تونس.. الرهان الأكبر

أكثر من 170 حزبا.. أغلبها تستعد للانتخابات التشريعية

تونس.. الرهان الأكبر
TT

تونس.. الرهان الأكبر

تونس.. الرهان الأكبر

عادة ما يتزامن شهر أغسطس (آب) في تونس مع خروج التونسيين في إجازاتهم الصيفية وتوجههم نحو مواطنهم الأصلية أو نحو المدن الساحلية طلبا للراحة والاستجمام ويبتعدون بذلك عن أخبار السياسة والسياسيين.. لكن الأمر كان مختلفا هذه السنة، إذ لاحقت أخبار السياسة التونسيين وفرضت نفسها عليهم حيثما كانوا، وذلك بسبب تزامن شهر أغسطس الماضي مع أوج إعداد الأحزاب السياسية للوائحها الانتخابية استعدادا لانتخابات 26 أكتوبر (تشرين الأول). وقد رافق عملية اختيار الأحزاب لرؤساء لوائحها ضجيج كبير، وكثر الحديث عن وجود خلافات داخلية عميقة وحتى عن استقالات وانشقاقات صلب بعض الأحزاب. وقد أثارت هذه الأخبار اهتمام الكثير من التونسيين وجعلتهم يعيشون أجواء هذه الانتخابات المقبلة بشكل مبكر. ومن المنتظر بعد هذه «المعارك» الداخلية أن تبدأ الأحزاب في إعداد العدة لحملاتها الانتخابية والتعريف بمرشحيها وبرامجها، في أكبر استحقاق، وأهم رهان أمام البلاد، التي تخطو بشكل حثيث نحو الاستقرار، رغم المخاوف الأمنية، الناتجة من تصاعد العمليات الإرهابية في الداخل وعلى الحدود وفي المنطقة، وانعكاسات الوضع الاقتصادي المتأزم.
السؤال الذي يخامر أذهان التونسيين اليوم سواء وسط الطبقة السياسية أو الرأي العام هو ما إذا ستكون انتخابات 26 أكتوبر 2014 المنتظرة مختلفة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011، وذلك ليس في مستوى النتائج فحسب، بل في الممارسة السياسية نفسها. ويمكن القول إن أول المفاجآت هو عدد اللوائح الانتخابية التي ستتقدم لانتخابات 26 أكتوبر التي ناهزت 1500 لائحة مقابل أكثر من 1600 لائحة انتخابية في انتخابات 2011.

* التشتت من جديد
* أظهرت انتخابات 2011 أن نحو مليون ونصف المليون ناخب (ما يمثل ثلث عدد الذين اقترعوا في تلك الانتخابات) تفرقت أصواتهم على عدد كبير من المرشحين ولم يتمكنوا بسبب العدد الكبير من اللوائح التي خاضت غمار هذه الانتخابات سواء من الأحزاب أو من المستقلين من إيصال من صوتوا لهم إلى المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي). وقد أكدت الكثير من الأحزاب غداة الانتخابات أنها «استوعبت الدرس» وأنها ستعمل في المواعيد الانتخابية المقبلة على «تكوين تحالفات انتخابية واسعة لـ«مواجهة حركة النهضة الإسلامية» التي فازت بانتخابات 2011 بحصولها على 89 مقعدا من جملة 217 مقعدا، وجمع مرشحوها أصوات نحو مليون ونصف المليون ناخب، وهو نفس عدد الأصوات التي وصفت بأنها «ذهبت أدراج الرياح» بسبب تعدد اللوائح وتشتت أصوات الناخبين. وعملا على تجاوز ظاهرة التشتت وضياع الأصوات أقدمت 5 أحزاب من عائلات سياسية مختلفة، في صائفة 2013 بعد اغتيال محمد البراهمي النائب في المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب قومي عربي)، هي «حزب نداء تونس» (ليبرالي)، و3 أحزاب ذات توجهات يسارية هي «حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي»، و«حزب العمل الوطني الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي اليساري»، و«الحزب الجمهوري» (وسط اليسار) حينها على تكوين ما يسمى «الاتحاد من أجل تونس»، وهو عبارة عن جبهة سياسية.
وجرت مشاورات كثيرة من أجل تحويل هذه الجبهة السياسية إلى تحالف انتخابي. ولكن العملية فشلت لتقرر أغلب الأحزاب دخول الانتخابات المقبلة بشكل منفرد. ويمكن القول بناء على عدد اللوائح المقدمة لانتخابات 2014 أن ظاهرة تشتت الأصوات سيكون لها تأثيرها من جديد على النتائج المنتظرة وأن الكثير من الأصوات التي ستذهب إلى القوائم المستقلة أو إلى الأحزاب «الصغيرة» التي ليس لها إشعاع كبير على المستوى الوطني لن يتمكن أصحابها من الوصول إلى «مجلس نواب الشعب» وهي التسمية الجديدة التي ستطلق على البرلمان التونسي بعد الانتخابات المقبلة.
* تصنيفات
* يوجد في تونس اليوم نحو 170 حزبا سياسيا سيشارك الكثير منها في انتخابات 26 أكتوبر 2014. وسيكتفي البعض من الأحزاب بالمشاركة في عدد محدود من الدوائر وحتى في دائرة واحدة أو في دائرتين بالنسبة لبعضها، فإن ما يعرف بـ«الأحزاب الكبرى»، ستشارك في كل الدوائر وعددها 33 دائرة 27 دائرة في الداخل و6 دوائر في الخارج.
ولئن كان يصعب القيام بعملية ترتيب موضوعية ودقيقة للأحزاب التونسية من حيث قوتها وإشعاعها على الساحة السياسة فإن مختلف التصنيفات للأحزاب اليوم تعتمد بالأساس على نتائج انتخابات أكتوبر 2011 رغم أن بعض الأحزاب، وخصوصا «حزب نداء تونس» لم تكن موجودة حينها، فضلا عن بروز أحزاب أخرى هي بالأساس منشقة عن أحزاب أخرى معروفة تاريخيا على الساحة السياسية التونسية.
وعلى هذا الأساس يصنف المراقبون الأحزاب السياسية التونسية إلى مستويات كثيرة يأتي على رأسها في الصف الأول كل من حزب حركة النهضة (إسلامي) الذي يتزعمه راشد الغنوشي، و«حزب نداء تونس» الذي يرأسه الباجي قائد السبسي، وذلك اعتمادا على استطلاعات الرأي التي غالبا ما أعطت كليهما نسبا متقاربة من الأصوات تتراوح بين 25 و35 في المائة لكل منهما.
وفي مستوى ثان نجد مجموعة أخرى من الأحزاب مثل «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي و«حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي كان يرأسه محمد المنصف المرزوقي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، و«الحزب الجمهوري» الذي تقوده مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) ويقوده سمير الطيب. كما نجد في هذا المستوى «الجبهة الشعبية» وهي عبارة عن تحالف بين عدد من الأحزاب اليسارية والقومية وعلى رأسها «حزب العمال» الذي يترأسه حمة الهمامي. كما تحوم أسئلة كثيرة حول حظوظ «تيار المحبة» الذي يتزعمه الهاشمي الحامدي، القيادي السابق في حركة «الاتجاه الإسلامي» (النهضة حاليا) والذي خاض الانتخابات السابقة باسم «العريضة الشعبية» التي حصلت على المرتبة الثانية بعد حركة النهضة بـ29 مقعدا في المجلس التأسيسي. وفي مستوى آخر نجد «حزب المبادرة» الذي يترأسه كمال مرجان آخر وزير خارجية لتونس في عهد بن علي، وحزب «آفاق تونس» برئاسة ياسين إبراهيم و«التحالف الديمقراطي» برئاسة محمد الحامدي المنشق عن الحزب الجمهوري و«التيار الديمقراطي» برئاسة محمد عبو المنشق عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحركة وفاء برئاسة عبد الرؤوف العيادي المنشقة عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
كما نجد مجموعة أخرى من الأحزاب التي تصف نفسها بالبورقيبية نسبة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أو الدستورية نسبة للحزب الاشتراكي الدستوري الذي تحول في ما بعد إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، وتترأس بعض هذه الأحزاب شخصيات عملت مع بورقيبة وزين العابدين بن علي، مثل حامد القروي الوزير الأول الأسبق لـ«بن علي»، ونائب رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله بعد يناير (كانون الثاني) 2011، والذي شغل أيضا مناصب وزارية مع بورقيبة. ومجموعة من الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية التي ستخوض بدورها الانتخابات المقبلة ولا يعرف الكثير عن حجمها وإشعاعها. وكذلك الشأن بالنسبة لبعض الأحزاب ذات التوجه القومي العروبي التي ستخوض الانتخابات منفردة. ويرى الكثير من المراقبين أن العامل الأبرز المختلف بين انتخابات 2011 وانتخابات 2014 وانتخابات هو ظهور حزب نداء تونس. وهو حزب لم يكن موجودا خلال انتخابات 2011 السابقة ويجمع في صفوفه عناصر من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل ونقابيين ويساريين ومستقلين. ويقول مؤسسوه إنهم بعثوا الحزب من أجل «تحقيق التوازن على الساحة السياسية» (المقصود خلق توازن مع حركة النهضة الإسلامية التي فازت بانتخابات 2011). وهذا التوازن يبدو أنه تحقق ولو نظريا بالاعتماد على استطلاعات الرأي التي غالبا ما أعطت «النهضة» و«النداء» نسبا متقاربة في نيات التصويت للانتخابات المقبلة. ولكن حزب نداء تونس عاش في الأيام الأخيرة عواصف كثيرة بسبب اختيار لوائحه الانتخابية، وهو أمر لم يرض عنه بعض قيادييه وقواعده في الجهات، وأعلن عدد منهم عن استقالتهم من الحزب وتقدم بعضهم على لوائح أحزاب أخرى أو على لوائح مستقلة، والسؤال المطروح اليوم يتعلق بمدى تأثير هذه الأوضاع التي عاشها الحزب على نتائجه في الانتخابات المقبلة.
من جانبها، لم تتحالف حركة النهضة مع أي حزب سياسي واستعانت فقط بعدد من المستقلين من بينهم وزراء سابقون في حكومة علي العريض ليكونوا رؤساء للوائحها الانتخابية. كما أن الحركة لم تشهد مشكلات داخلية كبرى بسبب اختيار مرشحيها. وهذا ما يؤكد مدى الانضباط السائد بين قيادييها وإطاراتها وقواعدها وأنصارها، رغم أن هذا الانضباط الذي أظهرته الحركة لا يعني وفق بعض المسؤولين فيها أو المقربين منها أنه «لم تكن هناك خلافات حول بعض الاختيارات». ويمكن القول إن الحركة ستدخل غمار الانتخابات المقبلة دون مشكلات داخلية قد تؤثر على حظوظها.

* الأمن والاقتصاد أولوية الجميع في البرامج الانتخابية
* ماذا عن الحظوظ المنتظرة لكل حزب وما هي خطط وبرامج الأحزاب لاستمالة الناخبين؟ تعكس خطابات بعض الأحزاب، وخصوصا الفاعلة منها على الساحة السياسية التونسية ثقة متناهية بشأن حظوظها في الانتخابات المقبلة رغم أن البعض يعد مثل هذه الخطابات الموغلة في التفاؤل «تكتيك» انتخابي وليس قراءة مبنية على معطيات واقعية. فقياديو حركة النهضة ولئن لم يتحدثوا عن نسبب محددة ينتظرون تحقيقها في الانتخابات المقبلة فإن بعضهم أكدوا أن الحركة ستفوز بثقة أغلبية التونسيين من جديد. ووفقا لبعض المصادر القريبة من الحركة فإن «النهضة» تتطلع لتحقيق نفس نتائج انتخابات 2011 على الأقل، وخصوصا المحافظة على ما يسمى «الثلث المعطل» من عدد نواب مجلس نواب الشعب الذي ستفرزه الانتخابات المقبلة. وفي المقابل ما فتئ قياديون في حزب نداء تونس يؤكدون أنهم سيفوزون بالانتخابات المقبلة، مستندين بالخصوص إلى بعض نتائج استطلاعات الرأي، ومقللين في ذات الحين من تداعيات المشكلات الأخيرة التي عاشها الحزب. أما بقية الأحزاب فلا أحد بإمكانه التكهن بالنتائج التي ستحققها رغم أن البعض يتحدث عن إمكانية حصول مفاجآت من عدد من الأحزاب، وذلك مقارنة بنتائج انتخابات مثل التحالف الديمقراطي، أو حزب المبادرة ومن تيار المحبة الذي يمكن أن يحدث مفاجأة جديدة.
أما على مستوى البرامج الانتخابية فإنه وإلى حد الآن لم تكشف الأحزاب التونسية التي ستشارك في الانتخابات المقبلة بشكل رسمي عن تفاصيل برنامجها الانتخابية. ويرى الكثير من المراقبين أن توجهات أغلب الأحزاب لا يختلف بعضها عن بعض خاصة على المستوى الاقتصادي، باستثناء بعض الأحزاب اليسارية التي تتحدث عن منوال تنموي جديد يختلف جذريا عن النهج الليبرالي الذي تعتمده تونس منذ عقود، أو الدعوة إلى تغيير نموذج المجتمع التونسي بالنسبة لبعض الأحزاب اليمينية ذات التوجه الديني التقليدي. ويتوقع هؤلاء المراقبون أن تسيطر قضية «مكافحة الإرهاب» و«معالجة الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد» على الحملة الانتخابية المقبلة، ويؤكدون أن هاتين المسألتين تمثلان أولوية بالنسبة للتونسيين الذين ينتظرون من الأحزاب السياسية مقترحات وأفكارا بهذا الشأن.
من جهة أخرى، بدأت الساحة السياسية التونسية تشهد جدلا واسعا حول طرق تمويل الأحزاب السياسية لحملاتها الانتخابية ومدى التزام الجميع بتطبيق القوانين في هذا الخصوص. وتذهب بعض الأوساط إلى القول إن المال سيكون عاملا محددا في نتائج الانتخابات المقبلة وإن الإمكانيات بين الأحزاب ستكون متفاوتة جدا، وسيكون لذلك تأثيره على هذه النتائج. وقد غذى هذا الجدل وجود الكثير من أصحاب المؤسسات على رأس لوائح انتخابية لبعض الأحزاب من بينها، وخاصة حزبي النهضة ونداء تونس. وهو خيار كان محل اختلاف في الآراء، حيث انتقدت بعض الجهات هذا الخيار وقادت ما يشبه الحملة ضده، في حين عده آخرون مسألة طبيعية وأنه من حق رجال ونساء الأعمال الترشح لعضوية البرلمان مثل أي مواطن تونسي آخر، دون أن يكونوا محل «شبهة». كما أثار الحضور الضعيف للمرأة التونسية في اللوائح الانتخابية استياء الكثير من الأوساط، وخصوصا الجمعيات ذات التوجه النسوي والحقوقي. ويتوقع بالنظر إلى موقع المرأة في اللوائح الانتخابية أن يكون تمثيل النساء في البرلمان التونسي القادم أقل من تمثيليتها في المجلس الوطني الحالي بعد التخلي عن خيار التناصف في تكوين اللوائح الانتخابية.
أما الرهان الأكبر والأهم بالنسبة للانتخابات المقبلة حسب الكثير من المتابعين للشأن التونسي فيتعلق بالجانب الأمني والاحتياطات التي ستتخذ حتى تجري هذه الانتخابات في أجواء عادية خاصة مع تنامي الحديث من جهات رسمية عن وجود تهديدات إرهابية جدية مع قرب موعد الانتخابات، والتأكيدات المتكررة لأكثر من جهة سياسية وحزبية، أن «الجماعات الإرهابية ستعمل على إفشال المسار الانتخابي في تونس»، وهو أهم ملف تعمل عليه السلطات الأمنية والعسكرية التونسية في علاقة بالانتخابات المقبلة وفق عدد من المصادر.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.