الفالح: الاستقرار في السوق ليس خياراً سهل المنال

وزير النفط الروسي أكد أن تأثير السعودية في القطاع {كبير وإيجابي}

وزير النفط السعودي خالد الفالح مع نظيريه الروسي ألكسندر نوفاك والنيجيري إيمانويل إبي كاتشيكو في جدة أمس (أ.ف.ب)
وزير النفط السعودي خالد الفالح مع نظيريه الروسي ألكسندر نوفاك والنيجيري إيمانويل إبي كاتشيكو في جدة أمس (أ.ف.ب)
TT

الفالح: الاستقرار في السوق ليس خياراً سهل المنال

وزير النفط السعودي خالد الفالح مع نظيريه الروسي ألكسندر نوفاك والنيجيري إيمانويل إبي كاتشيكو في جدة أمس (أ.ف.ب)
وزير النفط السعودي خالد الفالح مع نظيريه الروسي ألكسندر نوفاك والنيجيري إيمانويل إبي كاتشيكو في جدة أمس (أ.ف.ب)

أكد المهندس خالد الفالح وزير الطاقة السعودي أن الهجمات التي تعرضت لها بعض أصول الطاقة في بلاده أخيراً، تشكل مخاطر لأمن إمدادات النفط، ما يؤثر على سوق الطاقة، رغم أن مثل هذ الهجمات لم تؤثر على إنتاج السعودية.
جاء ذلك ضمن تصريحات الوزير السعودي قبيل انعقاد الاجتماع الرابع عشر للجنة المراقبة الوزارية المشتركة لكبار منتجي النفط في «أوبك» وخارجها، الذي عقد أمس في مدينة جدة بحضور أعضاء المنظمة الدولية، في مقدمتهم السعودية وروسيا.
وأضاف الفالح في تصريح استباقي قبل انعقاد الاجتماع، أنه تنبغي مشاركة الجميع في الالتزام بتخفيضات النفط، بحيث لا يتحملها البعض فقط، مؤكداً أن مخزون النفط العالمي يزداد والاحتياطات ضخمة لعدد من المنتجين.
ويأتي اجتماع لجنة المراقبة الوزارية المشتركة في ظل مخاوف من شح المعروض في السوق، حيث من المرجح أن تواصل صادرات إيران النفطية، الانخفاض خلال الشهر الحالي، بعد إنهاء الولايات المتحدة الإعفاءات من عقوباتها على صادرات النفط الإيراني.
من جانب آخر، قال الوزير خالد الفالح في كلمته الافتتاحية أمس بصفته رئيس اللجنة، إن هناك بعض التحديات الخطيرة التي تواجه المنطقة، وإن هناك تقلباً في الأحداث بسرعة كبيرة طوال العام الماضي، وكذلك خلال الشهرين الماضيين منذ انتهاء اجتماع «أوبك بلس» الأخير في باكو. وأضاف: «لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً لأي أحد، فقد باتت هذه هي القاعدة الجديدة للشؤون الدولية والأعمال العالمية، ولكن درجة تعقيد الأحداث وكثافتها تتزايد باستمرار، في الوقت الذي يسهم فيه النطاق الكبير للقضايا التي تؤثر على أعمالنا في جذب أسواق النفط في اتجاهات متعددة»، مشدداً على أن الاستقرار الاقتصادي العالمي كان سيتعرض للخطر حتماً لو لم يكن المنتجون قد اتحدوا معاً للحيلولة دون حدوث فراغ.
وشدد الوزير السعودي على أن الاستقرار في السوق «ليس خياراً سهل المنال كإحدى السلع الجاهزة، إذ إنه يستوجب السعي لتحقيق التوازن بين الأولويات وإيجاد حلول تتطلب منا الكثير».
وبين أن العامل المشترك للجميع يتمثل في استقرار الأسواق، «وهو ما يحقق الفائدة للجميع بمن فيهم المستهلكون بشكل واضح»، موضحاً أن إعلان التعاون يتطلب قدراً كبيراً من المصداقية والتجاوب والفاعلية.
وعن النظرة المستقبلية لسوق النفط في الأمد القريب، أكد أن الصورة تبدو ضبابية جداً، حيث تحدد معالم السوق عبر إشارات متضاربة، وأن بعض الإشارات تُظهر تقلصاً في الإمدادات، بينما تبرز أخرى الوتيرة الصحية لإنتاج النفط الأميركي، والتزايد المستمر للمخزون الأميركي من النفط، فيما تبقى مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في حاجز المتوسط خلال الخمس سنوات الماضية، «وهو يعد مرتفعاً نسبياً بالمقارنة مع المستويات التي شهدتها تلك المخزونات في السنوات العادية نظراً لتراكم المخزونات الفائضة في السنوات الأخيرة، ويشكل هذا مقياساً رئيسياً تنبغي متابعته من عدة نواحٍ».
وأضاف أن هناك «عدداً من شركائنا من الدول في مناطق مختلفة من الأميركيتين إلى منطقة الشرق الأوسط تواجه تحديات كبيرة بشكل أو آخر، ويحدونا أمل كبير في أن يتم التغلب على تلك الصعوبات قريباً، وأن تتمكن هذه الدول من المشاركة بكامل طاقتها في جهودنا الجماعية». وأوضح الفالح أنه يوجد كثير من دواعي عدم اليقين، حيث تقوم بعض المؤسسات بإجراء مراجعات بتخفيض تقديرات الطلب على النفط، غير أن تقارير أخرى تشير إلى أن الطلب في الدول من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (بقيادة الصين وروسيا والهند) ازداد بنحو مليون برميل يومياً كمعدل نمو سنوي، ويبقي الناتج المحلي الإجمالي العالمي عند معدلات صحية إلى حد معقول، مع الأداء الثابت الذي يتصدره الاقتصاد الأميركي والأداء القوي إلى حد ما للاقتصاد الصيني في بداية العام، مشيراً إلى أن النزاع التجاري المتصاعد بين القوتين الاقتصاديتين الرائدتين في العالم ـ أميركا والصين ـ يلقي بظلاله على النظرة المستقبلية للاقتصاد العالمي، وقد يكون لهذا أيضاً تأثير مُعدٍ على الدول الأخرى، وهو ما يمكن أن يتجلى في ضعف الطلب النفطي.
وشدد الفالح على أن بلاده ـ التي دائماً ما كانت تتمتع بالاستقرار المستمر ـ وقعت ضحية لعمليات تخريب خطيرة في حادثتين متتاليتين خلال الأسبوع الماضي، مبيناً أنه رغم تلك الأعمال الإرهابية، فإنها «لم تؤثر على إمداداتنا»، وقال: «ندعو زملاءنا الموجودين هنا اليوم، كما ندعو القوى العالمية، لإدانة أعمال العنف هذه، فهي تهدد بقطع إمدادات الطاقة إلى العالم وتعرض الاقتصاد العالمي الذي يواجه رياحاً معاكسة بالفعل لمخاطر إضافية».
كما أكد الوزير السعودي أن أوضاع السوق لها تأثير كبير على الاستثمارات الأساسية العالمية، وقال: «رغم وجود بعض التحسن في هذه الاستثمارات فإنها لم تصل بعد إلى مستويات مُرضية، وهي عادة ما تعد مؤشراً جيداً للمزاج السائد في السوق. إن التراجع في المنحنى المستقبلي لا يمثل تشجيعاً للمستثمرين. كما تعد مستويات حفارات النفط الأميركية مؤشراً جيداً آخر، وهي لا تظهر قوة كبيرة، بل إنها تشهد ثباتاً أو حتى تراجعاً في واقع الأمر»، مبيناً أنه باستطاعة الجميع أن يرى الجميع تضارب البيانات وما يثيره ذلك من دواعي عدم اليقين، «وبكل وضوح، يجب علينا أن ندقق في هذه المعلومات ونتفهمها بهدف التوصل إلى قرارات حكيمة. وما يشكل هذه الحكمة هو رغبتنا في الحد من التقلبات، والمساعدة في الحفاظ على توازن الأسواق وتعزيز الاستقرار، سوف يصب هذا في مصلحة الجميع - بمن فيهم المستهلكون والمنتجون».
ودعا كل الأعضاء إلى عدم اتخاذ أي قرارات، قد تبدو متسرعة، نظراً للبيانات المتضاربة، وتساعد على تعقيد الأوضاع، «وهذا السبب في قيامنا بتأجيل اجتماع (أوبك بلس) الذي كان من المقرر انعقاده في ديسمبر (كانون الأول) بمدينة فيينا، وعقد هذا الاجتماع بدلاً منه كي نتمكن من الحصول على معلومات إضافية، واستغرق بعض الوقت الإضافي، واتخاذ قرارنا في اجتماع أوبك المقرر انعقاده في شهر يونيو (حزيران) سوف يتيح لنا الحصول على مزيد من المعلومات من أجل التوصل إلى أفضل قرارات ممكنة».
من جهته، تحدث وزير الطافة الروسي ألكسندر نوفاك في كلمته، وقال: «على الجميع أن يعي حجم التأثير الإيجابي الكبير للسعودية في مجال الطاقة وسوق النفط على مستوى العالم»، مبيناً أن السعودية تعي حجم هذه المكانة والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها تجاه سوق الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن الإجراءات والتدابير التي تقوم بها المملكة تجاه سوق النفط، لها أثر إيجابي الكبير، وقال: «آمل أيضاً أن تتضافر الجهود من جميع الدول الأعضاء والبقية لما من شأنه العمل الجماعي للتأثير بصورة إيجابية على سوق النفط وكذلك صناعة النفط بشكل عام على مستوى العالم».
وبين أن الجميع رأى كيف كانت القرارات التي اتخذت على هامش اجتماع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكيف كان لها الأثر الإيجابي، حيث ساعدت في أن يكون هنالك توازن في سوق النفط، وزيادة الإمدادات، وكذلك تلافي بعض السلبيات التي حدثت في أعوام ماضية، ولم يأتِ ذلك إلا بتضافر جهود الجميع.
وأكد الوزير الروسي أن الجميع يتطلع إلى اجتماع جدة، لمواصلة الجهود والاطلاع على الموقف الحالي الذي نعيشه، لا سيما الموازنة بين العرض والطلب، «بالإضافة إلى دراسة كل العناصر التي قد تؤدي إلى عدم الاستقرار في سوق النفط في ظل التحديات التي نواجهها والتي قد تحدث بطريقة غير متوقعة». وقال: «أنا على ثقة بأن الجميع على مستوى العالم ينتظر ما سينتج عنه هذا الاجتماع، ويتطلعون للأجواء الإيجابية المعتادة لهذا المجلس»، وأضاف: «أعتقد أنه سيكون هنالك ثراء في النقاشات التي سنخرج بها من هذا التجمع من خلال الخبراء في الدول الأعضاء وغير الأعضاء في المنظمة العالمية في ظل المصالح المتبادلة بين كل الدول»، مبيناً أنه من المهم «أن تستمر هذه الثقة التي بنيناها طوال الفترات الماضية، وأنا على ثقة من أن هذا الاجتماع سيكون مثمراً وبناء للجميع».


مقالات ذات صلة

النفط يتراجع بعد اتفاق السلطات العراقية والكردية على اتفاقية تصدير

الاقتصاد ناقلات نفط في مضيق سنغافورة (رويترز)

النفط يتراجع بعد اتفاق السلطات العراقية والكردية على اتفاقية تصدير

تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء بعد أن توصلت الحكومة العراقية والسلطات الكردية إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط عبر ميناء جيهان.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو في محطة نفطية بمدينة يوكوهاما (أ.ف.ب)

النفط يعاود ارتفاعه مع تزايد المخاوف بشأن مضيق هرمز

استأنفت أسعار النفط ارتفاعها، يوم الثلاثاء، في ظل رفض عدة دول لمطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالمساعدة في تأمين مضيق هرمز الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد لم يأخذ تقرير «أوبك» تداعيات الحرب على الطلب العالمي لأنه رصد أوضاع السوق لشهر فبراير قبل اندلاع الحرب (رويترز)

«أوبك»: التطورات الجيوسياسية الجارية تستدعي مراقبة دقيقة للأسواق

أبقت منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» على توقعاتها، للشهر السابع على التوالي، ​لنمو ‌قوي نسبياً ​في الطلب العالمي على النفط خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد آبار في حقل سان أردو النفطي في كاليفورنيا (أ.ب)

النفط يسجل هبوطاً حاداً بعد محاولات ترمب طمأنة الأسواق بشأن الحرب

تراجعت أسعار النفط من أعلى مستوياتها في أربع سنوات، يوم الثلاثاء، لتختتم بذلك 24 ساعة استثنائية في الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد مضخة نفط في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

النفط يرتفع بأكثر من 25 % الاثنين... ويتجه نحو رقم قياسي يومي جديد

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 25 في المائة يوم الاثنين، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ منتصف عام 2022.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، يوم الأربعاء، بإجراء إصلاحات جديدة لمعالجة مشكلة الانخفاض المزمن في قيمة الأسهم المحلية، بما في ذلك اقتراح حظر الإدراج المزدوج في السوق الواحدة من قِبل الشركات القابضة وفروعها، وهي ممارسة تُعزى إليها ظاهرة ما يُعرف بـ«الخصم الكوري».

ومنذ توليه المنصب في يونيو (حزيران) 2025، أطلق لي سلسلة من الإصلاحات لمعالجة هذه الظاهرة التي تشير إلى انخفاض قيمة أسهم الشركات الكورية الجنوبية عادةً مقارنةً بنظيراتها العالمية، وتعكس جزئياً هياكل التكتلات العائلية الغامضة، وفق «رويترز».

وخلال اجتماع متلفز مع محللين ومستثمرين مؤسسيين وشركات مدرجة، عُقد بعد تصاعد تقلبات السوق مطلع الشهر بسبب الصراع في الشرق الأوسط، قال لي: «لقد تحسّن وضع هيكل الحوكمة بشكل ملحوظ بفضل تعديلات قانون التجارة وغيرها من التدابير السياسية». وأضاف: «السوق في طور العودة إلى طبيعتها، ولكن قد يكون تطبيق نظام (كوريا بريميوم) ممكناً أيضاً»، مضيفاً أنه سيواصل الجهود السياسية لاستعادة ثقة المستثمرين بالسوق.

وفي الاجتماع نفسه، أعلن رئيس لجنة الخدمات المالية، لي إيوغ وون، إعداد خطط محددة لحظر ممارسات الإدراج المزدوج التي تقلل قيمة الأسهم القائمة من خلال خفض ربحية السهم. وأشار محلل في شركة «كي بي» للأوراق المالية، كيم دونغ وون، إلى أن الإدراج المزدوج يُشكّل نحو 20 في المائة من إجمالي القيمة السوقية لكوريا الجنوبية، وهو ما يعادل 400 ضعف السوق الأميركية، و10 أضعاف السوق الصينية، و5 أضعاف السوق اليابانية، ويتجاوز أي سوق أخرى في العالم.

كما صرح رئيس لجنة الرقابة المالية بأن برنامج الحكومة لتثبيت السوق، البالغ 100 تريليون وون (نحو 67.33 مليار دولار)، سيتم توسيعه عند الحاجة إلى مواجهة التقلبات المتزايدة.

وخلال الاجتماع، واصل مؤشر «كوسبي» مكاسبه، مما استدعى فرض قيود مؤقتة على التداول، قبل أن يُغلق مرتفعاً بنسبة 5.04 في المائة عند أعلى مستوى له منذ 27 فبراير (شباط).

ومنذ تولي لي منصبه، أجرى الحزب الديمقراطي الحاكم ثلاثة تعديلات على قانون التجارة لتعزيز حماية حقوق المساهمين الأقلية، بما في ذلك إلزام الشركات المدرجة بإلغاء أسهم الخزينة المكتسبة حديثاً. وأكد مسؤول من الهيئة الوطنية للمعاشات التقاعدية، ثالث أكبر صندوق معاشات تقاعدية عام في العالم، رفض الهيئة محاولات الشركات الالتفاف على أهداف هذه التعديلات، مؤكداً تأثيرها الكبير على السوق المحلية.

وشهد مؤشر «كوسبي» ارتفاعاً بنسبة 41 في المائة حتى الآن هذا العام، بعد قفزة بلغت 76 في المائة في عام 2025، وهي الأكبر منذ عام 1999، ويعزو المحللون هذا الأداء إلى إصلاحات سوق الأسهم التي أطلقتها إدارة لي والتفاؤل حول الذكاء الاصطناعي.


«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

من المتوقع أن يُبقي مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي»، المجتمعون في ظل ظروف حرب بدأت قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء. غير أن الأهم يتمثّل في الكيفية التي سيعكس بها بيان السياسة الجديد والتوقعات المحدثة رؤية البنك لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن صراع مفتوح مع إيران، وكيف أعاد هذا القرار تشكيل آفاق اقتصاد الولايات المتحدة والتضخم والسياسة النقدية.

وفي ظل غياب أي مؤشرات واضحة على نهاية وشيكة لحملة القصف الأميركية-الإسرائيلية، يرى اقتصاديون أن التداعيات المحلية والعالمية ستظل رهناً بمدة الحرب، وبطبيعة النظام السياسي الذي سيبرز في إيران لاحقاً، بالإضافة إلى مسار أسعار النفط؛ سواء اتجهت لتجاوز 100 دولار للبرميل أو عادت إلى مستويات ما قبل الحرب دون 80 دولاراً، وفق «رويترز».

لوحة تُظهر أسعار البنزين في ظل استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في واشنطن (رويترز)

وقد بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.79 دولار للغالون يوم الثلاثاء، بزيادة تتجاوز 25 في المائة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية. كما بدأت تداعيات ارتفاع الطاقة تتسلل إلى قطاعات أخرى، حيث حذّرت شركات الطيران من ارتفاع تكاليف السفر نتيجة زيادة أسعار وقود الطائرات، في حين أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى سعي الولايات المتحدة لإيجاد مصادر بديلة للأسمدة الزراعية.

موظف داخل متجر «وول مارت سوبر سنتر» في نورث بيرغن (رويترز)

ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، قد يلجأ المستهلكون إلى تقليص إنفاقهم أو تأجيل مشترياتهم، في حين يواجه الشركاء التجاريون للولايات المتحدة، خصوصاً في أوروبا، صدمة تضخمية أشد وطأة.

بالنسبة إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، تحوّلت التوقعات من تفاؤل بنمو مستقر وتباطؤ تدريجي في التضخم إلى مشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه ضغوط الأسعار المتزايدة مع مخاطر تباطؤ النمو وسوق العمل. ومن المنتظر أن يقدّم صُنّاع السياسة أفضل تقديراتهم استناداً إلى المعطيات المتاحة، من خلال قرار الفائدة وبيان السياسة والتوقعات الفصلية المحدّثة التي ستصدر عقب اجتماعهم الأخير الذي استمر يومين، يعقبه مؤتمر صحافي لرئيس البنك جيروم باول.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة «كي بي إم جي»، ديان سوانك، في تحليل حديث، إن الأوضاع الحالية تمهّد لتحوّل توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سيناريو ركودي تضخمي. وأشارت إلى أنها تتوقع ارتفاع كل من التضخم والبطالة بحلول نهاية العام، مع انقسام داخل البنك المركزي بين من يدعو إلى خفض الفائدة لدعم سوق العمل، ومن يفضّل الإبقاء على سياسة نقدية متشددة -أو حتى التلميح إلى رفع الفائدة- في ظل توقعات باستمرار الضغوط السعرية.

وأضافت: «تُصاغ هذه التوقعات في بيئة يغلب عليها عدم اليقين. وأتوقع أن يخفض المشاركون في الاجتماع تقديرات النمو، مقابل رفع توقعاتهم للتضخم والبطالة». كما رجّحت أن يُظهر «مخطط النقاط» مزيجاً من الآراء، بما يعكس انقساماً بين صناع السياسة، مع وجود معارضة محتملة لخفض الفائدة من قِبل من يرون أن تثبيت تكاليف الاقتراض في ظل ضعف سوق العمل قد لا يكون الخيار الأمثل، مقابل توجه أكثر تشدداً قد يدفع نحو رفع الفائدة قبل نهاية العام.

مخاوف من عودة الركود التضخمي

تمثّل الحرب مع إيران صدمة ثانية قد تدفع نحو ركود تضخمي، بعد أن كانت السياسات التجارية -خصوصاً الرسوم الجمركية- قد أثارت سابقاً مخاوف مماثلة لدى صناع السياسات. ورغم أن الأثر الأولي للرسوم جاء أقل حدة من المتوقع، فإن الشركات لا تزال تمرّر التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، ما يُبقي الضغوط التضخمية قائمة.

وقد دفع ذلك مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، خلال اجتماعهم في أواخر يناير (كانون الثاني)، إلى مناقشة احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها. ومن المرجح أن يتم تدقيق بيان السياسة الجديد بحثاً عن أي إشارات إلى تحول النهج النقدي نحو مسار «ثنائي الاتجاه»، مع احتمال أن تكون الخطوة التالية هي الرفع.

جيروم باول يصل إلى مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن 13 يناير 2026 (رويترز)

وتشير البيانات الصادرة منذ الاجتماع الأخير -حتى قبل اندلاع الحرب- إلى مسار اقتصادي معقّد؛ إذ لم يحرز التضخم تقدماً يُذكر نحو هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، مع توقعات ببقائه أعلى من هذا المستوى بنحو نقطة مئوية أو أكثر خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يثير قلق صناع القرار من أن خفض الفائدة قد يُفسَّر على أنه تهاون في مكافحة التضخم.

في المقابل، أظهر تقرير التوظيف الأميركي لشهر فبراير (شباط) فقدان الاقتصاد نحو 92 ألف وظيفة، مما يعكس بوادر ضعف في سوق العمل. كما خفّض المستثمرون والمحللون تدريجياً توقعاتهم بشأن وتيرة خفض الفائدة هذا العام، رغم استمرار دونالد ترمب في الدعوة إلى تقليل تكاليف الاقتراض. ومن المتوقع أن يتولى كيفن وورش، مرشح الرئيس لخلافة باول، منصبه بحلول اجتماع يونيو (حزيران).

وفي ضوء هذه المعطيات، تشير أسواق العقود الآجلة حالياً إلى احتمال تنفيذ خفض واحد فقط للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال العام، في بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.


صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عبر نحو 90 سفينة، بما في ذلك ناقلات نفط، مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب مع إيران، والتي لا تزال تصدر ملايين البراميل في وقت أُغلق فيه الممر المائي فعلياً، وذلك وفقاً لمنصات بيانات التجارة والملاحة البحرية.

هذا الرقم الضئيل يمثل انكساراً حاداً مقارنة بمعدلات العبور الطبيعية التي كانت تتراوح بين 100 إلى 135 سفينة يومياً قبل الحرب، مما حول المنطقة إلى «قطارة» ملاحية تديرها طهران وفق مصالحها.

العبور المظلم

تشير بيانات «لويدز ليست» (Lloyd’s List Intelligence) إلى أن جزءاً كبيراً من السفن التي عبرت المضيق كانت تتبع نمط «العبور المظلم» للتهرب من الرقابة الدولية، وهي سفن مرتبطة بالشبكة التصديرية الإيرانية. وبحسب منصة «كبلر»، نجحت إيران في تصدير أكثر من 16 مليون برميل من نفطها منذ مطلع مارس (آذار)، مستغلة سيطرتها على المضيق للحفاظ على «شريان تصديرها الخاص» مفتوحاً، بينما تمنع الآخرين، وهو ما وصفه محللون بأنه استراتيجية مزدوجة للربح من ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار وضمان تدفقاتها المالية، وفق «أسوشييتد برس».

مضخة نفطية في حقل إنغلوود النفطي بمدينة لوس أنجليس (أ.ف.ب)

خريطة العبور الانتقائي

من جهتها، رسمت شبكة «سي إن بي سي» خريطة للدول التي نجحت في تمرير سفنها كالاتي:

* الصين: تكتيك «الهوية المعلنة» والتمويه

تُعد الصين المستفيد الأكبر؛ حيث عبرت 11 سفينة مرتبطة بها بنجاح. ولجأت السفن إلى تكتيك بث رسائل عبر نظام التعريف التلقائي تعلن فيها صراحة أنها «سفينة صينية» أو أن «الطاقم صيني بالكامل» لتجنب الاستهداف. وأفادت التقارير أن بكين كانت تجري محادثات مع إيران للسماح بمرور ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القطري عبر المضيق. وتواصل إيران تصدير ملايين البراميل من النفط الخام إلى الصين منذ بدء الحرب.

ورغم ذلك، سجَّلت التقارير إصابة سفينة صينية بشظايا في 12 مارس أثناء إبحارها نحو جبل علي، مما أدى لتراجع مؤقت في حركة السفن الصينية الكبرى وتعليق شركة «كوسكو» بعض حجوزاتها.

* الهند: ثمار الدبلوماسية المباشرة

أكَّد وزير الخارجية الهندي، سوبراهمانيام جايشانكار، أن المحادثات المباشرة مع طهران أثمرت عن نتائج ملموسة؛ حيث سُمح لناقلات الغاز المسال «شيفاليك» و«ناندا ديفي» بالعبور لتأمين وقود الطهي لملايين الأسر الهندية. كما وصلت الناقلة «شينلونغ» المحملة بخام سعودي إلى مومباي بسلام بعد عبورها المضيق، مما يشير إلى أن إيران تميز بين الوجهات «الصديقة» وغيرها.

* باكستان: أول شحنة «غير إيرانية» مؤكدة

سجَّلت باكستان اختراقاً مهماً يوم الاثنين 16 مارس إذ صبحت الناقلة «كراتشي» التي ترفع العلم الباكستاني أول سفينة تجارية مؤكدة تحمل شحنة «غير إيرانية» (خام من أبوظبي) تعبر المضيق بسلام وهي تبث موقعها بوضوح، مما يشير إلى وجود «تفاهمات مسبقة» بين إسلام آباد وطهران.

* اليونان: اختبار الناقلات الكبرى

كان ملاك السفن اليونانيون مثل شركة «ديناكوم» من بين أوائل المشغلين العالميين الذين اختبروا المسار. وعبرت ناقلة «سميرني» بنجاح الأسبوع الماضي وتوجهت إلى الهند، مما طرح تساؤلات حول ما إذا كان السماح لها بالمرور مرتبطاً بكون الحمولة متجهة للهند الصديقة لإيران، وليس لجهة تابعة للغرب.

* تركيا: العبور المشروط بالمواني الإيرانية

أكَّدت السلطات التركية أن سفينة واحدة على الأقل مملوكة لتركيا سُمح لها بالعبور، ولكن بشرط محدد وهو «التوقف في ميناء إيراني» أولاً. ولا تزال هناك 14 سفينة تركية أخرى عالقة في المنطقة بانتظار تصاريح مماثلة.

وفي المقابل، يواجه الشحن المرتبط بـالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرها من الدول الغربية استهدافاً عشوائياً أو منعاً كلياً.

واشنطن و«غض الطرف» القسري

في تحول لافت يعكس القلق من انفجار أسعار الطاقة، صرَّح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الولايات المتحدة سمحت بمرور الناقلات الإيرانية لتزويد العالم بالنفط. ورغم قصف مواقع عسكرية في جزيرة خرج، أكد الرئيس دونالد ترمب تجنب استهداف البنية التحتية النفطية حتى الآن، لإبقاء الأسعار تحت السيطرة وتجنب أزمة اقتصادية عالمية شاملة.

بحسب «سي إن بي سي»، فإن الهجمات في المنطقة تبدو «عشوائية» ومصممة لنشر الفوضى، مما دفع شركات الشحن الكبرى لتحويل مساراتها. فقد رُصدت قرابة 400 سفينة عالقة في خليج عمان بانتظار تأكيدات للعبور. ومن بين 81 سفينة حاويات كانت متجهة للمنطقة، قامت 43 سفينة بتغيير مسارها بالكامل، بينما اعتمدت البقية على تفريغ حمولاتها في مواني الفجيرة وخورفكان وصحار لنقلها براً عبر الشاحنات، مما تسبب في ازدحام هائل في هذه المواني الثانوية.

يبدو أن مضيق هرمز لم يعد «مغلقاً» بالمعنى المادي المطلق، بل هو «مغلق سياسياً» وفق محللين؛ حيث خلقت إيران ما يشبه «الممر الآمن الفعلي» للسفن التي تختارها أو التي تتفاوض معها دولياً، بينما يظل الممر فخاً للسفن المرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفائهما.