنها بعض اضطرابات النطق واللغة داخل الولايات المتحدة الأميركية اعتماداً على بحوث قامت بها فرق بحثية في العقد الأخير، وكانت كما يلي:
1. اضطرابات الكلام: 7.5 مليون شخص يعانون من مشاكل الصوت... 3 ملايين شخص يعانون من التلعثم... 5 في المائة من أطفال الصف الأول يعانون من اضطرابات النطق.
2. اضطرابات اللغة: بين 6 و8 ملايين شخص يعانون من اضطراب اللغة على مستوى واحد أو أكثر... مليون شخص على الأقل يعانون من فقد اللغة (Aphasia).
3. مشاكل السمع: 31.5 مليون شخص يعانون من ضعف السمع، وتبعاً للإحصائيات فإن 47 في المائة منهم لا يتلقون العلاج المناسب... 1 من 5 أميركيين يعاني من ضعف سمع بأذن واحدة على الأقل... 26 مليون شخص في المعدل العمري من 20 إلى 29 سنة يعانون من ضعف سمع على الترددات العالية نتيجة التعرض للضوضاء والأصوات العالية لفترات طويلة.
4. اضطرابات البلع: 1 من كل 25 شخصاً بالغاً في الولايات المتحدة الأميركية يعاني من أحد اضطرابات البلع... من 25 إلى 45 في المائة من الأطفال ذوي النمو الطبيعي يعانون من مشاكل بسيطة على مستوى البلع... من 30 إلى 80 في المائة من الأطفال المصابين بالاضطرابات النمائية يعانون من مشاكل من بسيطة إلى شديدة في البلع... من 3 إلى 10 في المائة من الأطفال الخدج والمصابين بإعاقات حركية مصابون باضطرابات شديدة في البلع.
اضطرابات اللغة النمائية
أوضح الدكتور وائل الدكروري أن اضطرابات اللغة النمائية تعتبر من الاضطرابات الأكثر شيوعاً، التي يبدأ ظهورها بتأخر نمو مهارات النطق واللغة عند الأطفال والتي تمثل نسبة الإصابة بها من 10 إلى 20 في المائة من إجمالي عدد الأطفال تحت سن السنتين، وتتلخص أعراضها في:
• عدم المناغاة بحلول الشهر العاشر (على أن تحتوي المناغاة على حركات وسواكن من اللغة).
• عدم استخدام إصبعه للإشارة إلى شيء بحلول عمر 18 شهراً.
• عدم اكتساب 50 كلمة بحلول سن السنتين.
• عدم استخدام جمل مكونة من كلمتين قبل سن السنتين.
• عدم فهم الكلمات أو الأوامر ما لم تتم الإشارة إليها بحلول عمر السنة.
وتشير الدراسات التي قامت بها الجمعية الأميركية للنطق والسمع في عام 2018 والتي شارك فيها أكثر من 1100 اختصاصي علاج أمراض نطق ولغة واختصاصي سمعيات، إلى أن قلة وعي الآباء والأمهات بالأعراض الأولية لتأخر نمو مهارات النطق واللغة تمثل العائق الأول لتأخر التدخل العلاجي المناسب.
كما أظهرت إحدى تلك الدراسات أن 70 في المائة من الآباء والأمهات ليس لديهم الوعي الكافي بالعلامات الأولية لتطور ونمو مهارات النطق واللغة، بالإضافة إلى أن الأهل في الغالب ينتظرون مدة تتراوح بين 6 أشهر وسنة كاملة قبل البدء في إجراءات علاجية مع اختصاصي معتمد لعلاج أمراض النطق واللغة، وهو ما اتفق عليه أكثر من 12 في المائة من الاختصاصيين المشاركين في الدراسة.
وتشير الدراسات التتبعية إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يعانون من تأخر نمو مهارات النطق واللغة يظهرون أعراض اضطرابات اللغة النمائية بنسب تتراوح ما بين 20 و70 في المائة وتتمثل نسبة الإصابة بين الأولاد إلى البنات 3 أولاد لكل بنت.
تأخر اللغة
إن اضطرابات اللغة النمائية تمثل تأخراً ملحوظاً في استخدام اللغة بمستوياتها المختلفة الذي ينتج عن صعوبة فهم اللغة وضعف القدرة على التعبير الذي يتمثل بقصور في نمو المهارات (الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية بالإضافة لقصور في مهارات استخدام اللغة وهو ما يعرف بمهارات اللغة العملية)، ومن المرجح استمرارها حتى مراحل البلوغ، وإن كان نمط ظهورها يأخذ صوراً وأشكالاً أخرى.
ومن الجدير بالذكر أن مصطلح اضطرابات اللغة النمائية لا يمكن إطلاقه إلا إذا كان قصور الأداء اللغوي غير مصاحب بقصور الأداء العقلي والذهني أو اضطراب طيف التوحد أو ضعف السمع أو أي اضطرابات أو حالات طبية أخرى. ومن المهم معرفة أن نسبة الإصابة باضطراب اللغة النمائية تمثل 50 ضعفاً من نسبة الإصابة بضعف السمع و5 أضعاف من نسبة الإصابة باضطراب طيف التوحد (CDC، 2018)، لأن وجود خلل في نمو مهارات النطق واللغة عند هذه الحالات يمثل أحد المعايير التشخيصية، كما أن قصور الأداء اللغوي والكلامي لديهم له خصائصه وسماته الخاصة تبعاً لطبيعة كل اضطراب.
تمييز الاضطرابات
كيف يتم التفريق بين كل من اضطرابات اللغة النمائية واضطراب طيف التوحد؟
أجاب الدكتور وائل الدكروري: «يجب هنا التركيز على أن التشخيص الفارق بينهما يحتاج إلى اختصاصي يكون على قدر عالٍ من التدريب والخبرة، لأن الفروق متعددة وتتطلب قدرة على الملاحظة الإكلينيكية الدقيقة. ولكن من أهم الفروق بين الفئتين هو عدم وجود أنماط سلوكية متكررة عند الأطفال المصابين باضطراب اللغة النمائية، مثل رفرفة اليدين أو السير على أطراف أصابع القدم مثلاً على عكس أطفال اضطراب طيف التوحد الذين يكون وجود هذه الأعراض لديهم من الخصائص الواجب توافرها لدعم التشخيص، إلا أن الفئتين تتشاركان في وجود مشاكل على مستوى التواصل والتفاعل الاجتماعي. وعليه يجب أيضاً أن نتعرف على أنماط تطور اضطرابات اللغة النمائية».

أنماط تطور الاضطرابات
يندرج تحت اسم اضطرابات اللغة النمائية 3 أنواع من أنماط التطور، وهي:
• النمط الأول: أطفال يكونون متأخرين منذ البداية ولكنهم يُظهرون تطوراً ملحوظاً بالتدخل العلاجي الفعال في سن 4 أو 5 سنوات، ولكن تظل عندهم مشاكل تتعلق بالقراءة وبعض المهارات الأكاديمية الأخرى.
• النمط الثاني: أطفال يتأخرون ولكنهم لا يظهرون تحسناً كافياً حتى مع وجود برامج التدخل العلاجي وتظل مهاراتهم اللغوية على مستوى الفهم والتعبير ضعيفة، ما ينعكس بشكل كبير على أدائهم الأكاديمي والاجتماعي.
• النمط الثالث: أطفال يظهرون تطوراً طبيعياً في المراحل الأولى، ولكن اللغة لا تتطور بالشكل والنسق المتوقع.
ويتطلب تشخيص مثل هذه الحالات وجود برنامج ملاحظة طويل الأمد للتعرف على أوجه الخلل ولمساعدة الطفل على اجتيازها.
ولكون اضطرابات اللغة النمائية تستمر حتى مراحل البلوغ، فمن المهم معرفة الخصائص المميزة لكل مرحلة عمرية، كما يلي:
- مرحلة ما قبل المدرسة (3 : 5 سنوات)
• جمل قصيرة وغير صحيحة على مستوى النمو (راح هو) (تفاح أكل).
• صعوبة تنفيذ الأوامر.
• صعوبة فهم ما يقال.
• صعوبة توجيه الأسئلة.
• صعوبة إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن الأفكار.
- مرحلة المدرسة (6 - 11 سنة)
• صعوبة تنفيذ الأوامر المتعددة.
• صعوبة إنتاج جمل صحيحة نحوياً.
• صعوبة كتابة جمل صحيحة نحوياً.
• قصص غير مفهومة وتفاصيل قليلة.
• استخدام محدود للجمل المركبة.

مرحلة البلوغ (18 سنة وما فوق):
• صعوبة فهم المعلومات المكتوبة.
• صعوبة كتابة جمل صحيحة نحوياً.
• صعوبة إيجاد الكلمات المناسبة أثناء الكلام.
اضطراب خفي
يقول الدكتور وائل الدكروري: «رغم الوجود الواضح لاضطرابات اللغة النمائية فإنها تظل الاضطراب الخفي الذي لا يتم التعرف عليه بالشكل الكافي ولا يتم تشخيصه بالقدر المطلوب لعوامل كثيرة».
وفي دراسة أدولف وزملاؤه 2017 التي تم إجراؤها على أطفال الصف الثاني الابتدائي، أظهرت الدراسة أن 30 في المائة من الأطفال الذين تم تشخيصهم باضطراب اللغة النمائية فقط أعرب آباؤهم عن تحفظهم على مستوى تطور لغة وكلام أطفالهم وذكروا أن أولادهم خضعوا لبرنامج تدريبي من قبل، وهو ما يعني أن أكثر من ثلثي العينة لم تتم ملاحظة وجود المشكلة لديهم، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي إجراء تجاههم.
إن حتمية عمل فحوص لتقييم الأطفال على مستوى النطق واللغة في الحضانات والمدارس، خصوصاً في الصفوف الأولى يعتبر عاملاً مهماً ومساعداً على التعرف على الأطفال المصابين باضطرابات اللغة النمائية لسرعة التدخل ولتفادي كثير من المشكلات المستقبلية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة