موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

الفرقاء السودانيون يستأنفون التفاوض رغم مقتل 4 وإصابة المئات

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حملت السفارة الأميركية في الخرطوم «مسؤولية» هجمات نفذها مسلحون لم يكشف النقاب عنهم بعد، وأدت لمقتل 4 أشخاص على الأقل وجرح المئات، لـ«المجلس العسكري الانتقالي»، وأثار إطلاق الرصاص على المحتجين السلميين غضباً عارماً بين المواطنين الذين توافدوا في شكل موجات بشرية إلى ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش، ووسعوا مساحة الاعتصام وسدوا عددا من الطرق والجسور كانت خارج سيطرة المحتجين، في تصعيد غير مسبوق منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد.
وقالت السفارة الأميركية بحسب بيان على صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، إن الهجمات التي وصفتها بالمأساوية التي نفذت ضد المحتجين، نتجت عن محاولة المجلس العسكري «فرض إرادته على المتظاهرين وإزالة الحواجز». ونادت السفارة بمحاسبة الضالعين في العملية، مبدية تعاطفها مع أسرهم، وطالبت بمواصلة التفاوض بين أطراف الحراك السوداني، وقالت: «لا ينبغي أن يسمح المجلس العسكري، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أن تمنعهم أحداث أمس من البناء على التقدم المحرز لإتمام المفاوضات بسرعة، لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية».
وطالبت بتشجيع المواطنين السودانيين على إبداء رغبتهم في إقامة «سودان مسالم وديمقراطي بطريقة سلمية»، وعدم الاستفزاز من أفعال معارضي التغيير.
وفور سماع أصوات الرصاص، تدفقت أعداد كبيرة من المواطنين على شكل أمواج بشرية إلى مكان الاعتصام، وشرعوا في إعادة بناء المتاريس التي أزالت بعضها قوات الأمن، ووسعوا مساحة الاعتصام إلى مناطق جديدة من بينها شارع النيل الموصل للقصر الرئاسي. وشلت الخرطوم تماماً مساء أول من أمس وصبيحة أمس، لأن المحتجين أقاموا متاريس جديدة على عدد من الطرق وسط المدينة، وسدوا عددا من الجسور كانت متاحة أمام حركة السير، ومن بينها جسر «المك نمر» الرابط بين الخرطوم والخرطوم بحري، وشهدت بعض المناطق حالات كر وفر بين قوات الجيش والمواطنين، تخللها إطلاق الغاز المسيل للدموع.
وأقام المحتجون المتاريس في عدد من طرق مدن العاصمة الثلاثة؛ أم درمان والخرطوم بحري وجنوب الخرطوم، وأعادوا إشعال إطارات السيارات في بعضها مذكرين بأيام المواجهة مع نظام المعزول عمر البشير. وفي مؤتمر صحافي عقد بالخرطوم أمس، قال متحدثون عن تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، إن عدد القتلى المؤكدين بلغ «4 شهداء»، وأكثر من 200 مصاب، 77 منهم إصاباتهم بالرصاص، و10 منهم حالتهم خطيرة.
وحمل محمد ناجي الأصم وهو متحدث باسم قوى الحرية والتغيير، المسؤولية عن مقتل المتظاهرين المجلس العسكري الانتقالي، وطالبه بتكوين «لجنة تقصي حقائق» تحدد المسؤولين وتعاقب المسؤولين عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
وانتقد الأصم ما سماه محاولات المجلس العسكري الانتقالي لإرجاع المسؤولية عن الأحداث إلى التصعيد الذي مارسته قوى الحرية والتغيير، وقال: «تقع المسؤولية على تراخي المجلس العسكري، وعدم استجابته لأهداف ومطالب الثورة، ونقل السلطة للمدنيين»، وتابع: «ليست قوى التغيير هي المسؤولة عما جرى أمس، لأن جماهيرها سلمية وماتزال متمسكة بسلميتها».
واستنكر الأصم الحديث المنسوب للمجلس العسكري الانتقالي حول «استفزاز» المعتصمين للعسكريين، وقال: «مهما كان الاستفزاز، ورغم أنه موجود، لا يمكن الرد عليه بالرصاص والقتل والدماء التي سالت في الشهر العظيم».
من جهته، حمل عضو قيادة الحراك خالد عمر يوسف المسؤولية عن مقتل المتظاهرين لـ«قوات الدعم السريع»، وقال: «مهما كانت هناك جهات تستفيد من الفوضى، فإن قوات الدعم السريع هي من أطلقت الرصاص، لأن شهود العيان يقولون إن الجهة الثالثة، كانت على سيارات تابعة لهم، وبأزياء القوات المسلحة».
وطالب يوسف المجلس بكشف هذه القوات، بقوله: «لا يمكن قبول أن ترتدي أي جهة أزياء الجيش، أما الحديث عن المندسين فهو إعادة لأسطوانة قديمة من عهد النظام المباد».
ودعا يوسف المجلس العسكري لسحب قواته من حول ساحة الاعتصام على الفور، وذلك للحيلولة دون انزلاق البلاد في دائرة العنف، وتابع: «الجولة الحالية من التفاوض مع المجلس العسكري محدودة بغد، فإما أن تمنح السلطة للشعب، أو أن تضع القوات المسلحة الشعب بمواجهتها».
وانتقد يوسف ما سماه محاولات المجلس العسكري فض الاعتصام بالقوة، واعترافه بأنه سير قوة حاولت إزالة المتاريس والحواجز التي أقامها الثوار لتأمين أنفسهم، وقال: «محاولة فتح الشوارع بالقوة نتج عنها عراك مع المعتصمين السلميين، فأطلقت القوة النار عليهم»، وتابع: «فض الاعتصام بالرصاص لن يثني الشعب، فقد رأينا أن الميدان قد امتلأ بعد إطلاق الرصاص في أكبر حشد منذ بداية شهر رمصان»، وأضاف: «الرصاص وقتل المعتصمين لن يوقف الشعب».
وتعهد يوسف بمواصلة التصعيد، والاحتجاجات، بقوله: «التصعيد سلاحنا الوحيد باعتباره وسيلة سلمية وجماهيرية، هو سلاح فتاك، سنمارسه دون أن نستجيب للعنف المضاد والاستفزاز، ولن نسمح للقوى التي تريد جرنا للعنف بهذا».
وفي أعقاب اختراق لافت بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أعلن فيه اتفاق الطرفين على هياكل الحكم ومستوياته وصلاحيات وسلطات كل مستوى، لقي 6 أشخاص على الأقل مصرعهم، وإصابة أكثر من 90 بجراح، إثر إطلاق نار حول محيط الاعتصام أمام قيادة الجيش، ونقل شهود أن قوات على سيارات رباعية الدفع وبثياب عسكرية أطلقت النار على المعتصمين، وبادلتها قوات أخرى الرصاص.
لكن المجلس العسكري الانتقالي، نفى رواية شهود العيان، واتهم جماعات «مندسة» بين المتظاهرين بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ورجال الجيش، ما أدى لمقتل 6 منهم وضابط برتبة «رائد»، وجرح آخرين.
وقال إن هناك «جهات - لم يسمها - تتربص بالثورة» لم ترض عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع قادة الثوار في إعلان الحرية والتغيير أول من أمس، لذلك عملت على إجهاضه بهدف إدخال البلاد في نفق مظلم.
ولاحقاً حمل قادة عسكريون في مؤتمر صحافي عقد في وقت مبكر من صباح أمس، التصعيد الذي قامت به قوى إعلان الحرية والتغيير، المسؤولية عن إعداد الميدان للاعتداء على المتظاهرين ورجال القوات المسلحة. وأشار المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي شمس الدين الكباشي في حديثه للصحافيين، إلى ما أطلق عليها «دعوات مبرمجة للتصعيد» نظمتها قيادة الحراك، وقال إنها هيأت للأحداث المؤسفة، وإطلاق النار والتفلتات الأمنية في منطقة الاعتصام وحولها، وتضمنت احتكاكات وعمليات استفزاز بين المعتصمين والقوات النظامية.
ولم يحدد الكباشي هوية القوة التي هاجمت المعتصمين، واكتفى وقيادات الجيش بنسبة العملية إلى «مندسين» بين المعتصمين، وقال إن أحد ضباطه «الرائد كرومة» قتل برصاص قناص من أعلى جسر النيل الأزرق الذي يسيطر عليه المعتصمون، فضلاً عن إصابة عدد من الجنود وبينهم ضابط إصابته خطيرة.
من جهته، سار «تجمع المهنيين السودانيين» في اتجاه بيان المجلس العسكري الانتقالي نفسه، وحمل المسؤولية عن مقتل المحتجين من أطلق عليهم «بقايا النظام الساقط»، وقال في بيان إن دافعهم للعملية هو وقف الاختراق الذي حدث في التفاوض أول من أمس. وقال: «ما حدث في التفاوض اليوم من تقدُّمٍ، سدَّد ضربة موجعة لبقايا النظام الساقط لا محالة، فدفعها للخروج من أوكارها في محاولة بائسة أخيرة لجر الثوار للعنف وفض الاعتصام بالقوة».
وتابع: «ما لم ولن تعلمه بقايا النظام وأذياله الخائبة، هو أن من وقف أمامها قبل اليوم وهي في كامل عتادها، قادر على الوقوف في وجهها يومياً شاهراً سيوف السلمية، التي تسدد طعناتها الناجزة لكل من تسوِّل له نفسه العبث بالثورة الممهورة بدماء الشهداء الطاهرة».
ودعا التجمع الذي أسس لتنظيم الاحتجاجات وقيادته، من أطلق عليهم «الشرفاء من الضباط وضباط الصف والجنود بقوات شعبنا المسلحة إلى القيام بمهامهم في التصدي للعابثين بمكتسبات الثورة وحماية إخوتهم الثوار»، معتبراً حماية الثوار هي «ما أقسموا عليه في شرف الجندية».
وحمل البيان المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية عن حفظ الأمن وحماية المواطنين، ولجم بقايا النظام الساقط وجهاز أمنه وميليشياته وكتائب ظله، وتابع: «رغم عظم الفقد وألمه فسنواصل سلميتنا، ونخطو بخطى واثقة نحو هدفنا الذي نصبو إليه جميعاً».
ورغم التوتر الذي يسود الساحة السياسية السودانية، فقد استأنفت المباحثات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، لتواصل ما بدأته أول من أمس، وعدته الأطراف كافة «اختراقاً».
وتوصل الطرفان بعد توتر وتصعيد مستمر إلى اتفاق على مستويات الحكم وهياكله وسلطات كل مستوى وصلاحياته، وتبقت نقطتان هما نسب المشاركة في المجلس السيادي المشترك بين المدنيين والعسكريين، وطول الفترة الانتقالية، التي يرى المجلس العسكري أن تقتصر على سنتين، بينما يرى الطرف الآخر أن فترة السنتين غير كافية لإنجاز مهام مرحلة ما بعد نظام البشير، ويقترح أربع سنوات.
واستغل «حزب المؤتمر الوطني» الذي ظل يحكم البلاد بقيادة المعزول عمر البشير، أحداث مقتل المعتصمين، وأصدر بياناً هو الأول له منذ تنحية حكومته، ندد فيه بتحميل المسؤولية عن مقتل المحتجين له، وطالب المجلس العسكري الانتقالي بحفظ الأمن وإجراء التحقيقات اللازمة والقبض على الجناة، بموازاة الاتهامات التي وجهت لـ«كتائبه وميليشياته» بالضلوع في الجريمة التي هزت الخرطوم.
وقال الحزب الذي أصدر المجلس العسكري الانتقالي قرارات بوضع يده على دوره وممتلكاته، وعزله عن المشاركة خلال الفترة الانتقالية: «إننا نرفض تماماً هذه الاتهامات الجائرة».
ومنذ 6 أبريل (نيسان) الماضي، يعتصم الآلاف أمام قيادة الجيش السوداني، ويرفضون مغادرة مكان الاعتصام قبل تسليم المجلس العسكري الانتقالي السلطة للمدنيين، بمواجهة تخوفات من عدم التزام المجلس العسكري بالإيفاء بتعهداته بتسليم السلطة للمدنيين.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.